بيجين تحت الحصار.. لماذا نهتم؟

امرأة صينية تحاول الشراء من أحد المطاعم بعد الإغلاق

دفعت حالة الغضب وتصاعد احتجاجات الصينيين على سوء إدارة مواجهة الموجة الثانية لوباء كوفيد 19، الرئيس شي جين بينغ، إلى الخروج للمرة الأولى منذ تطبيق الإغلاق القاسي على مدينة شنغهاي، ليتوعد المعترضين على إجراءات المكافحة التي ينفذها الحزب الشيوعي.

قال (شي) في خطاب عقب اجتماع أعضاء المكتب السياسي للحزب الذي يتكون من القادة السبع الكبار في الدولة “لقد فزنا في المعركة للدفاع عن ووهان، وسنتمكن بالتأكيد من كسب المعركة للدفاع عن شنغهاي”.

هدد (شي) المواطنين الغاضبين “سنكافح بحزم ضد أي كلمات أو أفعال تشوه سياسات الوقاية من الأوبئة في بلدنا، أو تَشُك فيها أو تُنكرها، فلا نريد التشكيك في السياسة العامة المتمثلة في صفر وباء”. وفي رسالة تحدٍّ للمجتمع الدولي الذي يراقب بقلق ما يحدث في الصين، قال “إن سياساتنا ستصمد أمام التاريخ، لأن تدابيرنا علمية وفعالة، وسنتمكن بالتأكيد من كسب المعرفة للدفاع عن شنغهاي”.

رغم استمرار الإغلاق في شنغهاي منذ 40 يومًا، ودخول العاصمة بيجين في حالة إغلاق جزئي، وإيقاف العمل تمامًا بحي المال والأعمال والمنطقة المركزية التي تضم 3.5 ملايين نسمة، فإن المرشد الأعلى للحزب الشيوعي لا يحاسب حكومته على التقصير الذي أدى إلى تفاقم أزمة إنسانية مروعة، بل يهدد الذين فضحوا المسؤولين على شبكات التواصل الاجتماعي، بأنه “سيواجه الازدراء واللامبالاة، وسنتغلب بحزم على مشاكل عدم كفاية الوعي”.

انقسام داخل الحزب

كشفت كلمات (شي) الغاضبة، وتحذيره الصارم، عن وجود معارضة داخل الحزب لسياسة “صفر وباء” التي يتمسك بها، بعد انتشار الفيروس في 22 مقاطعة، خاصة أن أغلب القيادات المحلية لم تنجح في مواجهته، وظهرت كوارثها في شنغهاي، فكشر أهل بيجين عن أنيابهم، خوفًا مع تكرارها معهم، ودفعهم ثمنًا باهظًا بفرض قيود على حرياتهم. عبّر سكان شنغهاي من قبل عن غضبهم بسبب النقص الحاد في الغذاء، وتدهور الرعاية الطبية، وتحويل ناطحات السحاب في مركز الأعمال العالمي إلى مأوى رديء للعجائز والمصابين. واحتجوا بضرب الأواني من نوافذهم، ونشروا معاناتهم، واشتبك آخرون مع الشرطة وعمال الصحة بالشوارع، في بلد يقمع المعارضة عادة بعنف. كشفوا أرقامًا مفزعة عن فساد قادتهم من وراء حملات التطعيم.

في بيجين، تجمّع اقتصادي يضم مدينتي خبي وتيانجين، يشكل 8% من اقتصاد الصين، ومقر 52 شركة من بين كبرى 500 شركة في العالم، ويخشى الناس حدوث إغلاق بنفس الطريقة الفاشلة التي تحدث في شنغهاي. أثار تململ الناس رعبًا لدى السلطات من حدوث صدام اجتماعي. الاضطرابات الاقتصادية خلقت فجوة بين قادة الحزب، فأصبح هناك تيار داعم للمرشد الأعلى يضع سياسة” صفر وباء” فوق كل اعتبار، وآخر يمنح الأولوية للنمو الاقتصادي.

مولود على الرصيف

يحجم سكان بيجين عن التعايش مع الإغلاق، لقناعتهم بأن وجود 50 حالة من المصابين لا يتطلب وضع أسوار بين الأحياء، بطريقة حولت العاصمة إلى مدينة أشباح، حيث مُنع سير قطارات الأنفاق وأُغلِقت المدارس والأندية والمراكز التجارية والسفارات والمسارح، وتعكر صفو المواطنين، ومُنع ملايين الأشخاص من العودة إلى أعمالهم. صدمت حادثة الكشف عن مسن يعود إلى الحياة الناس، بعد أن وُضع في عربة الأموات داخل مستشفى بشنغهاي، حينما صرخ مواطن أثناء وضعه حيًّا في كيس الدفن، بـ”إنه يتحرك!”.وأدى نشر فيديو لامرأة تضع مولودها في عرض الشارع في بيجين الأسبوع الماضي، تأخر عليها فريق الإنقاذ، فأثارت انتقادات ضد السلطات.

يخاف الناس أن يمتد الإغلاق في بيجين، كما حدث من قبل في ووهان، التي استمر بها 76 يومًا، وشنزن وجيليين لعدة أسابيع، ولم يُرفع منذ مطلع أبريل/نيسان الماضي عن شنغهاي. أدى الإغلاق إلى خفض توقع نسبة النمو للناتج القومي من 5.5% إلى 4.4%، من قبل صندوق النقد الدولي. تراجع النمو الصناعي بنسبة 10%، ونشاط الخدمات في أدني ثاني مستوى له على الإطلاق، والسياحة تراجعت بنسبة 40%.

خسائر المصريين

تدرس الحكومة الصينية خفض السقف المسموح للمواطنين بحمل وشراء الدولار سنويًّا، للسفر والسياحة، بعد تدهور قيمة اليوان، وهو أمر يُتوقع أن يؤثر على دولة مثل مصر، التي كانت تأمل أن تعوض السياحة من الصين، بما فقدته من أسواق أوربا. تراجع عملة الصين سيعطل حتمًا إمكانية اعتماد مصر ودول عربية على اليوان، مصدرًا بديلًا للدولار في الاقتراض، أو جذب استثمارات أجنبية.

أُطلِقت تحذيرات من أن يؤدي المزيد من التدهور لليوان إلى تأثيره سلبًا على الجنيه المصري، مثل عملات دول ترتبط بروابط اقتصادية متينة مع الصين، وتأثرت عملاتها سلبًا، كالبرازيل والبيرو وتشيلي. ستزيد تكلفة شراء البضائع لمصر والأسواق العربية، التي تصل إلى نحو 200 مليار دولار سنويًّا، مع ارتفاع تكلفة المنتجات والنقل، وبطء عمليات التوريد وزيادة التأمين على الشحن، حيث ترفض السفن دخول موانئ تعلن حكومتها أنها موبوءة.

حرّيتي وسلامة الآخرين

ما زالت الأغلبية في الصين تسير وراء الحزب والمرشد الأعلى شي جين بينغ، رغم بقاء حالة الطوارئ التي تحولت إلى آلية دائمة للسيطرة المقيدة للحريات. فالطوارئ تحولت إلى حالة ذهنية في عقول الأغلبية، يتعايشون معها، كما نتعايش نحن مع نظم استبدادية، تقلد (شي) في مساوئه، ليصبح أقصى أماني المرء ألا يُزج به في السجن، فإذا دخله تصبح أقصى أمانيه أن يهنأ بزيارة أو يخرج من المعتقل بعد عدة سنوات.

يؤكد علماء الاجتماع أن الأزمات تحوّل المواطنين إلى أتباع مطيعين، ويتم تجاهل عدم اليقين المتأصل في أي عملية سياسية وعلمية. وتشرح الباحثة الصينية (جنيفر زينغ) التي فرت إلى الولايات المتحدة، هربًا من قبضة الحزب الشيوعي، أن القادة لا يخشون خروج الشعب رغم الغضب الشديد. ومع ذلك، فهناك من يريدون العودة إلى الحياة في الوضع الطبيعي، ويرفعون شعار “لن استبدل سلامة الآخرين بحرّيتي”.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان