عالم عبد الفتاح مصطفى.. مولاي إني ببابك

الدخول إلى بوابة الشاعر المصري الكبير عبد الفتاح مصطفى هو دخول إلى عوالم الروح والقلب والمحبة، عالم لا ينتهي من السباحة في العشق الرباني والمحمدي، فأنت في حضرة القلب الرباني المحمدي، وما أدراك ما العشق الكوني الذي ترتبط به مع خالق الكون والرسول الكريم؟!
عندما قررت الدخول إلى عالم هذا الشاعر الذي لا يتمتع بشهرة واسعة، اكتشفت أن هناك مساحة من وجداني قد شكلها هذا الشاعر دون أن أدري أنه صاحب هذه المساحة، فمن المقدمة الغنائية لمسلسل “محمد رسول الله” إلى أدعية عبد الحليم حافظ الدينية، ومن مسلسل “على هامش السيرة” لأغاني فيلم الشيماء، لتلك المناجاة التي تناجي فيها رابعة العدوية الله -تعالى- في فيلم “رابعة العدوية” إلى تواشيح الشيخ سيد النقشبندي التي كان وراء إنتاجها رجل بدرجة رئيس جمهورية.. عوالم عبد الفتاح مصطفى إذا دخلتها تهت عن بوابة الخروج.. ستظل هناك.
الدخول من بوابة الكبار
كانت الأغنية الأولى التي سجلت للشاعر الحاصل على ليسانس الحقوق عام 1952، ودبلوم الشريعة الإسلامية عام 1954، هي أغنية “عروس النيل” للملحن الكبير محمد عبد الوهاب، فقد دخل عبد الفتاح مصطفى إلى عالم الأغنية مصاحبًا أهم موسيقي في ذلك الوقت، ومحمد عبد الوهاب إذا عمل مع شاعر فإنه يحتفظ به لنفسه، ولم يكن مصطفى من هذا النوع، فللشاعر عالمه الخاص، ولا يسعى إلى ملحن أو مطرب أو مطربة.
ومثلما جاءت أغنية عروس النيل لعبد الوهاب عن طريق لجنة الإذاعة المصرية المؤلفة من رئيس الإذاعة سعيد لطفي باشا، ومحمد صلاح الدين وزير الخارجية آنذاك، وعبد الحميد عبد الحق وزير الشؤون الاجتماعية، جاءت بداية أغانيه لسيدة الغناء العربي أم كلثوم مع الموسيقار الكبير رياض السنباطي في أغنيتين هما “لسه فاكر” و”تائب تجري دموعي” لتشكلا بداية تعاون مع أم كلثوم قدما خلاله اثنتي عشرة أغنية منها “أقولك إيه عن الشوق”، “إنا فدائيون”، “صوت بلدنا”، “يا حبنا الكبير”، “يا سلام على الأمة”، و”طوف وشوف”.
شوف هنا جنب المصانع والمداخن والزحام
الغيطان اللي آخرها المئذنة وأبراج الحمام
والسواقي اللي ما نامت ليلة من كام ألف عام
شوف جمال الريف وآمِن بالمحبة والسلام
وفي هذه الأغاني تعاونت أم كلثوم مع السنباطي وبليغ حمدي ومحمد الموجي كبار الملحنين في مصر لتقدم من كلمات عبد الفتاح مصطفى ما لم تغنيه سيدة الغناء من قبل.
تواشيح بقرار جمهوري
طلب الرئيس المصري الأسبق أنور السادات من بليغ حمدي والشيخ سيد النقشبندي أن يتعاونا على تقديم عمل فني على غرار ما حدث في لقاء أم كلثوم مع الموسيقار محمد عبد الوهاب بطلب من الرئيس جمال عبد الناصر، واحتار الثنائي فيما يقدمان. كان بليغ قد لحن لعبد الفتاح مصطفى أغاني في فيلم الشيماء، وكذلك أغنية “إنا فدائيون” مع أم كلثوم، فطلب منه أن يختار تواشيح ليغنيها الشيخ سيد النقشبندي، وكان النقشبندي في تحفظ كبير فكيف -وهو الذي ينتمي إلى الطريقة النقشبندية الصوفية- يواكب ألحان بليغ وما فيها من إيقاعات وموسيقى؟ ولكن ما إن بدأت المقدمة الموسيقية ودخول “الكورال” في دعاء “مولاي” حتى أنشد الشيخ مجموعة من أجمل تواشيحه، فقد استطاع بليغ أن يدخل في عالم النقشبندي بما قدمه من كلمات لشاعر فريد في عالمه هو عبد الفتاح مصطفى، وأنتج الثلاثي ستة تواشيح (أدعية):
أدْعوكَ يَا ربّ فاغْفِرْ زَلَّتِي كَرَمًا..
واجْعَل شَفيعَ دُعائي حُسْنَ مُعْتَقدي
وانظُرْ لِحالي.. في خَوْفٍ وفي طَمَعٍ..
هَلْ يَرْحَمُ العَبْدَ بَعْدَ اللهِ مِن أحدٍ؟
مَوْلاي إنّي بِبابِكَ قَد بَسطْتُ يَدِي..
مَن لي ألوذُ به إلاك يا سَنَدي؟
في محبة الرسول
وجد عبد الفتاح مصطفى قمة إبداعه في محبة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ويقول عن سر تألقه في الأغنية المحمدية والدينية “وجدتُ سبيلي إلى الله، فسيدنا مُحمَّد أخذ بمجامع قلبي وبعيْن قلبي فوجَّهها إلى الله تعالى، وتأملي في رحمة الله في كل خلقه جعلني أصل إلى طريق الله”.
قدّم عبد الفتاح مصطفى سيناريو وحوار المسلسل التلفزيوني “محمد رسول الله” في ثلاثة أجزاء، وهو المسلسل الذي أنتجه التلفزيون المصري في بداية الثمانينيات، وقبله قدّم أيضًا مسلسل “على هامش السيرة”، تلك الأعمال التي شكلت وجدان جيل كامل في ذلك الوقت، وكتب مصطفى المقدمة والنهاية للعملين أيضًا، ولحن جمال سلامة، وأنشدت ياسمين الخيام مقدمة مسلسل “محمد رسول الله”، وفيها يقول الشاعر في وصف النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم:
دعوة إبراهيم.. ونبوءة موسى
ترنيمة داود.. وبشارة عيسى
صلى الله على محمد
صلى الله عليه وسلم
محمد رسول الله
يا نبي الله.. يا حبيب الله
يا أمين الله يا نبي الله
يا محمد
ثم كان فيلم الشيماء الذي كتب له عبد الفتاح مصطفى تسع أغانٍ، قام بتلحينها محمد الموجي وبليغ حمدي، والملحن الذي لم يأخذ حظه من الشهرة مثله عبد العظيم محمد. وأنشدت الفنانة الكبيرة سعاد محمد على لسان شيماء بني سعد أخت الرسول من الرضاعة في القصة التي كتبها علي أحمد باكثير عن قصة حياة الشيماء، ومن أغاني الفيلم “يا محمد”، “قرة عيني”، “رويدكم.. رويدكم”، “لقد نجا”، “إنك لا تهدي الأحبة”، وفي هذا الفيلم أعاد عبد الفتاح مصطفى صياغة أغنية “طلع البدر علينا” فقدمها في شكل إبداعي جديد من تلحين عبد العظيم محمد يقول فيه:
طلع البدرُ علينا ومن النورِ ارْتَوَيْنَا
برسولِ اللهِ قَرِّي يا رُبَى يَثربَ عَيْنَا
هبةُ اللهِ إلَينا.. مَن يفي للهِ دَيْنَا
وجبَ الشكرُ علينا ما دعا للهِ داع
وهكذا في أغنيات الفيلم أنشد الشاعر في المحبة للرسول وللدعوة، فلم تفلت منه الفرصة ليعبر عن صوفيته ومحبته، وفي فيلم فجر الإسلام الذي أنتجته المؤسسة العامة للسينما وأخرجه صلاح أبو سيف عام 1971، قدم عبد الفتاح مصطفى أنشودة الفيلم “في رحاب يثرب”، وغنّتها المجموعة، والأغنية تعبّر عن نجاح هجرة الرسول وصحابته، ولأن مصطفى قدّم من قبل أغنية طلع البدر علينا فقد أبدع هذه الأنشودة:
سعيًا إلى نورِ النبيّ الهادي
والرحمة الكبرى على العبادِ
ومن يعادي الله فليعادي
صبرًا جميلًا يا أخا الجهادِ
مشوار مع الإذاعة المصرية
بدأ مصطفى حياته في الإذاعة المصرية منذ أغنيته الأولى مع محمد عبد الوهاب وأغانيه مع أم كلثوم ورياض السنباطي، وغنى له كل المطربين المصريين من فتحية أحمد إلى عفاف راضي، ومن صالح عبد الحي إلى هاني شاكر، ولحن له معظم ملحني مصر الكبار، فقد قدم ما يقرب من ألف أغنية، وقدم مصطفى ما يقرب من أربعين “أوبريت” غنائي وصورة غنائية منها “عوف الأصيل”، “عذراء الربيع”، و”الشاطر حسن”، وما يقرب من ألف تمثيلية إذاعية، وسبعة عشر مسلسلًا إذاعيًّا. استطاع عبد الفتاح أن تكون الإذاعة هي بيته، وخرج منها ليقدّم بعضًا من أغاني الأفلام، لكنه كان دائمًا يعود إلى عالم الإذاعة الذي نما وكبر معه.
في الإذاعة المصرية قدّم مجموعة أغانٍ متميزة عن شهر رمضان قدمتها له فايزة أحمد “كريم المعاني يا شهر الصيام”، وإسماعيل شبانه “يا شهر المواكب”، وأغنية شريف فاضل التي تعد أيقونة من أيقونات شهر رمضان “والله لسه بدري”.
تحلِّف يتيمك ما تلمح دموعه
وتسرُّه بقدومك وتنور شموعه
وتسيب يوم وداعك فوق الأرض عيد
يا هالل بفرحة ومفارق بفرحة
ولا نستطيع أن نغادر هذا المقال قبل أن نشير إلى تجربة عبد الفتاح مصطفى مع الموسيقار محمد الموجي والعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ في مجموعة الأدعية التي قدمها الثلاثي للتلفزيون المصري، وهي ثلاثون دعاءً قدموها نقل فيها الموجي ومصطفى وعبد الحليم حافظ إلى منطقة جديدة في الغناء، وكان عبد الحليم ومصطفى قد التقيا من قبل في أغنية “القلب بيسأل ويسلم” في فيلم “فتى أحلامي”، ولكن تجربة الأدعية الدينية هي المحطة الكبرى لهما معًا، ومن هذه الأدعية “ع التوتة والساقية”، “أنا من تراب”، “أدعوك يا سامع نداي”، “بين صحبة الورد”، “خليني كلمة”، “ورق الشجر صفحات”.
خليني كلمة تصحّي الناس وتهديها
خليني رحمة تمس جراح وتشفيها
خليني بسمة تهني قلوب وترضيها
خليني همَّة لكل عزيمة تحيها
يا رب..
في كل مساحة من هذه المساحات التي قدّمها عبد الفتاح مصطفى لا يمكن أن تكون بوابة دخولك إلى عالمه هي بوابة الخروج ذاتها إن استطعت أن تخرج من عظمة الإنشاد وروعة الكلمات، ففي كل لحظة ستكتشف عالمًا جديدًا، عالمًا بلا نهاية يأخذك فيه هذا الشاعر الذي تتردد أغانيه وترددها داخل ذاتك ولا تدري من كاتبها؟ وعندما يفاجئك أحدنا بأنه عبد الفتاح مصطفى ستجد من يقول لك: مين عبد الفتاح مصطفى؟ وهو لا يدري أن وجدانه قد تشبع من إبداع هذا الشاعر الذي اختار الإبداع ولم يختر الشهرة، فصار علامة نادرة في عالم أغنية العشق والمحبة الإلهية.
