بعد 61 عاماً.. آن لروح (لومومبا) أن تستقر ويجد قبراً!

 والمفارقة أن من اعتقل لومومبا هو رئيس أركان الجيش موبوتو سيسيسيكو الذي عينه لومومبا في المنصب

باتريس إيمري لومومبا،

 

17 يناير 1961، يوم إعدام الثائر والمناضل باتريس إيمري لومومبا، لا يُنسى، مثل 30 يونيو 1960، الذي كان يحتفل فيه مع رفاقه بالاستقلال الوطني لبلاده الكونغو، فهو يوم لا يُنسى أيضاً، فقد كتب فيه المستعمر البلجيكي الذي لم يكن غادر الكونغو نهائياً، وكان لا يزال مُتحكماً في الأوضاع وفي قيادات قابلة للتنازل والتفريط والبيع، كتب شهادة وفاة لومومبا (2 يوليو 1925 -17 يناير 1961).

ما بين التاريخين أقل من عام، ستة أشهر و17 يوماً بالضبط، مارس فيها لومومبا الحكم أسابيع قليلة، بعد اكتساح حزبه (الحركة الوطنية) لأول انتخابات في هذا البلد، ولم تتكرر تجربة الانتخابات الحرة، فقد دخلت الكونغو في دوامة الصراعات المسلحة، والفوضى، والحروب الأهلية، والديكتاتورية، كعهد كل بلدان القارة السمراء المنكوبة بهذه الآفات المدمرة.

وتمت إقالته سريعاً، بشكل تعسفي وغير قانوني، لمواصلة خطة تصفيته، والفترة المتبقية له في الحياة كان يحاول خلالها الإفلات من المطاردة والاعتقال حتى سقط في قبضة عملاء بلجيكا من الكونغوليين، ومنهم رفاق له، فأهانوه وسلموه لأعدائه الكونغوليين أيضاً في مقاطعة (كاتانجا) التي تمردت عليه، وأعلنت الانفصال، واتخذته عدواً، بينما البلجيكي كان صديقاً لها.

 (ضرس).. كل ما تبقى من لومومبا

نكل به مويز تشومبي قائد التمرد في (كاتانجا)، وقام جنوده بإعدامه رمياً بالرصاص تحت إشراف البلجيك، وعلم الأمريكان، ثم مزقوا جسده وأذابوه في الحامض، فلم يبق منه شيء، ولم يكن له قبر، ولم يجرؤ أحد طوال عقود على الحديث عن اغتياله، لكن الشرطي البلجيكي جيرار سوتي الذي أشرف على تقطيع جسده وتذويبه اعتبره صيداً، واقتطع أصبعين وضرسين منه تذكاراً، واحتفظ بهم سنوات طويلة، وبمرور الزمن فقدهم أو تخلص منهم، سوى ضرس واحد، هذا الضرس هو كل ما تبقى من جسد قائد الشعب الكونغولي نحو الحرية والاستقلال عن أحد أكثر الاحتلالات بشاعة في القارة الأفريقية.

كان ملك بلجيكا ليوبولد الثاني يعتبر الكونغو ملكية خاصة له، الأرض والشعب والثروات في حوزته وحده، يفعل بهم وفيهم ما يشاء، ولهذا أُطلق عليها اسم الكونغو البلجيكية، وإلى جوارها كانت هناك مستعمرة أخرى باسم الكونغو، لكنها محتلة من فرنسا.

وهما دولتان اليوم، جمهورية الكونغو الديمقراطية، أو الكونغو كينشاسا وفقاً لاسم العاصمة، وهي بلد لومومبا، وجمهورية الكونغو، أو الكونغو برازافيل، وفقاً لاسم عاصمتها كذلك، ومساحتها وعدد سكانها أقل من جارتها.

فظائع وجرائم الاستعمار

بلدان أفريقيا خضعت للاستعمار الأوربي عقوداً طويلة من الإذلال ونهب الثروات، والأكثر مهانة وذلاً هو اصطياد البشر مثل الحيوانات ووضعهم في أقفاص ونقلهم إلى أمريكا للعمل في المزارع وشق الطرق والسكك الحديدية وكل الأعمال الشاقة والتعامل معهم بعنصرية بغيضة.

80 عاماً من استعمار شديد القسوة يستخدم القوة المفرطة في قمع الكونغوليين وكانت العقوبة الشائعة لمن يرتكب خطأ أو يتمرد أو لا ينفذ العمل المكلف به في الحقول والزراعة والأعمال المسندة إليه لخدمة الملك، قطع الأطراف، وعدد الذين فقدوا أياديهم وأرجلهم يقدر بمئات الألوف، ومجمل ضحايا بلجيكا في الكونغو ووسط أفريقيا نحو 10 ملايين.

تاريخ المستعمر الأوربي حالك الظلام، جرائمه لا تُغتفر، وسحقه للإنسان واعتباره بلا حقوق لا يمكن التسامح فيها، وهو يضن بالاعتذار الواضح الصريح عن فظائعه رغم أن ملايين الاعتذارات لن تعيد من قتلهم وعذبهم وعلقهم على أعواد المشانق ورماهم بالرصاص، ولن تعيد الموارد التي قام بنهبها فبنى بها بلاده وترك الأفارقة يغرقون في الفقر والجوع والحرمان.

لأول مرة سيكون لـ لومومبا قبر

ابنة الشرطي البلجيكي كشفت في حوار صحفي أن والدها كان يحتفظ بـ ضرس للمناضل لومومبا، فتحركت عائلته لاستعادة الجزء الوحيد المتبقي من جسده، وتم رفع قضية وقررت المحكمة تسليمه لعائلة لومومبا والكونغو، وهو ما تم الاثنين 20 يونيو الجاري، وتم وضعه داخل تابوت، ونقله الأربعاء 22 يونيو إلى بلدة لومومبا، وسينتقل التابوت إلى عدة مدن كونغولية في إطار تكريم هذا الرمز الوطني الكبير، ثم يتم دفنه في احتفال مهيب يوم 30 يونيو المقبل (الخميس) في العاصمة كينشاسا ليكون له قبر معروف لأول مرة منذ إعدامه قبل 61 عاماً لتستقر روحه وتجد السكينة، كما قالت ابنته جوليانا التي كافحت لاستعادة الضرس، ودفنه في الكونغو.

خطأ الثائر والحاكم الشاب

ربما كان خطأ لومومبا الذي كان عمره 35 عاماً عندما تولى الحكم وبدأ أول خطوة في رسم ملامح الدولة الوطنية المستقلة هو التسرع في الاطمئنان للاستقلال الذي كان منقوصاً، فقد أظهر التحدي للمستعمر القاسي، ففي احتفال إعلان الاستقلال في 30 يونيو 1960 منع رئيس وزراء بلجيكا جستن آيسكنز من إلقاء كلمة، فتضايق ملك بلجيكا بودوان الذي كان حاضراً الاحتفال، وألقى الملك كلمة لم تعجب لومومبا لأن فيها ما هو مهين لشعبه وكفاحه للتحرر، فتصدى لها وتحدث في الاحتفال بقوة عما ارتكبه الاحتلال في وطنه وشعبه، فغضب الملك، وكانت تلك هى اللحظة التي قرروا فيها الخلاص منه، وساعدهم في ذلك الرئيس الكونغولي آنذاك كازا فوبو الذي كان يميل لبلجيكا.

والمفارقة أن من اعتقل لومومبا هو رئيس أركان الجيش موبوتو سيسيسيكو الذي عينه لومومبا في المنصب، وكان قريباً منه، وفيما بعد انقلب وتولى الحكم، ثم فقده في الحرب الأهلية أمام عدوه جوزيف كابيلا.
ولاحظت بلجيكا وبريطانيا، وأمريكا، وهى الاستعمار الجديد البديل الناعم، ميل لومومبا للأفكار اليسارية، وكان ذلك في خضم الحرب الباردة والصراع العنيف بين المعسكرين الشرقي والغربي، وكانت أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية مسرحاً واسعاً لهذا الصراع وإسقاط أنظمة يسارية بانقلابات واغتيالات بتدبير من أمريكا وتدخل مباشر منها أحياناً.

والاتحاد السوفيتي لم يتدخل لدعم لومومبا في مواجهة الانفصالين والأزمات المتلاحقة التي واجهت حكومته رغم طلبه ذلك، ولم يكن بمقدوره السيطرة على الأوضاع في ظل محاولات بلجيكية لإسقاطه برضا من أمريكا وبريطانيا.

خبرة وموائمات الحكم

الحكم بحاجة لخبرة سياسية، وموائمات، وقدرة على الإمساك بكل الخيوط واللعب بها وعليها بمهارة وليونة في المراحل الانتقالية، وخلال بناء الدول، أو اهتزازها، أو عدم استقرار الحكم، وتراكم الأزمات، وتزايد الخصوم الداخليين والخارجيين، فالخطط ضد لومومبا وحكومته كانت أجنبية، وصنع الأزمات والتوترات كانت بأيدي كونغوليين، وتصفية لومومبا جرت ببنادق وتنفيذ كونغوليين، وتحققت نبوءته عندما قال: (إذا مت غداً فسيكون السبب أن أبيض قد سلح أسود).

ومن أسف أن هذه الأخطاء حدثت في بلدان كثيرة عقب التحرر، ولا تزال تحدث حتى اليوم في بلدان تلوح لها فرصة الانعتاق من الاستبداد والفساد فلا يتم استثمارها بشكل ذكي وواقعي وصحيح.

لعل تجربة أردوغان في تركيا، وعمرها 20 عاماً، تستحق الدراسة في الدهاء والوعي والانتقال بالدولة والشعب من حالة متردية إلى وضع أفضل في التطور الديمقراطي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي بسلاسة وهدوء وحكمة، والنجاح الأردوغاني لم يكن سهلاً، فقد واجه محاولات تهديد مبطنة بالانقلاب، ومحاولة صريحة، لكنها جميعها فشلت أمام نمط حكم شعبي منفتح أكثر فهماً وتسييساً ويقظة وبرجماتية.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان