كيف يمكن بناء المستقبل بالوعي التاريخي؟!

العالم يحقق تقدما في الكثير من المجالات العلمية والتقنية، وتفخر الإنسانية بإنجازاتها الحضارية والمدنية، ومع ذلك يتزايد الخوف من المستقبل، وتحاول مراكز البحوث أن تتوقع المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها العالم، وكيف يمكن مواجهتها.. ويحتاج العالم إلى إجابة مبدعة عن سؤال مهم هو لماذا يتزايد الإحباط والهزيمة النفسية والاكتئاب؟!!
لقد تطور البحث العلمي في مجال الدراسات المستقبلية، وحاولت هذه الدراسات أن تجيب على سؤالين هما: كيف نعرف المستقبل؟ وكيف يمكن أن نغيره؟
وساهمت هذه الدراسات في تطوير الكثير من المجالات العلمية، ومن أهمها مجالات الإدارة والاقتصاد والسياسة والإعلام بالإضافة إلى العلوم الطبيعية.
وحاول العلماء في مجال الدراسات المستقبلية تطوير نظريات ومناهج وأدوات علمية من أهمها نموذج المحاكاة، والدراسات الكمية والكيفية، لكن عملية التعرف على المستقبل أكثر تعقيدا، فهي لا تعتمد فقط على الحقائق المستمدة من دراسة الواقع.
وهذه الدراسات المستقبلية شكلت أساسا لعملية إنتاج معرفي، وتجاوزت التنبؤ إلى التحكم في السلوك الإنساني، وتوجيه عملية التغيير، وصنع القرارات، وحث الناس على العمل لبناء المستقبل بأساليب مختلفة.
الارتباط بين السياسة والعلم
ولقد ربطت الدراسات المستقبلية بين العلم والسياسة؛ فتحقيق الأهداف الطويلة المدى، والتأثير في الشعوب يحتاج إلى إرادة سياسية وقيادة تتميز بالوعي والحكمة والشجاعة، لذلك تزايد دور التخطيط، وتوظيف الخبرات التاريخية في بناء المستقبل.
وشاركت العلوم الاجتماعية بدور كبير في إنتاج المعرفة التي تمكن الدول من مواجهة التحديات والمخاطر، واستثمار الفرص التي يوفرها التغيير العالمي.
لذلك انتقلت الدراسات المستقبلية إلى مرحلة جديدة يتم فيها إنتاج المعرفة حول المستقبل عن طريق التفاعل الإيجابي بين قادة المعرفة من الأكاديميين، وقادة المجتمع من السياسيين والاقتصاديين.
علاقة التاريخ بالمستقبل
كما تزايد دور المؤرخين في تطوير الدراسات المستقبلية، فهم يقومون بإنتاج المعرفة حول العوامل التي شكلت الحاضر، وتؤثر في المستقبل.
ويوفر التاريخ معرفة بالتجارب التاريخية، وعمليات التغيير التي حدثت في الماضي، والنتائج التي ترتبت على هذا التغيير.
ولأن التاريخ يوضح لنا كيف تم استخدام القوة والمعرفة في تحقيق التغيير، فإن الدراسات المستقبلية يمكن أن تتعامل مع المستقبل على أنه كفاح ممتد، وصراع بين قوى مختلفة. وهذا ما يطلق عليه جين أندرسون “تاريخ المستقبل”، وهو مفهوم جديد يمكن أن يفتح لنا مجالات جديدة لتطوير نظرتنا إلى التاريخ والمستقبل. كما يمكن أن يساهم في تطوير الدراسات المستقبلية، وفتح مجالات التعاون بين العلوم المختلفة لتطوير علوم جديدة، وإخراج الدراسات المستقبلية من مجال التوقعات.
رؤية تاريخية للمستقبل
إن قراءة التاريخ بعمق يمكن أن تشحذ بصيرتنا لرؤية المستقبل، وتزيد إمكانيات توقع أحداثه وأزماته على ضوء الخبرة التاريخية.
لذلك فإن القيادة التي تفتقد المعرفة التاريخية لا تستطيع بناء رؤية للمستقبل، أو التأثير في الناس لتحقيق التغيير.
كما أن الوعي بالتاريخ يساهم في تنشئة الأجيال التي تصنع المستقبل، فمن التاريخ يتعلم الشباب كيفية مواجهة التحديات، والتوصل إلى حلول جديدة للمشكلات، وبناء علاقات مع الدول على أساس المبادئ والقيم، وليس على أساس المصالح المتغيرة وحدها.
التاريخ فاعل في حياة الأمم!
إن الدولة التي لا تدرِّس التاريخ في مدارسها وجامعاتها بأساليب تثير خيال المتعلمين، وتزيد قدرتهم على بناء الرؤية والقيادة والتفاعل مع الأحداث لا تستطيع أن تبني مستقبلها أو تحقق أهدافا طويلة المدى، وكل ما تستطيع أن تفعله هو الخضوع للواقع، والعمل لتحقيق الاستقرار.
لذلك فإن بناء المستقبل لا يعتمد فقط على قراءة التاريخ وكتابته، ولكن يعتمد على تحويل التاريخ إلى فاعل في حياة الأمم، يثير خيال قادتها وشبابها، ويحفزهم للتأثير في الشعب، وتعبئته لتحقيق حلم عظيم.
من أين يأتي الحلم؟!
إن الدولة التي تريد أن تبني مستقبلها لابد أن تحفز شعبها لتحقيق حلم يُصاغ من كفاح طويل، ويُوحَّد الشعب حول رموز تساهم في تحقيقه.
ويشكل نموذج جنوب أفريقيا حالة شاهدة على صحة ذلك، حيث ظل نيلسون مانديلا يعبر عن حلم شعبه بإسقاط التفرقة العنصرية، وظل في زنزانته عشرات السنين رمزا لكفاح شعبه، وللحلم المستحيل الذي تحقق بعد كفاح طويل، فخرج من سجنه ليصبح رئيسا لجمهورية يتمتع فيها الجميع بحقوق متساوية، وتصبح التفرقة العنصرية درسا من التاريخ يعمل الجميع لمقاومته، ومنع إمكانية العودة إليه.
والأحلام العظيمة التي يتوحد الشعب لتحقيقها تنبع من التجربة التاريخية، وكفاح الشعب.. ولتحقيق هذا الحلم يتم التوافق على مجموعة من المبادئ والقيم التي تحمي الحقوق، وتضمن العدالة.
حماية الاستقرار والعداء للتغيير!
هناك الكثير من الدول التي يكون هدفها الوحيد هو حماية الاستقرار، وهذا يعني منع التغيير، والتقليل من إمكانيات الابتكار وتقديم حلول جديدة للمشكلات.
لكن التاريخ يوضح أن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق باستخدام القوة الغاشمة، بل يتحقق بالاتفاق على منظومة من المبادئ والقيم التي كافح الشعب للتمسك بها.
التاريخ وحماية الاستقرار
لذلك فإن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق بدون وعي بالتاريخ، وتحويله إلى فاعل في حياة الشعب؛ فالتاريخ يوضح لنا أن المجتمعات الإنسانية في حالة تغيير مستمر، ولا يمكن أن يتحقق الاستقرار لأي دولة عندما يصبح هو هدفها الوحيد.
عندما يصبح هدف الدولة هو المحافظة على الوضع الراهن، فإنها تفقد قدراتها على الابتكار والإبداع وتحقيق التنمية، والقيام بوظيفة حضارية ودور تاريخي. وهذا ما حدث للكثير من الدول خلال القرن العشرين.
إن التاريخ يوضح لنا أن الذين يريدون الاستقرار هم الذين يستفيدون من الوضع الراهن، وعادة ما تكون نخبة فاسدة مغرورة جاهلة، وتابعة للاستعمار، ومنفصلة عن تاريخ الأمة. ولذلك ترفض تحقيق أهداف طويلة المدى مثل الاستقلال الشامل والديمقراطية والاكتفاء الذاتي والتقدم والتنمية.
وهذه النخبة التي تريد الاستقرار تفضل الحلول السهلة مثل الاقتراض المستمر والجباية وفرض الضرائب والمكوس على الشعب، وعدم الإنفاق على التعليم والصحة.
إن التاريخ يوضح لنا أن المحافظة على الوضع الراهن تؤدي إلى زيادة حدة المشكلات، وتفاقم الأزمات، وزيادة كراهية الشعوب للسلطات، وفي النهاية تندلع الحروب الأهلية وتنتشر المجاعات، أو تتقدم الشعوب للدفاع عن حياتها بالثورات.
لذلك فإن القيادات التي تمتلك المعرفة المتعمقة بالتاريخ هي التي يمكن أن تقود التغيير بكفاءة، وتوحد شعوبها حول حلم تكافح من أجل تحقيقه، فيتم تماسك المجتمع، ويتحقق الاستقرار.
ومن ثم فإن الأمة تحتاج إلى تطوير رؤيتها التاريخية للمستقبل، والاهتمام بدور التاريخ في الدراسات المستقبلية لتضيء تلك الدراسات للشعوب الطريق لتحقيق أحلامها الكبرى.
كما أن الأمة تحتاج إلى قراءة متعمقة لتاريخها لتبني بها مشروعا حضاريا جديدا يمكن أن يساهم في حماية البشرية من الدمار الذي تسوقها إليه الرأسمالية والاستبداد والنخب الفاسدة التي فقدت القدرة على التعلم من التاريخ، واكتفت بغرورها الناتج عن الجهل.
وبناء هذا المشروع الحضاري الجديد هو جزء من المشروع العلمي الذي يشكل هدفا مهما لحياتي بعد سن الستين.
