قمة طهران.. لم تحسم الخلاف حول الأزمة السورية!

الرؤساء الثلاثة على هامش قمة طهران

اتساع هوة الخلاف والرؤى في الملفات الإقليمية، وتباين التفسيرات والبنود التي سبق الاتفاق عليها بين تركيا وروسيا وطهران، ربما تكون هذه هي أهم ما تمخضت عنه قمة طهران التي عُقدت مؤخرا، وجمعت الرؤساء الثلاثة رجب طيب أردوغان، وفلاديمير بوتين، وإبراهيم رئيسي.

فرغم أنهم سعوا في تصريحاتهم إلى إبراز أهمية التعاون بينهم فيما يخص الملف السوري، واتفاقهم على ضرورة التوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية المتفاقمة، والتأكيد على التزامهم جميعا بتفاهمات أستانة، واتفاقهم على ضرورة احترام حق تقرير المصير للسوريين، وأن الوقت حان لمنحهم الفرصة كاملة لإقامة حوار مجتمعي داخلي يفضي إلى حل سلمي يُنهي معاناتهم المستمرة منذ أكثر من عشر سنوات؛ فإن هذه التصريحات رغم إيجابيتها كشفت في الوقت نفسه عن وجود أزمة حقيقية حول رؤية هذه الدول لآليات التسوية السياسية للأزمة السورية، وتفسير كل منها لبنود الاتفاقيات السابقة المعروفة باسم تفاهمات أستانة التي شاركت في رعايتها. وهذه الأزمة مرشحة بقوة للاتساع خلال الفترة المقبلة، وهو ما ينذر بإمكانية حدوث مناوشات عسكرية بين قوات هذه الدول الموجودة على الأرض في الشمال السوري عموما، إذا أصرت تركيا على إطلاق العملية العسكرية التي سبق أن أعلنتها.

ويأتي ذلك نتيجة طبيعية لتضارب المصالح، وتباين الأهداف السياسية التي تسعى كل دولة لتحقيقها من وراء دورها بوصفها لاعبا أساسيا في هذا الملف، ووجودها على الأراضي السورية.

بين الإبقاء على نظام الأسد والتخلص منه

يبدو من الواضح بشكل مبدئي أن الخلاف يتمحور حول الرؤية التركية للوضع في سوريا، التي تخالف في عمومها رؤيتي روسيا وإيران؛ إذ يبدو من التصريحات التي صدرت في قمة طهران أن هناك شبه اتفاق في وجهتي نظر البلدين حول العديد من النقاط مثل أهمية التوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي يمكن من خلاله ضمان استمرار نظام بشار الأسد على رأس السلطة في سوريا، مع السعي لإدماج عناصر المعارضة في العملية السياسية، عبر بنود الدستور الجديد الذي يتم وضعه حاليا برعاية الدول الثلاث والأمم المتحدة.

وهذا الطرح يخالف وجهة النظر التركية، التي ترى ضرورة التخلص من نظام الأسد الذي تسبب بسياساته الدموية واعتماده على عمليات الإخفاء القسري والاغتيالات والعنف في مواجهة معارضيه؛ في اندلاع الحرب وتشريد الملايين من شعبه، مع ضرورة العمل على مساعدة سوريا شعبًا ودولة على بدء صفحة جديدة في تاريخها، تضم جميع السوريين من دون استثناء، دولة تُبنى على أسس ديمقراطية يتمتع فيها الجميع بالحرية السياسية، والقدرة على التعبير من دون خوف أو وجل من نظام اعتاد أن يحكم بالحديد والنار.

تفسيرات متباينة لتفاهمات أستانة

الرؤية الإيرانية الروسية تعتمد على تفسير تفاهمات أستانة، من منطلق الحل السياسي والدبلوماسي، وليس العمل العسكري، فالرئيس الروسي أكد أن تفاهمات أستانة هي السبيل الوحيد لجلب الاستقرار ليس لسوريا وحدها بل لمنطقة الشرق الأوسط بأكمله، مدللا على صحة طرحه بالقول إنه “بفضل مسار أستانة انخفض مستوى العنف في سوريا، وأصبحت هناك عملية سياسية، وأن الوقت قد حان لبدء خطوات جديدة نحو حوار سياسي سوري يتيح لسوريا تحديد مستقبلها دون تدخل خارجي”. وهي نفس الرؤية التي أكد عليها الرئيس الإيراني مشيرا إلى أن بلاده تعتقد أن الحل الوحيد للأزمة السورية هو حل سياسي، وأن العمل العسكري لن يحل هذه الأزمة بل سيؤدي إلى تدهور الأمور، مشددا على أن التدخل الخارجي سيؤدي إلى تعقيد الوضع السوري.

الرئيس الإيراني في تصريحه لم ينس أن يؤكد ضرورة مغادرة القوات الأمريكية الأراضي السورية في أسرع وقت، واصفا وجودها بأنه غير شرعي وغير قانوني، وهو ما أيده فيه الرئيس الروسي مضيفا أن هذا الوجود غير الشرعي للقوات الأمريكية في سوريا يعمل على زعزعة الاستقرار بها.

الرئيس التركي رغم موافقته على أهمية حل الأزمة السورية، وضرورة العمل على إنهاء هذا الصراع، فإنه لفت الانتباه إلى مسألة هامة من وجهة نظره، وهي أن اجتماعات أستانة المتلاحقة لم تفض إلى حلول سياسية للأزمة السورية كما يرى حليفاه، وأن تسريع الحل السياسي والدبلوماسي لهذه الأزمة لن يتأتى إلا من خلال الدعم الكامل الذي يجب أن تبديه جميع الأطراف الفاعلة في هذا الملف.

وشدد الرئيس التركي على أن أكبر عمل يصب في تحقيق الأمن والاستقرار للشعب السوري هو التخلص من وحدات حماية الشعب الكردية التي تقوم بعمليات إرهابية ضد المواطنين المدنيين سواء في المناطق الحدودية التركية، أو في الشمال السوري، وتنذر بتقسيم وحدة الأراضي السورية، مُذكرا بأن العودة الطوعية والآمنة للاجئين السوريين إلى بلادهم من أهم البنود في جدول أعمال مسار أستانة، وهو ما لا يمكن حدوثه في ظل وجود هذه التنظيمات الإرهابية، الأمر الذي يزيد من الأعباء التي تواجهها بلاده تجاه اللاجئين السوريين على أراضيها.

وأشار أردوغان إلى أن بلاده تتوقع دعما روسيا إيرانيا لجهودها في محاربة الإرهاب، الذي يعيق عودة آلاف من هؤلاء اللاجئين إلى مدنهم وقراهم، مشددا على أن معركة بلاده مع الإرهاب ستستمر بغض النظر عن داعميها في هذا التوجه، مطالبا الجميع بعدم توقع صمت بلاده أمام ما تمثله هذه التنظيمات من تهديد.

من يستحق السيطرة على شرق الفرات، الجيش العربي السوري أم قوات سوريا الديمقراطية؟

تصريحات أردوغان كشفت النقاب عن حجم التباين والاختلاف العميق سواء في وجهات النظر بين بلاده وكل من روسيا وإيران، أو في تفسير كل من هذه الدول لتفاهمات أستانة التي يتمسك الجميع بكونها الإطار الأمثل لحل الأزمة في سوريا.

فبينما ترى روسيا ومعها إيران أن إنهاء وجود التنظيمات الإرهابية التي تهدد الأمن القومي التركي لن يكون بقيام تركيا بعملية عسكرية جديدة، وإنما يكمن في عودة منطقة شرق الفرات إلى سيطرة قوات الجيش العربي السوري، ترى تركيا أن هذا التوجه سيصب في صالح تقوية نظام الأسد مقابل إضعاف قوى المعارضة، وزيادة حجم المخاطر التي تمثلها التنظيمات الانفصالية التي تتعاون مع قوات الأسد في هذه المناطق ضد اللاجئين الموجودين بها، رافضة هذا الطرح الروسي الإيراني جملة وتفصيلا.

نقطة الاتفاق الوحيدة

النقطة الوحيدة التي اتفق عليها الرؤساء الثلاثة، هي رفضهم المطلق لمحاولات خلق واقع جديد على الأرض السورية تحت زعم مكافحة الإرهاب، بما في ذلك مبادرات الحكم الذاتي التي وصفوها بأنها غير مشروعة، وذلك في إشارة إلى الوعود التي قطعتها الإدارة الأمريكية للتنظيمات الكردية التي تتعاون معها في مكافحة عناصر تنظيم داعش، والتي تقضي بالعمل على مساندتهم في اقتطاع جزء من الأراضي السورية لإقامة إقليم له حكم ذاتي مثلما هو الحال في شمال العراق.

الدول الثلاث أكدت على التصدي لهذه المخططات الانفصالية الهادفة إلى تفتيت الوحدة الترابية للأراضي السورية، وتقويض السيادة الوطنية بها، مشددة على أن تحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط لن يتأتى إلا من خلال الحفاظ على سيادة سوريا ووحدة أراضيها.

وسواء أطلقت تركيا عمليتها العسكرية في القريب العاجل أو قامت بتأجيلها فإن الخلافات بين الدول الثلاث الفاعلة في الملف السوري تنذر بتداعيات سلبية قد تتخطى هذا الملف إلى غيره من قضايا المنطقة، في ظل التحالفات الجديدة التي بدأت تظهر وتقودها واشنطن، والمخططات التي يتم تسريبها، والتي تستهدف تحديدا كلا من روسيا وإيران.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان