أرثر يوسف شاهين النبيل.. الناصر صلاح الدين

منذ أول ظهور لشخصية أرثر، ظل ريتشارد ملك إنجلترا في فيلم “الناصر صلاح الدين” نكتشف أننا أمام شخصية درامية من الطراز الفريد، فالمشهد دخول فرجينيا (جميلة الجميلات) الحالمة بعرش أورشليم البلاط الملكي لملك إنجلترا طالبة منه المساعدة في هزيمة صلاح الدين، وإعادة احتلال القدس، وفي خلفية الصورة يظهر أرثر مختبئا مع جون ولي عهد إنجلترا وهو يتأمر على ريتشارد ليحصل جون على ملك إنجلترا مقابل أن يمنحه عرش أورشليم.
وجهان لأرثر
منذ اللحظة الأولى لظهور الشخصية، يبدو أننا أمام شخصية معقدة ذات وجهين، فالظاهر أنه المخلص الأمين لريتشارد الملك، خاضع ذليل له، يقف كظله دائما لا يتكلم إلا بإذن، ينصحه بكل إخلاص ظاهر، يدين بكامل الولاء، يراقب من هم حول ريتشارد، ويتمسح إليه، تلك هي الشخصية الظاهرة، لريتشارد ومن حوله، أما في الخفاء فهو متأمر لا يتوانى عن فعل كل المؤامرات من أجل أن يفوز بملك بيت المقدس والقدس وفي سبيل ذلك يمضي في سلسلة من الخدع وبداية من المشهد الأول في الظهور.
فيلم “الناصر صلاح الدين” الذي انتجته المؤسسة العامة للسينما عام 1963، واستمر العمل فيه 5 سنوات، بدا مهتما جدا بالشخصيات الثانوية، مثل شخصية أرثر، والي عكا، رينو ملك القدس الصليبي، الملك العادل شقيق السلطان صلاح الدين الأيوبي، الدمشقي صانع الكور النارية، كل شخصيات الفيلم، مثل فيليب أوغسطس ملك فرنسا، كورانرد الجنرال الفرنسي، ظهرت مكتوبة بعناية شديدة، في الفيلم الذي كتب قصته الأديب المصري يوسف السباعي، وشارك في كتابة المعالجة السينمائية له مع عز الدين ذو الفقار ونجيب محفوظ، وكتب له الحوار مع عبد الرحمن الشرقاوي، وكتب السيناريو له يوسف شاهين، مع هذه المجموعة من المبدعين المصريين.
هذا الرجل يكره ريتشارد
بدا واضحا شخصية أرثر الثنائية والمزدوجة في مشهده مع صلاح الدين، حينما قتل الأسرى العرب في معسكر الصليبين، نتيجة مؤامرة من ملك فرنسا على رسل ريتشارد إلى صلاح الدين، يرسل ريتشارد أرثر الموثوق فيه من جانبه إلى صلاح الدين، يحاول أرثر توصيل رسائل إلى السلطان بما يجعله لا يقبل اعتذار ريتشارد ويردد صلاح الدين حين يكشف الشخصية المجهولة لأرثر: هذا الرجل يكره ريتشارد.
لدي أرثر مشكلتان؛ الأولى أنه ظل الملك الذي لا يتحدث إلا في مساحة محدودة، وفي الوقت نفسه يحمل له الضغينة نتيجة لعبه دور رجل الظل، يطمح أن يكون ملكا على القدس (أورشليم) متخلصا من تبعية ريتشارد، ويصبح حائزا لكنوز الشرق، والثانية مع السيدة الجميلة فرجينيا زوجة رينو قائد جنود الاحتلال الصليبي، يحاول أرثر الحصول على فرجينيا مع مملكة القدس، وفي وجود أمثال ملك فرنسا والجنرال كورانرد، يصبح الوصول إلى جميلة الجميلات صعبا خاصة مع شخص في سن أرثر، فيقوم بالتخلص منهما جنب إلى جنب مع خداعه ريتشارد، وتبدو الشخصيتان متلائمتين جدا لبعضهما بعضا، فرجينيا تحلم بعرش أورشليم ملكة عليها بغض النظر عن الملك من يكون، وفي سبيل ذلك تتآمر مع الجميع بدءا من والى عكا ونهاية بأرثر ظل ريتشارد المخادع، ورغم أن فرجينيا لا تطيق لهث الإنجليزي المسن وراءها إلا أنها لا تجد غيره لكي يسير معها إلى عرش القدس.
كان المخرج عز الدين ذو الفقار هو المرشح لإخراج فيلم “الناصر صلاح الدين” الذي أنتجته واحدة من أهم منتجي السينما المصرية أسيا داغر، ولكن مرض ذو الفقار ورشِّح -بديلا له- المخرج يوسف شاهين، وقد تكلف إنتاج الفيلم مائتي ألف جنيه مصري في ذلك الوقت، وهو يعد مبلغا ضخما جدا وقد اشتكت أسيا داغر من طلبات شاهين، وقالت إن الفيلم خرب بيتها، وتعرضت لأزمة ضخمة، وحجزت المؤسسة العامة للسينما على منزلها، نتيجة لإنتاجها الفيلم الذي حصد المركز الحادي عشر في قائمة أهم أفلام السينما المصرية في استفتاء أجري على هامش مهرجان السينما عام 1996، وشارك في الفيلم مجموعة كبيرة جدا من كبار الممثلين المصريين منهم أحمد مظهر في دور صلاح الدين، وحمدي غيث، ومحمود المليجي، وليلي فوزي، ونادية لطفي، وصلاح ذو الفقار، وعمر الحريري.
وسوسة أرثر لريتشارد ومحاولة التخلص منه
كلما اقترب ريتشارد من فهم طبيعة صلاح الدين والوضع في بيت المقدس، الذي يتمتع فيه أبناؤه المسيحيون بحريتهم الدينية في ظل حكام العرب والإسلام، ابتعد حلم أرثر وفرجينيا الطامعين في الاستيلاء على عرش المملكة وكنوز الشرق، ويتآمران من أجل أن يستمر ريتشارد في حربه ضد المسلمين العرب، عندما يدعو صلاح الدين ريتشارد للحج لبيت المقدس، وليرى ما يتمتع به المسيحيون من حرية العقيدة، ينطلق سهم مسموم ليصيب الملك ريتشارد ويصيح أرثر: خيانة.. سهم عربي مسموم.. انقذوا الملك ريتشارد.. لقد قتل العرب ريتشارد، وقبل هذا المشهد عندما تؤمن زوجة ريتشارد الملكة أن المسيحيين أفضل حالا مع ملك عربي عادل عن هؤلاء الذين يتآمرون على المسيحية وزوجها، يتصدى لها أرثر حتى يصيح ريتشارد: من أي جحيم تأتي بهذه الكلمات أيها الشيطان؟!
اليوم أرثر النبيل
وصل أرثر إلى هدفه ودفع ريتشارد إلى المواجهة التي استعد لها صلاح الدين جيدا واستطاع أن يجهز جيوشه لمواجهة أبراج جيوش الصليبين، ويخسر ريتشارد المعركة وتموت فرجينيا يقتلها أرثر حتى لا تعترف أنه صاحب السهم المسموم، ولكنها كانت قد اعترفت للمحاربة المسيحية النقية لويز، وتبلغ لويز الملك ريتشارد بالحقيقة، ينهزم الملك للمرة الثانية ويهمس لذاته: كل حلفائك خانوك يا ريتشارد واليوم أرثر النبيل، ويجن أرثر فقد ذهب الحلمان معا حلم العرش وحلم فرجينيا، (وكم من أرثر بيننا وقد حقق حلمه) ولم يعد في وسعه أن يخدع ريتشارد مرة أخرى.
ملاحظة أخيرة
استمر العمل في فيلم “الناصر صلاح الدين” خمس سنوات تحملت فيه منتجته الكثير من المصاعب وشارك فيه نخبة من أهم مبدعي مصر، وكان مرحلة مهمة في حياة مخرجه يوسف شاهين، ولكن يبقى القول إن كل شخصية في هذا الفيلم -رئيسية كانت أم ثانوية، حتى لو ظهرت في مشهد وحيد- رُسمت بعناية شديدة، وهذه قيمة الأعمال التي تبقي عبر التاريخ الفني.
