الاجتماع الثلاثي وعلاقته بالعملية العسكرية التركية في سوريا

بينما تتوجه الأنظار إلى العاصمة الإيرانية طهران، انتظارا لما يمكن أن يسفر عنه الاجتماع الثلاثي المرتقب بين رؤساء تركيا وإيران وروسيا بخصوص سوريا، تواصل وزارة الدفاع التركية استعدادها لبدء عملية عسكرية جديدة في الشمال السوري، وكأن الرئيس أردوغان أراد قبيل البدء فيها إحاطة موسكو وطهران بتفاصيلها، والمناطق المستهدفة فيها لطمأنتهما، بأن مناطق نفوذهما لن يتم المساس بها تحت أي ظرف من الظروف.
وكانت المناطق الحدودية بين تركيا والشمال السوري، قد شهدت خلال الأيام القليلة الماضية زيادة في حجم التعزيزات العسكرية التي دُفع بها إلى مدينتي الباب ومارع بريف حلب عبر معبر باب السلامة، وتشمل هذه التعزيزات عربات مدرعة ودبابات ومدافع ثقيلة وناقلات جنود وعددا كبيرا من الآليات العسكرية المختلفة. كما تم إرسال معدات لوجستية، ونصب عدد من أنظمة التشويش على إشارات الطائرات المسيرة.
وهذه الاستعدادت تؤكد اقتراب ساعة الصفر لإطلاق العملية العسكرية، استغلالا للأوضاع الراهنة التي تمر بها المنطقة، والتي تمنح القوات التركية فرصة كاملة لتحقيق أهدافها من دون معارضة الأطراف الأخرى الفاعلة في الملف السوري.
مواقف الدول الفاعلة في الملف السوري من العملية العسكرية التركية
فروسيا، التي كانت قبل عدة أشهر تصف العملية العسكرية التي ترغب تركيا في شنها بأنها “غير عقلانية”، عادت وأعلنت على لسان وزير خارجيتها سيرجي لافروف أنها تتفهم قلق تركيا من التهديدات التي تواجهها على الحدود مع سوريا. ورغم رفض إيران لأي تحركات عسكرية تركية في سوريا عموما، فإنها لن تستطيع هذه المرة فعل أي شيء ضد الرغبة التركية؛ إذ إن لديها أمورا أكثر إلحاحا وتعقيدا تحتاج إلى التركيز عليها مثل مسألة الملف النووي. أما الولايات المتحدة الداعم الأكبر للتنظيمات التي تستهدفها تركيا في هذه المنطقة، فقد أعطى رئيسها جو بايدن الضوء الأخضر بالفعل لتركيا لإطلاق هذه العملية العسكرية خلال لقائه مع الرئيس أردوغان على هامش اجتماعات قمة الناتو الأخيرة التي عقدت في مدريد، وذلك مقابل موافقة تركيا المبدئية على انضمام كل من السويد وفنلندا إلى الحلف، وهو ما حدث بالفعل.
بروز الدبلوماسية التركية، ونجاحها في الاحتفاظ بعلاقات قوية مع كل من روسيا وأوكرانيا، رغم الحرب المستعرة بينهما، وقدرتها على الجمع بينهما على طاولة المفاوضات من أجل التوصل إلى حل لمسألة إعادة تصدير الحبوب من أوكرانيا إلى دول العالم، والعمل على تأمين ممرات آمنة لإتمام هذه العملية، كل ذلك رفع من أسهمها على الصعيد الدولي، وهو ما ضمن تأييد عواصم كثيرة لتحركاتها ضمن إطار الدفاع عن أمنها القومي.
أما الاتحاد الأوربي الذي يعيش حالة من القلق فهو يدرك تماما الأهمية التي تمثلها تركيا في منظومة الأمن الأوربي على الأقل في الوقت الراهن، وبالتالي فإن رفضه للتحرك العسكري التركي -إن حدث- لن يكون بنفس القوة التي سبق أن أبداها تجاه العمليات العسكرية السابقة التي شنتها القوات التركية.
تدرك أنقرة إذن أن التطورات الإقليمية التي تشهدها المنطقة، والتحركات الدولية الهادفة إلى تشكيل تكتلات أمنية خشية اندلاع حرب عالمية جديدة تصب في صالحها، وأن الوقت أصبح مناسبا لتنفيذ خططها وتحقيق أهدافها المتعددة من وراء هذه العملية التي طال انتظارها.
المنطقة الآمنة هل هي هدف تركيا الوحيد؟
قد يرى البعض أنه إذا كان الهدف من شن هذه العملية يتمحور فقط حول إقامة منطقة آمنة داخل الشمال السوري بعمق 30 كيلومترا، ظلت تركيا تطالب بها منذ عدة أعوام، فإن تحقيق ذلك قد لا يحتاج إلى أكثر من عقد عدة لقاءات دبلوماسية للتوصل إلى تفاهمات بينها وبين الأطراف الفاعلة في الملف السوري؛ ومن ثم فلا حاجة تذكر إلى القيام بعملية عسكرية في ظل الأزمة الاقتصادية الحادة التي يمر بها الاقتصاد التركي، وما يعانيه المواطنون جراء ذلك.
ويتطلب هذا الوضع التروي قبل زيادة معاناة المواطنين بوضع مسؤوليات مالية أكثر على عواتقهم من دون سبب جوهري، إضافة إلى ما تعنيه الحرب من فقد جنود في ساحة معركة أصبح الأتراك عموما ينظرون إليها نظرة مريبة، ويطالبون بتأهيل السوريين للدفاع بأنفسهم عن أرضهم وبلادهم، والتوقف عن الدفع بالجنود الأتراك إلى أتون حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
لكن الحقيقة أن أهداف تركيا من شن هذه العملية العسكرية التي تعد الخامسة، بعد درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام ودرع الربيع، تتخطى هذا الهدف إلى أبعد من ذلك بكثير، فهذه العملية المزمع القيام بها لها عدة أهداف وليس هدفا واحدا فقط كما يعتقد البعض.
العملية العسكرية الخامسة وعلاقتها بأزمة اللاجئين السوريين
صحيح أن مشروع المنطقة الآمنة أحد الأهداف الرئيسة للحكومة التركية، فعن طريقها ستتمكن من حل أكبر معضلة داخلية أصبحت تؤرقها، وهي مشكلة أعداد اللاجئين السوريين المقيمين لديها، وما يسببه هذا الوجود من ضيق للأتراك حتى تحول الأمر بمرور الوقت إلى حالة من الكراهية والرفض للوجود السوري على الأراضي التركية، بل تعالت الأصوات مطالبة بترحيل السوريين وإعادتهم إلى بلادهم.
وهذا المشروع يمثل حلا سحريا لهذه القضية، فهو بمثابة ضرب عدة عصافير بحجر واحد، فمن ناحية يضمن إعادة توطين أكثر من مليوني سوري في هذه المنطقة وفق الخطط التي صرح بها الرئيس أردوغان في هذا الشأن، ومن ناحية أخرى يؤكد أن اهتمام أنقرة بتوفير حياة آمنة مستقرة لهؤلاء اللاجئين لم يفتر، وعلى صعيد آخر يحفظ ماء وجهها أمام من يمكن أن يدعي أنها تخلت عن دورها الإنساني تجاه مدنيين عزّل حاولوا الحفاظ على أرواحهم وأرواح ذويهم، عبر اللجوء إلى أراضيها، طلبًا للأمن والحماية.
تنظيف المنطقة وإعادة الاتصال بين شمال غرب سوريا وشمال شرقها
أما الهدف الاستراتيجي الذي لا يقل أهمية عن سابقه، فهو طرد عناصر التنظيمات المسلحة إلى أبعد نقطة من حدود تركيا، ومنع تشكيل كيان سياسي للتنظيمات التي تصنفها تركيا والاتحاد الأوربي والولايات المتحدة على أنها تنظيمات إرهابية، وهي وحدات حماية الشعب، وحزب الاتحاد الديمقراطي، المرتبطين عسكريا ولوجستيا بحزب العمال الكردستاني الذي يقود حربا انفصالية منذ ثمانينيات القرن الماضي ضد الدولة التركية.
تنظيف المنطقة من هذه العناصر يعني إعادة الاتصال بين مناطق شمال غرب ومناطق شمال شرق سوريا، وهو أمر من شأنه تشجيع العودة الطوعية لآلاف من السوريين، وإعادة إعمار هذه المناطق التي هدمتها الحرب، وعودة الحياة الطبيعية إليها مرة أخرى.
نجاح تركيا في تحقيق هذه الأهداف يعني تلقائيا أيضا الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، ومنع تفتت جغرافيتها إلى أكثر من كيان سياسي تحت أي مسمى، سواء تم حل المشكلة بين المعارضة السورية ونظام بشار الأسد عبر التفاوض، أم انتهت الحرب بظهور نظام جديد يرضى عنه جميع السوريين ويحقق أهدافهم المشروعة في حياة آمنة مستقرة تحت حكم ديمقراطي، فالمهم ألا تخرج سوريا من هذه المحنة وقد فقدت جزءا من ترابها الوطني.
