محمد منير.. المتمرد.. “لسه الأغاني ممكنة”

لا يزال المطرب المصري محمد منير -رغم سنواته الثمان والستين- يحتل مكانة متميزة بين مطربي مصر والعالم العربي. وعلى الرغم من غياب منير عن الساحة الدرامية في رمضان مغنيًّا في أي من المسلسلات الدرامية التي أنتجت فيه، إلا أن حضوره في إعلان تجاري وحصوله على أجر كبير يضعه في قائمة الأعلى أجرًا بين مطربي جيله الكبار. ففي عام 1977، غاب عبدالحليم حافظ المطرب الذي احتل قلوب عشاق الطرب على مدى 25 عامًا، وظهر جيل جديد من المطربين المصريين على رأسهم محمد منير وعلي الحجار وهاني شاكر، ثم لحقهم بسنوات قليلة محمد الحلو ومدحت صالح. ورغم الإمكانيات الهائلة للحجار والحلو وصالح، إلا أن الوحيد الذي ظل طيلة هذه السنوات على عرشه لم يتزحزح عنه كان هو الملك المتمرد دائمًا محمد منير.
لن أبقى مطرب المثقفين
مكالمة هاتفية صاخبة في عام 1996، بعد صدور ألبوم محمد منير الجديد بعنوان (من أول لمسة)، وكان من عادتنا في مواسم صدور الألبومات وخاصة لمنير والحجار أن نذهب إلى منطقة المهندسين عند منتصف الليل لنكون أول الحائزين على ألبوماتهم الجديدة. حصلنا على الألبوم وجلسنا نستمع، وكانت صدمة اللحظة الأولى، فقد غيّر منير من طريقته وأسلوب غنائه، وقدّم ثلاث أغنيات كانت جديدة على جمهوره، وهي (قلبك على قلبي) كلمات عادل عمر وألحان عمرو محمود، (عمر عيني) كلمات مصطفى كامل ولحن عصام كاريكا، (بالحظ وبالصدف) كلمات بهاء الدين محمد لحن حسن أبو السعود، كانت الأغنيات الثلاث انقلابًا في عالم منير الغنائي الذي وصل قمته مند سنوات في ألبومه الرابع في سلسلة ألبوماته الـ26، وكان بعنوان (اتكلمي)، وضم عشرة أغنيات منه يا ليلة عودي تاني، عقد الفل والياسمين والطريق، اتكلمي، الحقيقة والميلاد.
انقلاب كان نتيجته ثورة من عشاق منير الذين ينتمون إلى طبقة المثقفين، وعلى إثر ذلك تلقى منير مكالمة هاتفية غاضبة من أحد الأصدقاء، وقبل أن تتطور مسألة الصدمة بين المطرب الصديق الذي كان يتلقى التهاني، فالشوارع كلها في مصر تغني معه أغانيه الجديدة، أخذت سماعة الهاتف (الأرضي) لأهدئ الموقف مع منير، وإذا بمنير بعد الاعتذار مني عن غضب صديقي يقول لي: أنا مش ها أقعد للمائتين وخمسين ألف المثقفين.. في جمهور جديد ولازم أوصل له.
كانت تلك نظرية محمد منير الذي عاش بها سنواته التي تقترب من نصف قرن من الغناء، منير دائمًا يتمرد على واقعه الغنائي والموسيقي، وعلى الرغم من أن منيرًا كان قد قدّم لجمهوره مفاجأة قبلها بسنوات في ألبومه (وسط الدايرة) بموسيقاه، إلا أن البوم من أول لمسة كان صدمة كبيرة لجمهور المثقفين الذي تمرد عليه منير كثيرًا، وجذبه إلى مناطق جديدة عليه.
التمرد على موسيقاه تاريخ طويل
لا يتوقف منير عند لون معيّن من الغناء والموسيقي رغم بدايته مع ثنائي من الكبار هما عبدالرحيم منصور وأحمد منيب اللذين عدّا منيرًا ابنهما وصوتهما للناس، إلا أن منيرًا ما لبث أن أضاف لهما الثنائي الجديد في الموسيقي هما هاني شنودة ويحيى خليل، وكانت تجربة يحيى خليل مميزة بما أضاف له في توزيعاته مع الألحان، فكانت الألبومات الأربعة الأولى لمنير (علموني عنيكي)، (بنتولد)، (شبابيك) و(اتكلمي)، والتي قدّمها في ست سنوات من 1977 حتى 1983، هي من قدّمت منيرًا إلى الجمهور، وصنعت له شعبيته بين طبقة المثقفين في مصر، ويضاف إليها ألبوم (الليلة يا سمرا)، ثم بدأ منير في التعرف إلى ثقافات جديدة في الموسيقى، وكلما تطورت الموسيقى تطور منير، فسار في خط متوازٍ بين حفاظه على جمهور قديم وإضافة جمهور جديد دائمًا، وكان ترحال منير إلى أوربا وخاصة ألمانيا يجعله دائمًا مواكبًا للتطور الموسيقي، بل يستعين بعازفين ألمان في فرقته، منير الذي كان شكل ظهوره على المسرح غير مألوف بقميصه المفتوح وشعره المنكوش، كانت موسيقاه أيضًا وغناؤه دائمًا ما يحمل مفاجآت لم يكن أولها ألبومي وسط الدايرة ومن أول لمسة، ولم تكن نهاياتها المواقف السياسية له التي شكّلت صدمات لجمهوره الأصلي الذي تمرد هو عليه، كما حدث عندما قدّم أغنية (جيل المستقبل) عام 2010، وحضر حفلات لمبارك وجمال مبارك كما فعل بعد 2014.
التمرد على شكل المطرب في السينما
منذ مقولة يوسف شاهين الشهيرة في فيلم حدوتة مصرية لمنير: غَنِّ يا منير، ليقدّم منير واحدة من أهم أغانيه (حدوتة مصرية)، وشارك محمد منير في أحد عشر فيلمًا منها ثلاثة مع يوسف شاهين، إذ كانت البداية 1982مع حدوتة مصرية وغنى منير:
ما نرضاش، يخاصم القمر السما.. ما نرضاش، تدوس البشر بعضها
ما نرضاش، يموت جوه قلبي نداء.. ما نرضاش، تهاجر الجذور أرضها
ما نرضاش قلبي جوا يغني.. وأجراس تدق لصرخة ميلاد
تموت حته مني.. الأجراس بتعلن نهاية بشر من العباد
ثم كان الفيلم الثاني فيلم اليوم السادس، وغنّى فيه منير أغنية الطوفان، وكان الختام مع يوسف شاهين في فيلم المصير الذي قدّم فيه أغنيتين (علّي صوتك بالغنا) و(عشاق الحياة):
مدّوا الخطاوي مشورنا لسه طويل.. ومفيش بديل
وكل خطوة على الطريق قنديل.. وإزاي نميل
ده بكره جايب نهار.. يستاهل المشوار
وحلمنا لو ينضرب..ها نصد ونرد ولا بد
يبقي المصير في اليد.
وقدّم منير مع خيري بشارة فيلمه المميز جدًا (يوم حلو ويوم مر)، ومع عمر عبدالعزيز (ليه يا هرم)، ومع إنعام محمد علي (حكايات الغريب)، ومع اللبنانية جوسلين صعب فيلم (دنيا)، المميز في هذه الأفلام أن منيرًا غيّر في شكل المطرب الممثل تمامًا، ففي فيلم يوم حلو ويوم مر قدّم شخصية الانتهازي المكروه من الجميع، وفي فيلم (اشتباه) مع علاء كريم قدّم شخصية المعقّد نفسيًا الذي يرتكب جريمة مع حبيبته في الجامعة ويدمر حياتها، حتى في فيلم (دنيا) قدّم شخصية الأستاذ الجامعي بشكل مختلف، إلا أن منيرًا في معظم حالاته السينمائية لا يبتعد كثيرًا عن جمهوره الأصلي، لكن هذا التمرد على شخصية المطرب في السينما يجعل اجتهاد منير السينمائي جيدًا.
الدراما والمسرح
قدّم محمد منير ثلاث مسرحيات وهي (الملك هو الملك) لسعدالله ونوس وأشعار أحمد فؤاد نجم، و(ملك الشحاتين) تأليف وأشعار نجيب سرور، ومسرحية (مساء الخير يا مصر) تأليف محسن مصليحي، وتظل مسرحية الملك هي الملك أيقونة مسرح الدولة والمسرحية التي حققت نجاحًا كبيرًا جدًا عند عرضها على المسرح، وبالإضافة إلى المسرح شارك محمد منير بالتمثيل في ثلاثة مسلسلات تليفزيونية، هي (جمهورية زفتى)، (علي عليوه) و(المغني)، وهو المسلسل الذي قدّم السيرة الذاتية له، هذا بالإضافة إلى عشرات المسلسلات التليفزيونية التي قدّم لها منير أغنيات المقدمة والنهاية.
لقد حافظ منير على مدار نصف قرن من الزمان على قمته التي وصل إليها في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، واستطاع أن يحتفظ بجمهوره رغم حالات الشد والجذب والتمرد على كل أشكاله الغنائية خلال هذه المدة، ورغم تجاربه الموسيقية والغنائية المتمردة، يبقى منير واحدًا من المجددين في الأغنية المصرية خلال نصف قرن، والمتحفظ بتفرده حتى هذه اللحظة.
أنا أقدم شارع فيكِ.. وآمالك م اللي باليكى
أنا طفل اتعلق بيكِ في نص السكة وتوهتيه
أنا لو عاشقك متخير.. كان قلبي زمانه اتغير
وحياتك لفضل أغير فيكِ لحد ما ترضى عليه
