الطريق إلى أوكرانيا (6) استراتيجية الأمن القومي الأمريكي

بايدن

تناولنا في الجزء السابق من هذه السلسلة استراتيجية الأمن القومي الروسي، وكيف كانت أحد أسباب الحرب الروسيةـ الأوكرانية 2022، وخاصة بعد ما شهدته هذه الاستراتيجية من تحولات في التوجهات والأدوات، وكذلك في الأهداف والطموحات، وفي المقابل يمكن القول أيضًا إن استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، وما شهدته من تطورات خلال العقود الثلاثة الماضية، منذ انهيار الاتحاد السوفيتي 1991 وحتى اليوم، ثم تحولاتها الكبرى في مرحلة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، كانت أيضًا أحد محددات ومحفزات ودوافع الحرب الروسية ـ الأوكرانية 2022.

فقد نصت استراتيجيات الأمن القومي الأمريكي، وتحديثاتها التي تتم كل 4 سنوات على مركزية موقع روسيا الاتحادية كونها أحد أهم بل وأخطر التهديدات التي تواجه الهيمنة الأمريكية على قمة النظام الدولي الأحادي القطبية منذ 1991، ومع تحولات الدور الروسي بعد حربي جورجيا 2008 والقرم 2014، انتهى تقرير صادر عن مؤسسة التراث الأمريكية (The Heritage Foundation) في ديسمبر 2015، إلى أن السياسة الأمريكية تجاه روسيا تفتقد لأي استراتيجية شاملة ومتماسكة، وجاء التقرير تحت عنوان: “الاستراتيجية الشاملة للولايات المتحدة تجاه روسيا”، وأسهم في إعداده 16 باحثًا وخبيرًا، وتضمن التقرير ما أسماه “استراتيجية شاملة” مُقدمة لصانع القرار الأمريكي حول كيفية التعامل مع التحديات التي يفرضها الوجود الروسي في مناطق مختلفة من العالم، مما يهدد المصالح الأمريكية وحلفاء واشنطن في هذه المناطق.

وأكد التقرير أن نجاح الاستراتيجية الأمريكية تجاه روسيا يعتمد بالأساس على تقييم طبيعة النظام الروسي، وعدم إغفال أن روسيا تتبنى أيديولوجية معادية لواشنطن، وهو ما يجعلها مصدر تهديد على الرغم من ضآلة احتمالية الصدام المباشر بين القوتين، الأمر الذي يتطلب تبني عدد من السياسات والإجراءات الأساسية، في مقدمتها: أن تقوم الولايات المتحدة بتكبيد روسيا خسائر سياسية واقتصادية وعسكرية فادحة لا تستطيع موسكو تحملها على المدى الطويل، نتيجة لتعثر الاقتصاد الروسي.

والعمل على حماية الولايات المتحدة لحلفائها وضمان مصالحهم، وأن تستجيب لتصرفات روسيا بسياسات تدفعها نحو الانصياع، واتخاذ مواقف أكثر قبولًا، على أن يتصف رد الفعل الأمريكي بالعقلانية والرشادة والتروّي، وأن يكون فحوى الاستراتيجية الأمريكية قائمًا على الدفاع عن القيم التي تتبناها الولايات المتحدة مثل الحرية وسيادة القانون ونبذ الديكتاتورية، التي يمثلها الرئيس الروسي بوتين (وفقًا لتقرير المؤسسة).

الردع أساس تعزيز الاستقرار الاستراتيجي مع روسيا

في تقرير بعنوان “تعزيز الاستقرار الاستراتيجي مع روسيا”، صدر عن مركز سياسات الدفاع والأمن الدولي التابع لمعهد أبحاث الدفاع الوطني في مؤسسة راند الأمريكية عام 2017، برعاية من مكتب وزير الدفاع الأمريكي وهيئة الأركان المشتركة، وقوات البحرية الأمريكية ومجموعة استخبارات الدفاع، نص التقرير على أن الردع النووي سيبقى جزءًا أساسيًا من السياسات الأمنية الأمريكية متى تعلّق الأمر بروسيا، ويتطلّب ذلك استثمارًا مستمرًا في التحديث النووي ورسائل فعّالة في الولايات المتحدة ومن حول العالم على حدٍّ سواء مفادها أنّ الأسلحة النووية تبقى جزءًا حيويًا من الترسانة العسكرية الأمريكية؛ وأنّ الولايات المتحدة تبقى مستعدّة عسكريًا وسياسيًا ونفسيًا لاستخدام الأسلحة النووية دفاعًا عن المصالح الحيوية الأمريكية.

وأكد التقرير: يجب أن توضّح واشنطن لموسكو في قنوات ديبلوماسية وعلنًا أنها قد تعدّ أي استخدام لسلاح نووي -بغض النظر عن صغره أو تمييزه- تجاوزًا لعتبةٍ لم يتم خرقها لأكثر من 70 عامًا، وأن استخدامًا نوويًا قد يبدّل بشكلٍ كبيرٍ الوضع، مؤديًا إلى ظهور مشاكل جديدة لها تداعيات غير قابلة للتنبؤ بها وكارثية بشكلٍ محتمل، وقد يكون الهدف زرع الاحتمال في أذهان القيادة الروسية بأن الاستخدام الروسي الأوّل قد يؤدي بشكلٍ مؤكد تقريبًا إلى ردّ نووي أمريكي، ويساعد بالتالي على ردع الكرملين من الاستخدام الأول.

وأضاف: “يتوجب على واشنطن أيضًا أن تطوّر وتصيغ سياسات واضحة بشأن الرادع الإلكتروني، ويجب أن توضّح هذه السياسات أنواع الهجمات الإلكترونية ضد الولايات المتحدة، أو حلفاء الولايات المتحدة أو القوات الأمريكية التي قد تُعد غير مقبولة، وتستدعي ردًا أمريكيًا، وقد تساعد مثل هذه الخطوط الحمراء في تعزيز الاستقرار الاستراتيجي”.

وخلص التقرير إلى أنه “ستدعو الحاجة أيضًا إلى إجراءات ردعٍ تقليديةٍ من أجل الحدّ من انتشار الحروب الصغيرة، فعلى سبيل المثال إن نشر القوات الأمريكية بمستويات مناسبة وقوات الناتو في أوربا الوسطى مهم أيضًا للحد من خطر حصول صراع مع روسيا في دول البلطيق، ويجب أن تساعد الجهود العاجلة إلى تعزيز القدرات السياسية والاقتصادية والعسكرية للحلفاء من خارج حلف الناتو المعرضة لتدخّل روسي، في حال التعامل معها بشكلٍ جيد، على الحدّ من الحوافز للعدوان الروسي، وبالتالي حصول حروب صغيرة على حدود روسيا”.

التوجيه المؤقت لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي وسياسات إعادة الانتشار

في إطار مثل هذه التوجيهات والتوصيات، جاءت وثيقة “التوجيه المؤقت لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي” التي نشرتها إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن في الثالث من مارس 2021، لتؤكد هذا بوضوح، فذكرت أن “مصير أمريكا اليوم صار أكثر ارتباطًا بالأحداث خارج شواطئنا أكثر من أي وقت مضى”، وأشارت إلى أن “هناك العديد من القضايا التي تشكل تهديدًا للولايات المتحدة، مثل فيروس كورونا، وتغير المناخ العالمي، والقومية العالمية، والتغيرات التكنولوجية، وصعود القوى المنافسة لواشنطن مثل الصين وروسيا”..

وذكرت الوثيقة أن الصين باتت “المنافس الوحيد المحتمل القادر على الجمع بين قوته الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية، لتشكيل تحد مستدام لنظام دولي مستقر ومنفتح”، كما أشارت إلى “التهديد” الذي تفرضه روسيا “التي لا تزال تصر على تعزيز نفوذها العالمي، وأن تلعب دورًا يتسبب في حالة من الفوضى على الساحة العالمية”.

ومع وضوح التهديدات الاستراتيجية التي يمكن أن تتعرض لها الولايات المتحدة الأمريكية، كان هناك تأكيد حول أهمية الوضوح كذلك في التوجهات الاستراتيجية لإدارة بايدن، فيما يتعلق بكيفية مواجهة هذه التهديدات، خاصة من جانب روسيا التي نجحت في فرض سياسة الأمر الواقع في البحر الأسود بعد ضمها أوستينيا الجنوبية وأبخازيا من جورجيا 2008، ثم ضمها شبه جزيرة القرم من أوكرانيا 2014، وتدخلها العسكري المباشر في سوريا، وتمددها الاستراتيجي في حوض البحر المتوسط عبر بوابة نظام السيسي في مصر، واللواء خليفة حفتر في شرق ليبيا، ثم استمرار التمدد في منطقة الساحل والصحراء الأفريقية، وخاصة في تشاد ومالي وأفريقيا الوسطى عبر بوابة شركة فاجنر الروسية.

الأمر الذي دفع إدارة بايدن إلى التفكير في خطط الانتشار العسكري الأمريكي في العالم، وخاصة في المناطق التي يمكن من خلالها احتواء كل من روسيا والصين، وذلك على النحو التالي:

أ- إعادة الانتشار في أوربا والمتوسط:

في 8 مارس/آذار 2021، دخلت مجموعة سفن أمريكية للبحر المتوسط عبر مضيق جبل طارق تنتمي لأسطول العمليات السادس الأمريكي، وفي نهاية فبراير/شباط 2021، أنزلت أمريكا وحدات من القسم الأول مشاة، ضمن فرقة الطيران القتالي، في ميناء إليكساندربوليس شمالي اليونان، للمشاركة ضمن عمل القوات الأمريكية الجوية الموجهة لمساندة أوربا وأفريقيا، والمسؤولة عن الأصول المرتبطة بالطيران الأمريكي في المنطقة، تنفيذًا للقرار الأمريكي/الأوربي المشترك بخصوص الوجود الروسي في أوكرانيا، والذي يحمل اسم “عملية الحل الأطلسي”، ويتضمن إنزال 30 مروحية تشارك في تدريبات لصالح رومانيا في مارس/آذار 2021.

كما نشرت واشنطن عشرات المروحيات العسكرية، وقررت توسيع أربع قواعد عسكرية لها في اليونان، وخصصت قواعد بحرية للقوات الأمريكية جزءًا من اتفاقيات دفاعية بين البلدين، واستخدمت 145 مروحية ومئات المركبات العسكرية في مناورات “المدافع عن أوربا 2021″، علاوة على الترتيبات المرتبطة بما تم من تدريبات مشتركة مع اليونان في تراقيا الغربية، وفي الإطار نفسه شرعت الولايات المتحدة في فتح مسار للوجود في البحر الأسود حيث أجرت تدريبات مشتركة مع تركيا في البحر الأسود، واليونان في بحر إيجه، في سياق الاستعدادات لتأمين منطقتي البلقان والبحر الأسود، بجانب تطوير الرؤية الأمريكية للمنطقة بعد اللقاء الثلاثي الذي ضمَّ بولندا ورومانيا وتركيا لتطوير القدرات القتالية لرومانيا عبر المروحيات القتالية، والتي سبق إنزالها في إليكساندربوليس.

وشاركت واشنطن مع اليونان وعدد من أعضاء الناتو في تدريبات كريت خلال يناير/كانون الثاني 2021، وتدريبات “شرق تراقيا” في 22 فبراير/شباط 2021، وتدريبات “بحر إيجه” في 13 مارس/آذار 2021، وتدريبات “إينيكوس” في أبريل/نيسان 2021، كما أجرت تدريبات مع تركيا في البحر الأسود في 10 فبراير/شباط 2021، وفي شرق المتوسط، في 17 مارس/آذار 2021.

ب- إعادة الانتشار في المحيطين الهادي والهندي:

فقد جاء قرار انضمام المدمرة الأمريكية “يو إس إس رافائيل بيرالتا” (USS Rafael Peralta) إلى حاملة الطائرات “يو إس إس رونالد ريغان” (USS Ronald Reagan) وسفينة القيادة بالأسطول السابع الأمريكي “يو إس إس بلو ريدج” (USS Blue Ridge) في ميناء “يوكوسوكا” الياباني مؤشرًا على أن الولايات المتحدة تولي اهتمامًا كبيرًا لمنطقة التقاء المحيطين الهادئ والهندي، حيث تواجه الولايات المتحدة الصين في صراع نفوذ على المنطقة، وتتجه أوربا لزيادة وجودها في منطقة المحيط الهادئ كذلك عبر إرسال المملكة المتحدة حاملة طائراتها “كوين إليزابيث” (Queen Elizabeth)، فيما تبحث ألمانيا إرسال فرقاطة حربية إلى اليابان، ما يعني أن الاهتمام باحتواء الصين يتصاعد في دوائر القرار الغربية.

ج- إعادة الانتشار في الخليج العربي:

فقد أمر جو بايدن بسحب بعض القوات الأمريكية من منطقة الخليج، وإعادة تنظيم تركيز القوات الأمريكية في مناطق أخرى، وكانت أهم القطع التي جرى سحبها 3 بطاريات لصواريخ “باتريوت” بأطقمها من منطقة الخليج أُعيد نشرها في القوقاز، وأعلن البنتاغون أن عملية إعادة الانتشار هذه تهدف إلى المساهمة في جهود احتواء كل من روسيا والصين دون أن تضطر الولايات المتحدة إلى تحويل قوات من مناطق أكثر حيوية بالنسبة للمصالح الأمريكية، فيما أبقت على منظومات الدفاع الجوي (Terminal High Altitude Area Defense) المعروفة اختصارًا باسم “ثاد” (THAAD) لضمان الدفاع عن السعودية ضد “الصواريخ الباليستية”، كما أعلنت الإدارة الأمريكية عن خططها لسحب أكثر من ثلث قواتها الموجودة في العراق، مع الإبقاء على قوات لتقديم المشورة والمساعدة لقوات الأمن العراقية.

هذه السياسات وغيرها، دفعت باتجاه تعزيز النزعات الهجومية والعدوانية لدى القيادة الروسية، التي أصدرت في المقابل استراتيجية الأمن القومي الروسي 2021، والتي جاءت في الكثير من مضامينها، وخاصة ما يتعلق منها بالسياسة الخارجية ردًا على توجهات استراتيجيات الأمن القومي الأمريكية، وكانت أوكرانيا إحدى ضحايا صراع الاستراتيجيات، ولن تكون الأخيرة، في ظل التنافس المحموم روسيًا وصينيًا على إعادة تشكيل هيكل النظام الدولي في مواجهة الولايات المتحدة التي لن تتوقف عن بذل كل الجهود لضمان استمرار هيمنتها على نظام أحادي القطبية بمرجعية غربية.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان