الوقود.. قفزات سعرية غير مسبوقة في تاريخ مصر!

قررت الحكومة المصرية مؤخراً زيادة سعر لتر السولار أو (الجاز) خمسين قرشاً، ورفعت أسعار البنزين بأنواعه المختلفة، والمازوت.
الخمسون قرشاً الزيادة ساهمت مع البنزين في موجة جديدة من ارتفاع الأسعار التي صارت جحيماً، وهو وضع لم يحدث في أي مرحلة من قبل، والأسعار عموماً متغيرة بشكل لحظي في اتجاه تصاعدي مع استمرار ضعف الاقتصاد، وشُح العملات الصعبة، وتدني قيمة الجنيه أمام الدولار.
معظم وسائل نقل الركاب والسلع تستخدم السولار، ولهذا ارتفعت فوراً أجرة الركوب، وزادت أسعار الخضروات والفواكه والمجمدات، وكل شيء يتم نقله، حتى أجرة ري الزراعات، عبر ماكينات رفع المياه، لم تسلم من الزيادة.
والحكومة تبادر برفع أسعار السلع والخدمات التي تقدمها لمواطنيها، فتشجع التجار والمُصنِعين والمستوردين على رفع أسعارهم أيضاً، وهم مطمئنون.
ففي خضم موجة غلاء، يتم تحميلها لحرب روسيا وأوكرانيا، رفعت سعر أسطوانة غاز الطبخ مرتين خلال 3 أشهر هذا العام، بواقع 5 جنيهات كل مرة، (السعر ارتفع من 65 جنيهاً للأسطوانة، إلى 70، ثم 75، وكانت بـ 5 جنيهات حتى أبريل 2013).
وعندما ترفع الحكومة أسعار الوقود، فإنها بذلك تمنح ضوءًا أخضر لكل من يستخدمه لرفع أسعار سلعه ومنتجاته، وأولها تعريفة ركوب سيارات الأجرة، وتعريفة النقل للسلع، والزيادة هنا لا تتناسب مع نسبة الزيادة الجديدة للوقود.
فهناك حالة سُعار في المجتمع، والغلاء يفجر جشعاً لا إنسانياً، والحكومة تمهد الطريق للانفلات السعري، فهي البادئة برفع أسعار خدماتها لمواطنيها، وهي تتعامل بمنطق التاجر الساعي للربح، فتجعل التاجر الفعلي يتحلل من أي لياقة في زيادة معقولة لخدماته.
نحن نعيش في آتون حارق من أسعار المحروقات، وهو بند ضمن قائمة طويلة من ارتفاعات شاملة دون توقف لكل السلع والخدمات، حتى طابع الدمغة الذي كان ثمنه رمزياً صار بمبلغ وقدره.
زيادات هائلة
وفي أسعار الوقود مفارقات مهولة، فقد بقيت ثابتة لمدة 27 عاماً في عهد مبارك، وأول تحريك كان عام 2008، كالتالي:
بنزين 95 ارتفع من 175 قرشاً للتر، إلى 275 قرشاً.
بنزين 92 ارتفع من 145 قرشاً، إلى 185 قرشاً.
بنزين 90 من 130 قرشاً، إلى 175 قرشاً، (تم إلغاؤه من الأسواق في 2014).
بنزين 80 لم يرتفع، وظل جنيهاً واحداً للتر، لأنه الأكثر استخداماً في المركبات (البنزين الشعبي).
السولار ارتفع من 70 قرشاً، إلى 105 قروش للتر.
سعر المتر المكعب من الغاز الطبيعي للسيارات بـ 40 قرشاً.
ظلت هذه الأسعار كما هي طوال 6 سنوات، (بقية حكم مبارك، المجلس العسكري، مرسي، عدلي منصور)، ثم بدأت قفزات رفع الأسعار في 5 يوليو 2014، حتى وصلت الأسعار في أحدث زيادة، الأربعاء 13 يوليو الجاري، وخلال 8 سنوات من الحكم الحالي، كالتالي:
بنزين 95 ارتفع إلى 10 جنيهات و75 قرشاً للتر، (8 جنيهات زيادات).
بنزين 92 صار بـ 9 جنيهات و25 قرشاً، (7 جنيهات و40 قرشاً زيادات).
بنزين 80 اللتر بـ 8 جنيهات، (7 جنيهات زيادات).
السولار والكيروسين 7 جنيهات و25 قرشاً للتر، (6 جنيهات و20 قرشاً زيادات).
سعر المتر المكعب لغاز السيارات 3 جنيهات ونصف الجنيه دون زيادة بعد، (3 جنيهات و10 قروش زيادات).
والزيادة الجديدة في أسعار البنزين هي الثالثة هذا العام، والسادسة على التوالي.
الاستجابة لمطالب الصندوق
مصر اعتمدت في أكتوبر 2019 آلية التسعير التلقائي لتحرير أسعار الوقود، من خلال ربطها بالأسعار العالمية، بهدف خفض تكلفة دعم المواد البترولية في الموازنة، وكل 3 أشهر تراجع الحكومة الأسعار بناءً على تطورات الأسعار العالمية للبترول، وسعر صرف الجنيه مقابل الدولار، وأعباء التشغيل الداخلي.
والأمور التي تحدث المراجعة على أساسها تقع خارج إرادة المواطنين، وترتبط بمدى اجتهاد وكفاءة منظومة الحكم في مواجهة أي تطورات تؤثر على أسعار الوقود وتوفيره، لكن الحاصل هو تحميل المواطن أي أعباء أو متغيرات سلبية أو ظروف طارئة.
وينبغي الإشارة إلى أن مصر تجري محادثات مع صندوق النقد للحصول على قرض جديد، ومؤخراً تمت مباحثات بالقاهرة بين الطرفين، لمناقشة دعم الصندوق لما يُسمى برنامج الإصلاح الاقتصادي.
ومصر لجأت للصندوق ثلاث مرات للاستدانة؛ مرة في 2016، ومرتين في 2020، (حصلت فيهم على 19 ملياراً و970 مليون دولار)، واستجابت لمطالب الصندوق بتخفيض قيمة العملة، وخفض ميزانية الدعم بشكل كبير في الوقود والكهرباء والمياه والخدمات الحكومية، بجانب التزامات أخرى، مقابل التمويل.
ومع هذا فالأوضاع المعيشية والاجتماعية لم تتحسن في ظل هذ الإصلاح، بل تزداد أزمات الاقتصاد، ومصاعب الحياة، وتتوالى ارتفاعات الأسعار.
لتر السولار بـ قرشين ونصف
يوما ما في الجمهورية العربية المتحدة (من 1958 – 1971) كان سعر لتر السولار 25 مليماً، أي قرشين ونصف القرش، أي واحد على أربعين من الجنيه، وبهذا، فالجنيه كان يشتري وقتها 40 لتر سولار، أما اليوم فهو يشتري سُبع لتر.
وكان سعر لتر البنزين السوبر، 58 مليماً، أي نحو 6 قروش للتر، والجنيه بذلك يشتري 17 لتراً، اليوم هذا الجنيه يشتري عُشر اللتر.
والبنزين العادة، اللتر بـ 52 مليماً، أي خمسة قروش ومليمين، والجنيه بذلك يشتري 19 لتراً، والآن يشتري ثُمن لتر.
بالطبع ندرك المتغيرات بين الماضي والحاضر، فليس منطقياً أن تبقى أسعار حقب سابقة هي نفسها أسعار اليوم، هناك مستجدات في الدولة والعالم تتطلب تحرك الأسعار لأعلى، لكن ليس بهذه الوتيرة والقفزات المُذهلة، وفي خلال زمن قياسي.. فماذا عن القادم؟!
