من بريطانيا إلى سريلانكا.. نور الديمقراطية وظلام الاستبداد!

في بريطانيا، هناك ثورة من النخبة الحاكمة على نفسها، لإصلاح وضع السلطة، بتغيير رئيس الحكومة بوريس جونسون، بعد ثلاثة أعوام فقط في منصبه.
في سريلانكا، يشهد العالم ثورة الشعب الجائع، ضد نخبة الحكم، لتغيير الحكم العائلي، بعد عقدين من الزمن على احتكار عائلة (راجاباكسا) للسلطة.
طبيعة التغيير المتزامن في البلدين يكشف بدقة عن الفارق الهائل بين نمطين من طبيعة السياسة والحكم، ودرجة التطور والتحضر، ونوعية العقلية السياسية في هرم السلطة.
الميزان يميل تمامًا لصالح بريطانيا، لذلك تظل دولة كبرى، شعبها لا يعاني قسوة الحياة، مهما اشتدت المصاعب لبعض الوقت، كما أنها تتمتع بنفوذ دولي واسع، وهي شريكة أساسية في صناعة القرار العالمي.
أما سريلانكا فتبقى دولة من العالم الشديد التخلف، بدون ذكر أو أثر في محيطها القريب أو العالم، وتعيش التردي في مختلف الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتبحث عن كسرة الخبز لإطعام شعبها فلا تجدها، فتضطر إلى الاستدانة وتَسوّل المِنح والعطايا، وترهن مقدراتها لقوى خارجية.
بريطانيا علامة على الغرب الحر الديمقراطي، وعلى كل بلد ينتهج الديمقراطية، ويحترم الإرادة الشعبية، وهذا عالم يدرك قيمة الانفتاح، والتحرر السياسي، والاحتكام للوسائل السلمية في التغيير دون صدام داخل منظومة الحكم، أو ثورة من الشعب على الحكم، أو اشتعال صراعات وحروب أهلية.
الديمقراطية.. والدجل
بريطانيا وقريناتها تتقدم كل يوم، صحيح أنها تواجه مشاكل، لكنها لا تتراكم وتتعقد وتصير أزمات، فهى تجد الحلول؛ إما باجتهاد الحكومات القائمة، أو بالتغيير الديمقراطي للحكومات، واستبدال أخرى بها لديها أفكار وخطط وبرامج جديدة.
وهذا هو النظام الأفضل للحكم حتى اليوم، وإلى أن يظهر بديل مثالي، فإنه لا خيار عن الديمقراطية على النمط الغربي، ولسنا في حاجة إلى حيل الدجالين، بأن لكل بلد ظروفه، وبالتالي له ديمقراطيته الخاصة، هذا تضليل، لأنه بذلك الالتفاف الساذج على حكم الشعوب واختياراتها لمن يحكمها ويمثلها، فإن كوريا الشمالية مثلًا ستُصنَّف بأنها دولة ديمقراطية من الاسم الذي تتخذه لنفسها، وهو (جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية).
والحقيقة أنها دولة الحاكم نصف الإله، والشعب المُستعبَد، أما لصق الديمقراطية باسمها فهو واحدة من قمة المساخر.
حكم عائلي مثير للسخرية
عندما تقرأ في واقع سريلانكا لا تملك إلا أن تضحك بمرارة ساخرة، فهذا البلد محكوم بعائلة واحدة منذ عقدين من الزمن اسمها (راجاباكسا)، هذه العائلة تتبادل منصب الرئاسة (ماهيندا راجاباكسا من 2005 إلى 2015)، وحاليًّا الرئيس الهارب (غوتابايا راجاباكسا الذي تولى السلطة في نوفمبر 2019)، وأفراد في العائلة يتقلدون مناصب ووظائف عليا رئيسية في الدولة.
وقد سبقت عائلة (راجاباكسا) عائلة أخرى تولت الحكم سنوات طويلة، هى (كماراتونجا)، كانت الابنة فيها (تشاندريكا) رئيسة للدولة (نوفمبر 1994 إلى نوفمبر 2005)، والأم (سيريمافو) رئيسة للوزراء لنحو 18 عامًا على فترات مختلفة في الستينيات والسبعينيات والتسعينيات، واحدة منها كانت خلال رئاسة ابنتها للدولة (الابنة رئيسة، والأم رئيسة للوزراء في السلطة ذاتها)، والأب (سولومون) كان وزيرًا.
بلد عاش حربًا أهلية طويلة بين أقلية نمور التاميل ضد أغلبية الشعب من السنهال حتى حُسمت الحرب لصالح الدولة المركزية، وما كان لهذه الحرب أن تندلع إذا تم اتباع سياسة وطنية توافقية عقب الاستقلال عن المحتل البريطاني عام 1948 بأن يكون الحكم شراكة بين كل فئات الشعب دون تمييز لصالح أغلبية على حساب أقليات.
الانصهار.. والتنافر
بريطانيا فيها عرقيات وأديان وعقائد وألوان ولغات وتنوع واسع، لكن الحكم الرشيد يصهر الجميع في بوتقة واحدة، وحكومة بوريس جونسون التي تعيش أيامها الأخيرة تضم خليطًا من وزراء وكبار موظفين ليسوا من أصول بريطانية، هم أبناء مهاجرين، جونسون نفسه من أصل تركي، ووزيرة داخليته بريتي باتل من أصل هندي أفريقي، ووزير الصحة المستقيل ساجد جاويد من أصل باكستاني، ووزير المالية الجديد ناظم الزهاوي من أصول عراقية، وصادق خان عمدة العاصمة لندن من أصل باكستاني، وخذ من هذا الكثير في السياسة والاقتصاد والثقافة والأدب والفن والرياضة.
سريلانكا ليست دولة استقبال مهاجرين، وبالتالي كل مواطنيها من أصول واحدة، وطبيعي أن تظهر بعض التباينات الدينية والإثنية، ومع هذا تجد صراعات واقتتالات وكراهيات على أشدها، ومرجع ذلك في سريلانكا، وغيرها من البلدان التي تنضوي في حزام التخلف، هو السياسة والحكم اللذان يتم احتكارهما لصالح فرد أو عائلة أو فئة اجتماعية أو وظيفية بعينها، لن تجد بلدًا ديمقراطيًّا حقيقيًّا فيه توريث أو احتكار للحكم بشكل مباشر أو مُبطّن.
علاج التناقضات بالديمقراطية
الديمقراطية وحدها كفيلة بإزالة كل التناقضات المجتمعية مهما كانت، إذ يكون الاحتكام فيها إلى الناس، فيختارون من يريدونه حاكمًا عليهم أو ممثلًا لهم، ويخلعونه بالآليات الديمقراطية نفسها عندما يفشل في حل مشاكلهم، أو يتجاوز في حقهم، أو يخرج عن القانون والدستور كما يحصل حاليًّا مع جونسون في بريطانيا، وقبله تريزا ماي.
لم يكن أمام السريلانكيين غير الاحتجاجات طوال أشهر بسبب الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي فشلت عائلة الحكم في حلها، وهذه الأزمة لا تُبرَّر تحت عنوان الحرب الروسية الأوكرانية، وكورونا، إنما بالاستبداد والفشل في الحكم وإدارة الموارد العامة، فكثير من الدول تواجه الظروف نفسها، لكنها لم تفشل مثل سريلانكا، والمحتجون عندما اقتحموا قصر الحكم قارنوا بين الرفاهية فيه، والواقع المأساوي لهم.
بريطانيا تواجه ظروف الحرب في أوكرانيا أيضًا، وكورونا كانت شديدة القسوة عليها، ولديها أزمة اقتصادية، لكن الناس لم يعانوا من الجوع، فقط يتم تغيير رئيس الحكومة بآخر للعلاج الآمن للأخطاء، وهو إصلاح متواصل.
إما الأنوار في ظل الديمقراطية، أو الظلمات مع الاستبداد، ولا طريق وسطًا.
