فرنسا وحظر البوركيني.. ما علاقة الإسلام؟

البوركيني

على مدار سنوات مضت، ومع قدوم الصيف في فرنسا يصاحب ارتفاعَ درجات حرارة الجو ارتفاعٌ آخر في أجواء الجدل حول قضية ما يسمى “البوركيني” -ذلك الرداء الذي ترتديه نساء للسباحة- ليشغل الأمر مساحاتٍ على مواقع التواصل الاجتماعي، والمواقع الإلكترونية، وشاشات الفضائيات.

لكن المثير للجدل أكثر، هو ربط هذا “البوركيني” بالإسلام، وإصرار وسائل الإعلام الغربية وفي مقدمتها الفرنسية على تسميته -عنوة- بالرداء الإسلامي، وتصديره كأنه قضية للمسلمات، ينافحن من أجلها في فرنسا العلمانية، التي أصبحت ديمقراطيتها على المحك، بحسب تعبير بعض المعلقين؛ بسبب الموقف من رداء “البوركيني”.

وقد تبعت وسائلَ الإعلام الغربية وسائلُ إعلام عربية، كأنها رجع صدى، أضفت على البوركيني مسمى “المايوه الشرعي” -وما هو بشرعي- في محاولةٍ لإلصاق صبغةٍ شرعية إسلامية به، وكأنه رداء موافق للشرع، للمرأة المسلمة التي تريد السباحة؟!

حكم قضائي مثير للجدل

في 21 يونيو/ حزيران 2022 حسم “مجلس الدولة الفرنسي” -وهو أعلى محكمة إدارية في فرنسا- الجدل القضائي حول ارتداء البوركيني، وأيد في حكمه قرارًا سابقًا لمحكمة أدنى درجة بعدم جواز ارتداء ملابس السباحة التي تغطي الجسم كله ومنها البوركيني، في المسابح العامة في مدينة “غرونوبل” الفرنسية.

وبحسب رويترز، كان مجلس مدينة “غرونوبل” قد صوت لصالح السماح باستخدام البوركيني في 16 مايو/ أيار 2022؛ مما أثار احتجاجات من قبل السياسيين المحافظين واليمينيين المتطرفين.

وقد طعنت الحكومة الفرنسية في القرار، وقررت إحدى المحاكم الإدارية تعليق هذا الإجراء؛ فطعنت بلدية “غرونوبل” أمام مجلس الدولة.

وقد علل مجلس الدولة الفرنسي قراره بأن هذه القواعد الإجرائية التي تسمح بارتداء البوركيني تؤثر في حسن سير الخدمة، وتقوض المساواة بين المستخدمين؛ مما يعرض حياد الخدمة العامة للخطر؟!

فهل يقصد مجلس الدولة بما سبق أن الجميع متساوون وأحرار في التعري، وأنهم ليسوا كذلك عند الرغبة في ستر الجسد؟

وهل يعني ذلك أن القيم الفرنسية تحبذ التعري، وتنبذ حرية المرأة في ستر جسدها، الذي هو أصل الفطرة السوية؟

أسئلة تحتاج إلى إجابة

يقول مجلس الدولة الفرنسي في قراره: “إن سماح بلدية “غرونوبل” بارتداء الملابس التي تغطي الجسم كله جاء استجابةً لدعوات من مسلمين، وإرضاءً للمطالب الدينية، مشيرًا إلى أنها بذلك “انتهكت” المساواة في معاملة مستخدمي مرافق السباحة”؟!

وهنا أسئلة تحتاج إلى إجابة مجلس الدولة عنها وهي:

ماذا لو كانت تلك الدعوات من غير مسلمين، خاصة أن نحو 55% من غير المنتسبات للإسلام يقبلن على شرائه، بحسب تصريحات مصممة هذا الرداء، الأسترالية اللبنانية الأصل عاهدة زناتي؟

“البوركيني” لا علاقة له بالزي الإسلامي، ولا يضفي عليه “الأسلمةَ” أن بعض المنتسبات للإسلام يرتدينه، فلماذا يصر القضاء الفرنسي والنخبة الفرنسية على استدعاء الإسلام تحديدا في هذا الصدد؟

ماذا لو كانت تلك الدعوات لأسباب تتعلق بصحة البشرة، وخوفا من تأثير المياه وأشعة الشمس؟

وماذا لو كانت الدعوات ممن سبقت لهن الإصابة بسرطان الجلد ويرتدين هذا الرداء حتى لا يُصبن مرةً أخرى؟

أما السؤال الأخير فهو لماذا تُضخَّم هذه القضية حتى تأخذ هذه المساحة لدى الحكومة الفرنسية، إلى الحد الذي يجعل وزير الداخلية الفرنسي “جيرالد دارمانان” يعلق على القرار قائلا: “هذا انتصار لقانون مكافحة النزعات الانفصالية (المخالفة) للعلمانية، وقبل كل شيء للجمهورية”؟!

ليس رمزا للإسلام

في حوار لمصممة “البوركيني” الأسترالية اللبنانية الأصل “عاهدة زناتي” مع موقع “DW”عام 2016، ردت على سؤال بأنه سبق لها القول بأن البوركيني ليس رمزا للإسلام، إذا هو يرمز إلى ماذا؟

قالت: نعم “البوركيني” ليس رمزا للإسلام، وإنها لم تكن تقصد أن تفرق بين المسلمة وغير المسلمة بارتدائه، ولكنها قصدت فقط أن تجعل بعض الفتيات والسيدات مرتاحات في ملابسهن أثناء ممارسة الرياضة.

كما أضافت أنها حينما بدأت منذ 12 عاما في إنتاج “البوركيني” حصل على انتباه عالمي إيجابي، وكانت المبيعات في العالم الغربي أكثر منها في العالم العربي. وذكرت أنه بعد منع “البوركيني” وحكم المحكمة ببطلان ذلك، وما حدث من جدل، فقد ارتفعت المبيعات، خاصة في الدول الغربية بمعدلات كبيرة.

وأشارت زناتي إلى أن “البوركيني” لم يكن يُهاجم من قبل، وأنها لا تلوم أحدا، بل تشكر سذاجة السياسيين، الذين صنعوا من ذلك اللباس البسيط قضية عالمية، وساعدوا على رفع مبيعاتها في العالم، وأعطوها فرصة أكبر لأن تشرح ما هو البوركيني.

أين تكمن المشكلة؟

متناقضات فرنسا، التي من انعكاساتها قضية البوركيني، هي متناقضات مجتمع، تقوده نخبة تملك أدوات هيمنة، تشكل مزاج ووعي الفرنسيين، ففي الوقت الذي يُسمح فيه لذوات الأثداء العارية بالسباحة في المسابح العامة، يحظر على من يردن تغطية أجسادهن أن يرتدن هذه المسابح.

وعلى كل الأحوال فإنه لا يعتقد أن مسلمة ملتزمة ستقبل أن تكون في مكان مع عاريات الصدور، أو تجد راحة في ذلك.

لذا من المهم لبيان مكمن المشكلة أن نتساءل ما هي أهمية ارتداء البوركيني أو عدم ارتدائه حتى يصبح الأمر حدثا يستحوذ على اهتمام الحكومة الفرنسية والنخبة السياسية، وتُفرَد له مساحات في الإعلام الفرنسي توازي مساحات القضايا الكبرى، في حين أن فرنسا غارقة في مشكلات تقُضّ مضاجع المجتمع الفرنسي؟

أعتقد أن الإجابة الواضحة هي أن التضخيم بخصوص قضية رداء البوركيني وأمثالها، مجرد فقاعات إعلامية، الهدف منها الاحتكاك بكل ما يُظن أنه ذو طابع إسلامي، حتى لو لم يكن كذلك؛ ليس حفاظا على قيم العلمانية الفرنسية كما يدعون، ولكن في الأمر مآرب أخرى.

فرنسا بلد يبلغ تعداد سكانها ما يزيد على 65 مليون نسمة، ورغم أن الإسلام هو الديانة الثانية في البلاد، وأن المسلمين يمثلون نحو 8.8% من مجموع السكان بحسب بعض التقديرات، ويعدون أكبر جالية مسلمة في أوربا، فإنهم يعانون من التعصب واستشراء موجة كراهية تجاههم.

وعلى مدار رئاسيات وحكومات فرنسية مختلفة، كان هناك هوس وتعصب تجاه الإسلام، انطلاقا من تاريخ استعماري يستدعي الإسلام للهجوم على القيم الإسلامية، حتى أصبح الأمر ركيزة أساسية مقبولة، تحت دعوى الدفاع عن العلمانية.

ومع الصعود المتنامي لليمين في فرنسا، أصبح الهجوم على الإسلام، واستدعاء ما يمكن أن يمت للقيم الإسلامية بصلة -ولو من بعيد- والنيل منه وسيلةً مضمونة لكسب أصوات الناخبين، وهنا مكمن المشكلة.

ختاما

رغم أن البوركيني لا علاقة له بالزي الإسلامي، ولا يمكن أن يسمى رداءً إسلاميا للسباحة، إذ لم يقل بذلك عالم أو تشير إليه فتوى، فإنه تم جلبه ليكون قضية في فرنسا، أطلقت على إثرها نداءات الحفاظ على الهوية والثقافة الفرنسية، وما ذلك إلا محاولة ضمن محاولات مستمرة للاحتكاك والتحرش بالإسلام والمسلمين، الغرض منها استمرار إثارة مخاوف لا محل لها، ولو بِلَيّ عنق الحقائق، تبريرا لمواقف معادية للإسلام، يمكن أن نجد تفسيرا لها في ماضي فرنسا الاستعماري.

إن محاولات استدعاء الخوف من الإسلام لن تتوقف مع تراكم أزمات المجتمع الفرنسي، لأن ذلك أصبح ملاذا للنخبة السياسية لكسب أصوات الناخبين، عبر تزكية نعرات عنصرية، يغطي ضجيجها على أزمات فرنسا الحقيقية.

المشكلة ليست في البوركيني، بل إن المشكلة تخص فرنسا ونخبتها، ولا علاقة للإسلام بالبوركيني ولا بمشاكل فرنسا، اللهم إلا الاستدعاء لأجل أهداف أخرى.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان