الخداع البصري.. محرك العرائس والأراجوز والساحر

الأراجوز

تولّى السلطان أورخان غازي الخلافة العثمانية في الربع الثاني من القرن الرابع عشر في الفترة من 1326، حتى عام 1360، وبعد فتح ولاية بورصة أمر السلطان ببناء مسجد كبير في الولاية، حدد السلطان مدة معينة للانتهاء من المسجد، وتأخر البناة في إتمام المسجد، فتساءل السلطان عن سبب التأخير؟ فعرف أن هناك عاملين يقومان بعمل عروض ساخرة مضحكة للعمال، مما يسبب تأخير الأعمال، طلب السلطان إحضار العاملين، وطلب منهما تقديم عرض مثل تلك العروض التي يقدمونها للعمال، قدما العرض فأعجب به السلطان، ومن هنا يقول التاريخ إنها كانت بداية ما عرف بعد ذلك باسم فن الأراجوز، فقد كان واحد من هذين العاملين يسمى (قره قوز) الذي تحوّل بعد ذلك إلى أراجوز.

مسرح العرائس

بدأت منذ تلك الحادثة عروض ممتدة منذ ذلك التاريخ لما يسمى عروض الدمي (العرائس) التي تعود للدمى الفرعونية التي قدمت قصصًا مثل إيزيس وأوزيريس، أو دمية عروس النيل التي تقدم في يوم وفاء النيل، ثم عروض خيال الظل التي انتشرت في الموالد الشعبية والمدن والقرى مع رحلات الغجر والشطار والعيارين منذ العصر الفاطمي والعباسي حتى بدايات القرن العشرين لنصل إلى مسرح العرائس.
كانت بدايته في مصر عام 1927، وكان من أشهر مسارحه المسرح الذي أقيم خلف دار الأوبرا الخديوية، ثم كان قرار جمال عبد الناصر ببناء مسرح العرائس في مصر في عام 1959، الذي بدأ في العام التالي تقديم عروضه حتى الآن، وقد اشتهر العديد من عروضه مثل (الشاطر حسن) و(سندريلا)، (صحصح لما ينجح) والأوبريت الشهير لصلاح جاهين مؤلفًا وصلاح السقا مخرجًا (الليلة الكبيرة).
تطورت صناعة العرائس في مصر بعد ذلك، وظهرت أجيال جديدة من المبدعين بعد الرسام الكبير المصري ناجي شاكر الذي صمم عرائس المسرح في سنواته الأولى، وانتشر الفن ليشارك في أعمال تليفزيونية للأطفال، وفي عروض وتجارب جديدة للشباب على مسارح خاصة وفي أماكن تاريخية، كما كان خيال الظل والأراجوز ينتشر في الموالد الشعبية.

الأراجوز وخيال الظل

يعتمد فن الأراجوز على مهارة الواقف خلف الستار يحرك عرائسه بيده حسب الشخصية التي يخترعها الأراجوز ويلبسها ملابس مناسبة وملامح سواء امرأة أو رجل، عروس أو امرأة كبيرة، رجل ضخم، رجل نحيف، وهكذا ثم يقدم حوارات على ألسنة عرائسه تناسب الموقف والحدث.
يسعى صانع العرائس ألا يهرب منه جمهوره يحبسه في الستار المفتوح أمامه، فربما أدى انتباه الحضور إلى صناعة اللعبة لفشل اللعبة كاملة، هكذا مثلما يفعل صناع السينما، فقمة نجاح صانع الفيلم السينمائي اندماجك في العمل، لتقتنع بقصته، ومن خلال أدواته يصنع لك عالمًا من الخيال تغوص فيه ولا تهرب.
ومنذ ظهور عرض خيال الظل الذي يحرك عروضه من خلف الستار صانع الخيال، وهو يحاول إيهام جمهوره بحقيقة ما يحاكيها وما يفعله، وهو المحرك كما الأراجوز، وكذلك هو صانع القصة ومحرك الشخصيات أمامك، يجعلها تنطق بما يريد، لا تخرج عن الدور المرسوم لها، كما السيناريو والحوار الذي يبتغيه، ولا يحق للعرائس أن تتمرد على أدوارها في مسرح الحوار، فلو تمردت العرائس صار انقلابًا في عالم المسرح وتكسرت قواعده، ويفسد على الجمهور الخداع البصري.

الخداع البصري ومحرك العرائس

يستخدم مخرج العرائس أدواته كلها من عرائس وملابس وديكور وموسيقى وتحريك وغناء ليكمل لعبة الخداع البصري حتى لا يبعد أنظار الجمهور عن الخشبة حتى لا ينتبه الجمهور إلى خيوط تحريك العرائس التي بدأت خيوطا على المسرح حيث يقف المخرج يحرك عرائسه أمام الجمهور، ثم أخفى المخرج المحرك قليلًا ليقف خلف ستار المسرح، ثم تطور الأمر ليختفي المخرج (المحرك) من على المسرح ليحرك عرائسه من أعلى المسرح معتمدًا على مؤثراته الفنية أن تجعل الأبصار لا تتجه إلا ما يريد.

صناعة مسرح العرائس تذكرني بأغنية لمطرب شاب ظهر في بداية التسعينيات في مصر اسمه خالد رمزي وكتبها الشاعر محمد السيد ويقول فيها:
مسرح مالوش ستاير
عالم خطوط ودواير
زي الفراش الطاير
على ضي شمعة يموت
آه يا زمان العجب
فيك الحكاوي بيوت
والناس عرايس خشب
متعلقين في خيوط.
الخداع البصري هو أهم ما يعتمد عليه الساحر أحد الأشكال التي تقدم في السيرك أو في الحفلات الخاصة وهو حالة قديمة أيضًا في التراث المصري، وكانت فقرة الساحر فقرة مقدمة في الموالد الشعبية، إذا فقد الساحر بحضوره ومؤثراته الخدع البصري انكشفت كل الألعاب لجمهوره، لذا فهو حريص كل الحرص على الإبهار عن طريق حركاته وملابسه وأدواته ليظل مسيطرًا على القاعة التي تمتلئ بالجمهور.
لعلنا نتذكر في فيلم داوود عبد السيد الحائز مؤخرًا على جائزة النيل في الفنون لهذا العام (أرض الأحلام) حينما عبثت البطلة (فاتن حمامة) بأدوات البطل (يحيى الفخراني) الذي يقوم بدور ساحر، هذا العبث أدى إلى فشل كل ألعابه السحرية.
وهكذا فكل صانع خيال يحاول السيطرة على أعين من يتابعه بإشغاله وحبس حواسه داخل الصندوق المبهر حتى لا تخرج الحواس عما يريده محرك العرائس وهدفه في السيطرة عليهم، وكل من على المسرح يتحرك من خلال الخيوط التي يحركها من هو في سقف المسرح أو خلفه ولا تخرج عن أدوارها المرسومة، فإن خرجت، صار انقلابًا للعرائس على الصناع.
يا معلقين ع المراجيح
والحبل مستورد فاخر
ليلتنا فاتت زي الريح
ما هي كل حاجة وليها آخر
بس الحقيقة المذهلة
أن الجميع في السلسلة
وفوق الرقاب يا معلمين
أحبال قطيفة مدلدلة

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان