بهجة العيد.. وقلب عبد المنعم أبو الفتوح وأحزان أخرى

الأعياد الكبرى للإنسان مساحة متاحة للفرح، وكل منا يخلق مساحة فرحه متشاركًا مع محيطه وظروفه، وفي أعياد الغربة نحمل دائمًا ذكرياتنا إلى غربتنا، سواء كانت الغربة في مكان يشاركنا هذه الفرحة أم لا، وأمام المسجد الكبير في قلب إسطنبول تجتمع أعداد كبيرة من العرب من الجنسيات كلها، يذهب المصريون والسوريون جماعات إلى كبرى المساجد في العاصمة التركية يشاركهم مجموعات من أهل العراق واليمن وليبيا، إسطنبول صارت تجمعًا عربيًا كبيرًا جمعتنا بعدما فشلنا في وحدتنا العربية، وتتحول ساحة المساجد إلى “كرنفال” عربي يتبادل فيه المسلمون المحتشدون التهاني بالعيد.
حنين إلى طقوس الوطن
قال لي أحد السوريين “نحاول أن نستعيد بهجة العيد في الوطن.. نتجمع هنا لأداء الصلاة، ونتشارك في الحصول على فرحة تعيد إلينا ذكرياتنا في الوطن الغائب”.
نعم الحنين إلى طقوس الوطن يملأ ساحات المساجد، زيارات الأهل في صبيحة اليوم الأول، نفتقد حضن الأمهات والآباء، يأخذنا الحنين إلى زيارة الأخوات وأبنائهم، ما بين الغرباء في بلاد المهجر أو اللجوء وطقوس الأعياد في الأوطان مسافات طويلة، لا تتلخص في البعد المكاني الذي يمكنك أن تقطعه بالسفر حتى لو كان السفر مشيًا على الأقدام، لكن البعد هنا لا علاج له سوى أن تعود الأوطان لأهلها، وهذا حلم صار صعب المنال في وجود صعوبات كبيرة أقلها السجن في الوطن أو رصاصة في قلب الحنين إلى الوطن الأم.
قليل من الفرحة
ليلة العيد جاءني صوته بعد غياب أكثر من عام، صديقي الذي خرج من حبسه الاحتياطي بعد عام من الحبس، قال لي أتركني أحكي، كان يشتاق للحكي عن محبسه، عام كامل من الصمت لا يجد إلا رفاق الزنزانة، وبعض المعارف الذين يقابلهم صدفة في ساحات السجن المظلم.
دخل لا يدري لماذا؟ فهو متهم في قضيتين عكس بعضهما تمامًا، تهمتان لا تجتمعان معًا، قضيته الأولى كانت ازدراء أديان، والثانية الانضمام لجماعة محظورة، قال ضاحكًا “أنا تهت مني”، ولكن ما قابله هناك من نماذج أخرى هوّن عليه، فهو باحث وصحفي عرضه لتأويل كتاباته وأبحاثه، ولكن صديقه الذي التقاه في السجن ليس له علاقة بالكتابة والسياسة، تاجر لا يهتم ولا يثيره الشأن العام، يسمع كل كلام الحكومات وإدارات المدن والأحياء، لقد قبض عليه ودخل السجن ولا يزال لأنه قام بعمل إعجاب بمنشور على فيس بوك، الأغرب أن المنشور كان عبارة عن رقصة فنية، لا سياسة ولا يحزنون، يقول صديقي “هناك تعمد بفقد الجميع للانتماء”.
كانت فرحتي كبيرة بخروج صديقي مع من خرجوا ليلة العيد من محبسهم الاحتياطي، خرج ستون محبوسًا ليلة عيد الأضحى، فوراء كل محبوس منهم أسرة، أم، أب، أبناء، زوجات، وأهل أقرباء، يلاقون متاعب لا حصر لها، سواء في معرفة مكان أبنائهم أو في الزيارات عبر الزجاج الفاصل لمدة 20 دقيقة بعد سفر طويل، وانتظار أطول، وحكايات الآلام لزيارة السجناء والمعتقلين لا تنتهي.
أبو الفتوح وآلام القلب
عبد المنعم أبو الفتوح المرشح الرئاسي السابق والذي يدخل عامه الثاني والسبعين، يعاني في محبسه من أزمات قلبية، فالرجل يعاني مضاعفات صحية كبيرة، تعرض الأسبوع الماضي لأزمتين قلبيتين، ناشد أبناؤه عبر الوسائط كلها السماح بعلاجه حتى على حسابهم الشخصي، وقام محاميه بتقديم طلب للجهات المختصة لنقله إلى مستشفى خاص للعلاج، ولكن لا حياة لمن تنادي، وما كانت لأبو الفتوح جريمة سوى حوار صحفي أجراه في لندن، وحكم عليه بـ15 سنة من السجن، أبو الفتوح الذي رفض البقاء في لندن وقال “زنزانة في الوطن أفضل من قصر خارجه”، يعاني في محبسه في شيخوخته، وبدلًا من الجلوس إلى أحفاده، لا يستطيع أبناؤه علاجه من أزماته القلبية، ترى أهي أزمات المرشح الرئاسي أم أزمات الوطن القلبية؟
علاء عبد الفتاح وإضرابه المستمر
مضى على إضراب علاء عبد الفتاح عن الطعام في محبسه أكثر من 100 يوم، لا يطالب علاء إلا بتحسين أوضاعه داخل السجن، علاء الذي قبل مؤخرًا الجنسية البريطانية من أجل الخلاص مما يعانيه في سجنه، ويحصل على حريته، يطالب بحقوقه داخل زنزانته التي لا يدري لماذا هو هناك ولماذا يستمر؟ يعاقب كل من في السجون على أحلامهم، أكثر من 100 ألف سجين ومعتقل ومحبوس احتياطيًا يعانون، ويعاني أهاليهم غيابهم وفي محاولات الإفراج عنهم وعودتهم للحياة.
عمرو إمام وألف يوم انفرادي
عمرو إمام محامي حقوقي مثله مثل محمد باقر، ذهب إلى المحكمة يمارس عمله في الدفاع عن المتهمين في قضايا سياسية، تلك القضايا من عينة نشر على وسائل التواصل أو كتابة مقال، إبداء رأي سياسي، قبض عليه وهو يمارس مهنته في الدفاع عن مظلومين.
منذ فترة أعلن عن خروج عمرو إمام إخلاء سبيل، واستعدت أسرته لاستقباله، وعاش ابنه ذو الست سنوات حلم لقاء أبيه الذي حرم منه منذ 1000 يوم، ولكن خرج الجميع ولم يخرج عمرو إمام الذي يقضي فترة حبسه محبوسًا إنفراديًا.
ففي لحظات غروب الأوطان لا مكان للمدافعين عن حقوق الشعوب إلا زنازين الطغاة.
