الطريق إلى أوكرانيا (3) توسع الاتحاد الأوربي

علم أوكرانيا على مبنى تضرر من الحرب في كييف

 

من المؤكد أن النسبة الأكبر من شعوب أوربا الشرقية التي تعيش اليوم، ليست هي التي كانت تعيش عام 1991، عندما انهار الاتحاد السوفيتي، وانهارت كتلته الشرقية، مع سقوط سور برلين 1989، ليس هذا فقط، بل إن النسبة الأكبر من شعوب الجمهوريات التي كان يقوم عليها هذا الاتحاد قبل الانهيار ليست نفسها التي توجد اليوم. فقد مر على هذا الانهيار أكثر من ثلاثة عقود، تغيرت فيها الأجيال، وتغيرت معها العادات والتقاليد والقيم والثقافات، والقوانين والتشريعات، والتوجهات والسياسات.

وارتبط الجانب الأكبر من التغيير في هذه المستويات بتوسع الاتحاد الأوربي ليضم بين أعضائه دولًا من أوربا الشرقية، والجمهوريات السوفيتية، فارضًا عليها نموذجه القيمي والحضاري والثقافي، والسياسي والاقتصادي والعسكري والأمني، هذا النموذج الذي يشكل أحد أهم بل وأخطر التحديات التي تواجه النموذج “الروسي ـ البوتيني”، بمنظوماته المتعارضة والمتناقضة، إن لم تكن العدائية والصراعية للنموذج الغربي، لذلك يمكن القول إن توسع الاتحاد الأوربي بعد 1992 وحتى اليوم كان أحد الدوافع الأساسية المحركة للحرب الروسية ـ الأوكرانية 2022.

الأخوة الأعداء: من هنا كانت البداية

في الوقت الذي كانت فيه الحرب العالمية الثانية، أحد أكبر الكوارث التي عاشتها البشرية في العصرين الحديث والمعاصر أمام ما ترتب عليها من أضرار مادية وبشرية، ما زال العالم يعاني من بعض تداعياتها حتى اليوم، فقد كانت هذه الحرب وتلك التداعيات من أهم دوافع تأسيس أكبر تنظيمين دوليين معاصرين، هما الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي.

فقد كانت القارة الأوربية المسرح الأهم والأكبر لهذه الحرب، وخرجت منها دولها ليست فقط مدمرة اقتصاديًا واجتماعيًا، بل وكذلك مقسمة حدوديًا، وكان المثل الأكبر على هذا التقسيم، تقسيم ألمانيا ذاتها، إلى دولتين شرقية وغربية، إلا أن هذا الدمار لم يقف حائلًا أمام قادة بعض الدول الأوربية للتفكير في حاضر القارة ومستقبلها، لذلك تلقفت مقترح وزير الخارجية الفرنسي “روبرت شومان” بتشكيل مجموعة أوربية للحديد والفحم، وسيلة لمنع المزيد من الحرب بين فرنسا وألمانيا، ورفع شعار “لن نجعل من الحرب أمرًا غير وارد فحسب، بل غير منطقي ماديًا أيضًا”.

وتبلور هذا الاقتراح في توقيع 6 دول هي (ألمانيا، إيطاليا، فرنسا، هولندا، بلجيكا، لوكسمبورغ) على معاهدة باريس، والتي بموجبها تم تشكيل “المجموعة الأوربية للفحم والصلب”، وذلك في 18 أبريل/نيسان 1951، وتضمنت رفع العقبات والحدود أمام تجارة الحديد والفحم بين الدول الموقّعة، وتطبيق سياسة موحّدة مع الدول التي بقيت خارج المجموعة، وحرية انتقال القوى العاملة بين الدول الموقّعة.

لم يكن الطموح في البداية كبيرًا، في وقت كانت التحديات التي فرضتها الحرب أكبر من الجميع، لذلك كان التحرّك في حدود الممكن والمتاح، فلم يتحدث قادة الدول المؤسسة عام 1951 عن اتحاد سياسي أو اقتصادي شامل، وهي قضايا يمكن أن تحول دون الاتفاق، لذلك جاء الحديث على ما يمكن الاتفاق عليه، وقد تم بالفعل، ونجحت هذه الدول في تحقيق أهدافها، من هذه المجموعة، حتى جاء العام 1957، والتوقيع على “اتفاقية روما” والتي كانت بمثابة قفزة نوعية في مسيرة هذا الاتحاد، حيث تم بموجبها تأسيس “المجموعة الاقتصادية الأوربية”، والتي شملت تأسيس الاتحاد الجمركي، وكذلك تأسيس “الجماعة الأوربية للطاقة الذرية”، وفي عام 1965 انصهرت المجموعات الثلاث (المجموعة الأوربية للحديد والفحم، والمجموعة الاقتصادية الأوربية، والمجموعة الأوربية للطاقة الذرية) في نظام إداري موحد عرف باسم “الجماعة الأوربية”.

من الاقتصاد إلى السياسة: الطريق نحو الاتحاد

كانت البداية الاقتصادية التي تقوم على تجميع المصالح المتفق عليها، أحد عوامل تعزيز مسيرة الاتحاد الأوربي، بل وتوسعه، لأنها لم تتعارض مع سياسات وسيادات الدول الأعضاء، ورغم ذلك انتظرت الدول المؤسسة 22 عامًا حتى تضم أعضاء جددًا، وكانت البداية عام 1973 بانضمام كل من المملكة المتحدة والدانمارك، ثم كان انضمام اليونان (1981)، وفي فبراير 1984 تم إقرار مشروع معاهدة “الاتحاد الأوربي” مسودة أولية للدستور الأوربي، وفي عام 1985 بدأت الدول الأعضاء المفاوضات الأولى لتسهيل حرية انتقال المواطنين بين الدول الأعضاء، فيما عرف لاحقًا باسم “اتفاقية شينغن”، وفي فبراير 1986، صدر قرار المجلس الأوربي في لوكسمبورغ بتعديل معاهدة روما، واعتماد “القانون الأوربي الموحّد”، الذي تم التوقيع عليه في مدينة لاهاي الهولندية، مع السير بالتوازي في إطار استكمال البنية المؤسسية للمجموعة الأوربية وصولًا إلى عام 1992..

فقد شهدت أوربا أهم تحول سياسي في تاريخها المعاصر، وذلك بتحويل المجموعة الأوربية إلى اتحاد شامل، عزز هذا التحول انهيار سور برلين وتوحيد ألمانيا 1989، ثم انهيار الاتحاد السوفيتي 1991، ولذلك جاءت اتفاقية ماستريخت 1992، والتي تُعد نقطة تحول حقيقية في عملية التكامل الأوربي، حيث أدخلت العديد من المؤسسات والسياسات التعاونية الجديدة وخاصة في قطاعات السياسة الخارجية والأمن والدفاع، ثم جاءت اتفاقيات أمستردام ونيس وشنجن، لتعزز من الأطر التشريعية والمؤسسية للاتحاد، ومن قيم المواطنة الأوربية.

صاحب هذا التطوير التشريعي والمؤسسي والسياسي والاقتصادي، توسعًا في عضوية المجموعة والاتحاد، حيث انضمت إسبانيا والبرتغال (1986) وإيرلندا (1993)، والسويد وفنلندا والنمسا (1995)، إلا أن التحول الأهم والأكبر في مسيرة العضوية في الاتحاد كانت على حساب دول أوربا الشرقية وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، وتحديدًا عام 2004، حيث انضمت 10 دول للاتحاد الأوربي هي (المجر، بولونيا، التشيك، إستونيا، ليتوانيا، سلوفاكيا، سلوفانيا، لتوانيا، مالطا، قبرص، رومانيا، بلغاريا)، وفي 2007، انضمت بلغاريا ورومانيا، ثم انضمت كرواتيا عام 2013، ليكون عدد الدول الأعضاء 28 دولة، من بينها 13 دولة من دول أوربا الشرقية والجمهوريات السوفيتية السابقة، قبل أن تخرج بريطانيا عام 2016، ليكون العدد 27 دولة، مع وجود 6 دول أخرى تنتظر الموافقة للانضمام للاتحاد هي (تركيا، ألبانيا، أيسلندا، صربيا، مقدونيا، مونتينيغرو)، بجانب كوسوفو، وجميعها باستثناء أيسلندا تنتمي جغرافيًا إلى شرق أوربا.

التوسع الأوربي بين السعي للهيمنة الغربية وتحدي الإمبراطورية الروسية

توسع الاتحاد الأوربي شرقًا لم يكن قاصرًا على الدول التي تم ضمها، ولن يتوقف عندها، بل إنه في مرحلة من مراحل التوسع والتمدد الأوربي برزت بعض الأطروحات المنادية بضم روسيا الاتحادية إلى منظومات هذا الاتحاد ومؤسساته، وسعيًا نحو تخفيف التوتر بين الطرفين أبرمت اتفاقية الشراكة والتعاون التي تم توقيعها في يونيو 1994 ودخلت حيز التنفيذ في ديسمبر عام 1997، وتم تطويرها عام 2007، حتى توفّر إطارًا سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا للعلاقات بين الطرفين.

واختارت روسيا عدم المشاركة في سياسة الجوار التي تبنتها دول الاتحاد في مواجهة دول أوربا الشرقية، حيث تطلعت لأن تكون «شريكًا مكافئًا» للاتحاد الأوربي، ولذلك اتفق الطرفان على إنشاء أربع مساحات مشتركة للتعاون في مختلف المجالات (مساحة اقتصادية مشتركة، ومساحة مشتركة للحرية والأمن والعدالة، ومساحة للتعاون في مجال الأمن الخارجي، ومساحة للبحث والتعليم والتبادل الثقافي)، وتبنّت قمة موسكو (مايو 2005) حزمة واحدة من خرائط الطريق لإنشاء هذه المساحات، وركّزت قمة لندن (أكتوبر 2005) على التنفيذ العملي لخرائط الطريق للمساحات المشتركة الأربعة، وصولًا إلى التوقيع على اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين 2011.

إلا أن هذه الاتفاقيات لم تتجاوز إشكاليات التناقض السياسي والطموحات الذاتية للطرفين، ففي عام 2013، حاولت روسيا إقناع بعض جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق بالانضمام إلى اتحاد أوروـ آسيوي بدلًا من توقيع اتفاقيات شراكة مع الاتحاد الأوربي، ونجحت في إقناع أرمينيا وأوكرانيا عام 2013 بوقف المحادثات مع الاتحاد الأوربي وبدء المفاوضات مع روسيا بدلًا من ذلك، وفي المقابل جاءت قمة فيلنيوس عام 2013 التي عُقِدت بين الاتحاد الأوربي وكل من مولدوفا وجورجيا على الرغم من معارضة روسيا.

كما تحرّكت أوربا ودعمت الاحتجاجات الواسعة النطاق التي شهدتها أوكرانيا ضد الرئيس “فيكتور يانوكوفيتش”، والتي أدت للإطاحة به وقيام روسيا بالعدوان على الأراضي الأوكرانية وضم شبه جزيرة القرم (فبراير 2014)، رفضًا للتحولات السياسية فيها، ومنعًا لانضمامها للاتحاد الأوربي، إلا أن هذا العدوان، شكّل دافعًا أكبر لدى نظم باقي دول أوربا الشرقية وشعوبها للانضمام إلى الاتحاد، في ظل ثقافة سياسية غربية مهيمنة، واستطلاعات رأي داعمة لمثل هذا التوجه، وهو ما راهن عليه الاتحاد الأوربي في توسعه شرقًا.

وهو ما يمكن معه القول، إن فكرة “توسع النموذج الحضاري” قبل توسع “المؤسسات الوظيفية” كانت إحدى أهم أدوات تعزيز الهيمنة الغربية بين شعوب شرق أوربا، وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، بحيث يتم من خلالها بناء الحاضنة الشعبية المنتمية ثقافيًا واجتماعيًا وفكريًا وقيميًا، الداعمة للنموذج الغربي، والتي تشكل في حد ذاتها خط الدفاع الأول أمام عودة هذه الدول إلى “المعسكر الروسي المناوئ”، ويكون من شأنها كذلك ترسيخ قيم المواطنة الأوربية المشتركة، وهو ما ثبت نجاحه في مواجهة العدوان الروسي على أوكرانيا 2022، وكشفت عنه ردود الفعل الغربية (الرسمية والشعبية) تجاه الأوكرانيين، وتبني عشرات السياسات الداعمة لهم في مواجهة الغزو الروسي لأراضيهم، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا وعسكريًا وإعلاميًا وإنسانيًا.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان