“كيرة والجن”.. فيلم العودة إلى المقاومة الشعبية

يعود الثنائي أحمد مراد ومروان حامد مره آخري إلى التاريخ المصري بفيلمهما الجديد (كيرة والجن) بعد سنوات من تقديم الفيلم الذي أثار ضجة من قبل (تراب الماس).
الفيلم الجديد الذي يعرض حاليا يثير جدلا جديدا بالغوص في التاريخ المصري ليقدم لنا سنوات من النضال المصري ضد الاحتلال البريطاني لمصر الذي امتد من 1882، بعد هزيمة العرابيين في التل الكبير واحتلال مصر حتى جلاء آخر جندي عنها في عام 1956.
وبين 13يونيو 1906، حادثة دنشواي التي أعدم فيها الاحتلال البريطاني فلاحين مصريين في موقعة شهيرة تاريخيا، وبين 18يونيو 1956، تدور أحداث الفيلم، حول المقاومة الشعبية التي يقودها سبعة من المصريين، بعضهم له تاريخ حقيقي، والآخرين هم من خيال المؤلف أحمد مراد.
مجموعة ريش
تتناول أحداث الفيلم المجموعة التي كونها عبد الرحمن فهمي وأحمد ماهر لمقاومة الاحتلال الانجليزي عام 1919، والتي اتخذت من المخبأ السري في مقهى ريش مقرا لقيادة عمليات مقاومة ضد الانجليز في مصر.
الفيلم يعيد للذاكرة المصرية تاريخ المقاومة الشعبية التي يقودها مواطنون عاديون من أبطال الشعب المصري، فبداية الفيلم مشاهد من حادث دنشواي تلك الحادثة التي أحدثت دويا هائلا بين الشعب المصري وامتدت إلى الدول الأوربية.
من مشاهد دنشواي تبدو ملامح الفيلم الأولى حيث اندفاع أهل دنشواي لملاحقة الجنود الانجليز بعد مقتل امرأة مصرية، وحرق حقول القمح نتيجة طلقات الرصاص.
في تلك المشاهد يقدم لنا الفيلم عبد الحي كيرة أحد أبطال دنشواي الذي نجد له أثرا في التراث الشعبي والشعري المصري وأشهرها قصيدة (شنق زهران) للشاعر المصري صلاح عبد الصبور.
ويذكرني موقف عبد الحي كيرة في الفيلم بموقف الجندي المصري أيمن حسن الملقب بالشهيد الحي ابن الشرقية الذي استفزه أحد الجنود الصهاينة في سيناء بإهانة العلم المصري فقام بعملية بطولية قتل فيها 12 جنديا صهيونيا في نوفمبر 1990.
الأبطال السبعة
ينتقل فيلم كيرة والجن من دنشواي إلى ثورة 1919، الثورة الشعبية الكبرى التي قادها الشعب المصري ضد الاحتلال البريطاني والتي انتفض فيها الشعب عقب القبض على سعد زغلول وعبد العزيز فهمي وعلي شعراوي ونفيهم خارج البلاد لمطالبتهم بجلاء قوات الاحتلال عن مصر.
أثناء الثورة تظهر مجموعات شعبية من طلبة الأزهر والمدراس الثانوية والجامعة وعمال المصانع يقودون حركة الثورة، وعلى التوازي تظهر مجموعة ريش التي تتخذ من المقاومة المسلحة طريقا للمقاومة، يتزعم المجموعة دكتور أحمد عبد الحي كيرة، وعبد القادر الجن، ودولت فهمي، ومعهم نجيب الهلالي الأكبر سنا بينهم والذي كان سببا رئيسيا في القبض عليهم، ومعهم ثلاثة أخرين، وعلى الأطراف من المجموعة من يساعدونهم في عملياتهم من فئات الشعب المختلفة.
يذكر التاريخ من هؤلاء الرباعي الشهير: أحمد كيرة طالب الطب، والذي كان يعمل مع الإنجليز ولكنه كان يساعد المجموعة التي كونها أحمد ماهر (أصبح رئيس وزراء مصر بعد ذلك) لمقاومة الاحتلال البريطاني.
نجيب الهلباوي سياسي مصري كان مسجونا سياسيا، وقام بأكبر خيانة لزملائه عندما أبلغ عنهم، ووُصُم تاريخيا بالجاسوس الخائن، ويذكرنا بإبراهيم الهلباوي الذي كان ممثل الادعاء البريطاني على أبناء دنشواي الذين حكم عليهم بالإعدام.
ثنائية الهلباوي هي النموذج للانتقال من معسكر الوطنية إلى معسكرات الخيانة.
دولت فهمي المدرسة الصعيدية بنت المنيا التي كانت واحدة من أعمدة المقاومة ضد الإنجليز في تلك السنوات، التي ضحت بسمعتها وهي القبطية بنت الصعيد لإنقاذ عبد القادر شحاتة الشاب الثوري الذي عمل في عدة عمليات فدائية (الجن)، وواحد من أبطال المجموعة الذي يذكر التاريخ دوره في عملية اغتيال محمد شفيق باشا، وأنقذته دولت فهمي بعد فشل العملية، وخرج من السجن بعد أربع سنوات ليجد أن دولت تم قتلها من أهلها.
أحمد مراد ومروان حامد
المخرج مروان حامد والمؤلف أحمد مراد هما من أبناء جيل واحد، وكونا ثنائيا سينمائيا في السنوات الثماني الأخيرة، فقدم مروان خمسة أفلام للسينما المصرية مأخوذة عن روايات مراد أولها (الفيل الأزرق) الجزء الأول في 2014، ثم الجزء الثاني من الفيل الأزرق، وبعدها: تراب الماس، الأصليين، وأخيرا: كيرة والجن المأخوذ عن رواية مراد (1919)، الصادرة عام 2014.
وقد قدم مروان حامد ثلاثة أفلام قبل لقائه مع مراد وهي: (عمارة يعقوبيان) إنتاج 2006، ثم إبراهيم الأبيض 2009، وفيلم 18يوم إنتاج 2011،
فيلم كيرة والجن يؤدي أدواره مجموعة من الممثلين المصريين برز منهم على مستوى التمثيل سيد رجب في دور الهلباوي، وهو ممثل يستطيع الإمساك بشخصيته جيدا، والممثلة عارفة عبد الرسول في دور الجدة (جدة كيرة).
الفنان أحمد كمال الذي أدي دور شحاته والد الجن في مشهدين فقط، ولكنه استطاع أن يبكيك على الضابط المصري المهزوم في التل الكبير والذي لا ينسي دوره الوطني ويستشهد في مظاهرات الثورة.
تألقت هند صبري في دور دولت فهمي، وأحمد مالك أيضا في دوره، أما ما يؤخذ على الفيلم فهو التطويل والإيقاع البطيء، ويبدو أن الرواية كان لها أثر كبير في ذلك، إذ كان من الممكن اختصار كثير من المشاهد والأحداث، مع الاحتفاظ بقيمة العمل.
فيلم كيرة والجن يعيد للذاكرة مشاهد تاريخية، استطاعت فيها الحركة الشعبية المصرية أن تقدم نماذج متعددة من المصريين الذين استطاعوا التغيير، وتكوين مجموعات قادرة على التعاون من أجل إنجاز مهام كبيرة في ظل ظروف صعبة عانى منها الشعب المصري، وفي كل المشاهد يقول إننا نستطيع أن نتألف كمكونات لهذا الشعب من أجل تحقيق الهدف إذا خلصت النوايا لوحدتنا ووحدة أهدافنا.
