قطاع التأمين المصري في انتظار القانون الجديد

مارست شركات التأمين الأجنبية نشاطها بمصر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بتوفير الغطاء التأميني لإنتاج وتسويق محصول القطن، ومع مطلع القرن العشرين بدأ ظهور الشركات الوطنية منذ عام 1900، واقتصر نشاطها في البداية على تأمينات الحريق ثم توسع إلى السيارات والحوادث والتأمين البحري، وتوالى ظهور شركات التأمين خلال العشرينيات والثلاثينيات حيث أنشأ طلعت حرب شركة مصر للتأمين عام 1934.
وبعد حرب عام 1956 تمت تصفية شركات التأمين البريطانية والفرنسية، وفي عام 1961 تم تأميم جميع الشركات، واقتصر العمل على ثلاث شركات تابعة للقطاع العام وشركة لإعادة التأمين، ومع سياسة الانفتاح الاقتصادي خلال السبعينيات تم السماح بتأسيس شركات مصرية خاصة، والسماح بمساهمات أجنبية في رؤوس أموال شركات التأمين، ثم أصبح بإمكان الأجانب امتلاك كامل لرأسمال شركات التأمين منذ عام 1998.
وتوالى تأسيس شركات مصرية وعربية وأجنبية حتى وصل عدد الشركات العاملة بالسوق إلى 41 شركة، لكنه حتى العام المالي 2020/ 2021 المنتهي آخر يونيو الماضي لم تزد أصول تلك الشركات على 153 مليار جنيه، أي أقل من أصول البنك السادس بالترتيب من حيث قيمة الأصول في ذلك الوقت بين البنوك المصرية، وهو البنك العربي الأفريقي الذي بلغت أصوله 218 مليار جنيه.
كما بلغ إجمالي أقساط وثائق التأمين لشركات التأمين 47.5 مليار جنيه، لكن تلك القيمة تمثل نسبة سبعة في الألف من الناتج المحلي الإجمالي في نفس العام المالي البالغ 6.34 تريليونات جنيه، وهي نسبة متدنية يسعى قطاع التأمين لزيادتها بوسائل متعددة، منها إصدار قانون جديد للتأمين التجاري يحل محل القانون الصادر عام 1981 المعدل عام 2008.
القانون يزيد تعويضات حوادث السيارات
وسيتضمن هذا القانون زيادة رؤوس أموال الشركات من 60 مليون جنيه حاليا إلى 150 مليون جنيه، وأكثر من ذلك للشركات التي تمارس نشاطي تأمين البترول والطيران، والسماح بتأسيس شركات متخصصة في فرع تأميني واحد مثل النشاط الطبي، حيث تنتظر خمس شركات جديدة السماح بتأسيسها، كما يُخضع شركات الرعاية الصحية لرقابة هيئة الرقابة المالية، التي تراقب عمل شركات التأمين التجاري منذ إنشائها عام 2009.
ويرفع من قيمة الحد الأقصى لتعويضات حوادث السيارات للتعويضات المادية لإصلاح السيارات من عشرة آلاف جنيه حاليا إلى عشرين ألف جنيه، والتعويضات للمتوفين والمصابين بعجز كلي دائم من 40 ألف جنيه إلى مئة ألف جنيه، وهو القانون الذي استغرق إعداده ثلاث سنوات وكان من المفترض صدوره خلال الربع الأول من العام الحالي.
وتتنوع شركات التأمين العاملة بالسوق المصري الإحدى والأربعين بين 25 شركة تعمل في مجال الممتلكات والمسؤوليات، مقابل 16 شركة تأمين على الحياة للأشخاص، كما تنقسم نفس الشركات بين 31 شركة تأمين تجاري، وعشر شركات تأمين تكافلي بها لجان شرعية لمتابعة شرعية سبل توظيف استثماراتها، وتنقسم الشركات التكافلية إلى ست شركات تعمل في مجال تأمين الممتلكات، وأربع شركات في مجال التأمين على الحياة.
ويظل السؤال حول صغر حجم النشاط التأميني بالقياس إلى حجم الاقتصاد المصري، رغم القدم التاريخي لممارسة النشاط التأميني، وكثرة عدد الشركات وتعدد أنماط ملكيتها، وتعدد فروع نشاط تأمين الممتلكات إلى إحدى عشر فرعا هي: الحريق، والنقل البحري، والنقل الداخلي، وأجسام السفن، والطيران، وتأمين السيارات الإجباري، وتأمين السيارات التكميلي، والتأمين الهندسي، وتأمين البترول، والحوادث، والتأمين الطبي.
ضعف الدخل من أسباب قلة التأمين
وتتعدد أسباب ضعف الإقبال على التأمين، ومنها تفضيل الجمهور التعامل مع الشركات الحكومية ظنًّا منه أنها أكثر أمانًا إضافة إلى قدم وجودها بالسوق وكثرة فروعها مقارنة بالأخرى، مما منحها نصيبا ضخما من السوق على حساب باقي الشركات، وكذلك ضعف الوعي التأميني واعتبار البعض أن التأمين حرام شرعًا، كما يعتبر البعض التأمين رفاهية وليس ضرورة.
ومن تلك الأسباب ضعف الدخل مع كبر نسب الفقر مما يعني عدم وجود فوائض مالية لدفعها في أقساط التأمين، وصغر رؤوس أموال كثير من الشركات، مما يحول دون انتشارها الجغرافي وإنفاقها على الوعي التأميني؛ ولهذا تعتمد على دور الاتحاد المصري للتأمين المنشأ منذ عام 1950 للقيام بهذا الدور.
فإذا كان مجمل رؤوس أموال الشركات يبلغ 13.4 مليار جنيه، فإن الشركتين الحكوميتين تستحوذان على 7.5 مليارات جنيه، وهما مصر للتأمين ومصر لتأمينات الحياة، حيث تم دمج شركتي الشرق للتأمين والمصرية لإعادة التأمين بمصر للتأمين عام 2007.
وقد بقي للشركات الخاصة التسع والثلاثين أقل من 6 مليارات جنيه، ومن هنا فقد كان أعلى رأسمال شركة خاصة 339 مليون جنيه، وكانت 55 مليون جنيه لإحدى الشركات و60 مليون جنيه لست شركات و100 مليون جنيه لست شركات أخرى.
وهكذا استمر استحواذ الشركتين الحكوميتين على النصيب الأكبر من باقي المؤشرات، حيث بلغ نصيبهما 66% من مجمل حقوق الملكية لشركات التأمين و53% من الاستثمارات و51% من أصول الشركات.
وخلال العام المالي الأخير 2020 / 2021 أُصيبت خمس شركات بخسائر، وهي أكسا بقيمة 146 مليون جنيه، وكاف حياة بـ38 مليون جنيه، وتشب حياة بـ20 مليون جنيه، والوفاء لتأمينات الحياة بـ9 ملايين جنيه، وثروة لتأمينات الحياة بنحو مليون جنيه.
كورونا والتضخم يزيدان متاعب الشركات
وواجهت شركات التأمين خلال العامين الماضيين تداعيات فيروس كورونا التي زادت قيمة التعويضات التي دفعتها فروع التأمين الطبي بالشركات، نتيجة زيادة تكلفة العلاج والمستلزمات الطبية، كما زادت معدلات استعجال مقدمي الخدمات الطبية الحصول على مستحقاتهم، ومطالبتهم برفع قيمة الخدمات التي يقدمونها، وكذلك زادت تعويضات التأمين على الحياة، وتسببت كورونا في قلة الفوائض المالية لدى الجمهور مما يصعب معه شراء وثائق التأمين.
لكن مشكلة كورونا قد زادت إقبال الأفراد والأسر على التأمين الطبي خاصة مع ارتفاع تكلفة العلاج، وارتفاع تكلفة خدمات معامل التحاليل ومراكز الأشعة، كما زاد الإقبال على شركات التأمين على الحياة.
وحاليا تواجه شركات التأمين التجاري مشكلة التضخم، التي تزيد معها تكلفة قطع غيار السيارات، مما يضطرها لدفع تكاليف أعلى للسيارات المتضررة من الحوادث، وكذلك زيادة أسعار قطع غيار الآلات، مما يعني دفع تكلفة أعلى لتعويضات الآلات، وارتفاع أسعار الخدمات الطبية وغيرها، كما أن معيدي التأمين يرفعون أسعارهم.
لكن قيام البنوك برفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم يفيد شركات التأمين للحصول على عوائد أعلى لودائعها المصرفية، كما تقوم شركات التأمين برفع قيمة أقساط الوثائق مما يزيد الحصيلة لديها.
وفي ضوء انسداد المناخ الديمقراطي استغلت هيئة الرقابة المالية ذلك، وقامت بالتعاون مع الاتحاد المصري للتأمين بالتوسع في أنماط التأمين الإجباري، ومن ذلك تأسيس مجمعة للتأمين الإجباري على السيارات عام 2019، وفرض 300 جنيه عند استخراج جواز السفر، وتخصيص تلك القيمة للتأمين على السفر، مما أتاح لها التعامل مع 22 مليون شخص يحملون جوازات سفر وتحقيق إيرادات كبيرة.
كذلك فرضت مئة جنيه سنويا خلال تجديد عقود المصريين العاملين بالخارج، نظير التأمين عليهم ضد الوفاة والتعهد بنقل الجثمان إلى مصر في حدود مبلغ مئة ألف جنيه للفرد، ويجري التفكير حاليا في التأمين على المصريين بالخارج ضد الاستغناء عنهم خلال الشهور الستة الأولى من العمل التي تعتبر فترة تجريبية، تزيد خلالها حالات الاستغناء عن العامل.
