الحوار الديمقراطي وثورة الاتصال.. مستقبل أوربا نموذجا

بناء المستقبل يحتاج إلى أفكار جديدة تتناسب مع خطورة التحديات التي أصبحت تواجهها الدول، والتي يمكن أن تهدد وجودها؛ لذلك يجب أن تعمل الدول على تشجيع مواطنيها على التفاعل والمشاركة، وإنتاج الأفكار، وتحقيق التفاهم المشترك والتماسك الاجتماعي لكي تتمكن من الاستفادة من التغيرات التي يتعرض لها العالم.
وثورة الاتصال تفتح أمام الدول آفاقا جديدة لاستثمار ثروتها البشرية في البحث عن حلول مبتكرة للمشكلات، وتعبئة تلك الثروة لتحقيق أهداف عظيمة.. لكن لا يمكن الاستفادة من الثروة البشرية إذا لم يتم التعامل باحترام مع أفكار الناس، وتشجيعهم على التعبير عنها.
مؤتمر مستقبل أوربا.. لماذا؟!
سأقدم لكم نموذجًا يمكن أن تحققه ثورة الاتصال في مجال السياسة والديمقراطية، وكيف يمكن أن تساهم في تحقيق الديمقراطية التشاركية التي يشعر فيها كل فرد بأهمية أفكاره وآرائه في بناء المستقبل.
هذا النموذج هو مؤتمر عقده الاتحاد الأوربي بعنوان “مستقبل أوربا”، واستمر مدة عام كامل عبر منصة متعددة اللغات، ومفتوحة لمشاركة المواطنين، وعرض أفكارهم واقتراحاتهم حول أوربا التي يريدون أن يعيشوا فيها في المستقبل. ولقد مكن المؤتمر الذي استمر من أبريل/نيسان 2021 حتى مايو/أيار 2022 المواطنين في كل أنحاء أوربا من عرض أفكارهم والمساهمة في بناء مستقبل أوربا.
وهذا المؤتمر هو الأول من نوعه، وهو يوضح كيف يمكن أن تتطور الديمقراطية في العصر الحديث.
المجال العام ونهضة أوربا
عندما قرأت عن هذا المؤتمر وحاولت دراسة الفكرة تذكرت نظرية هيبرماس حول المجال العام، وكيف أن فتح المجال العام في أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ساهم في بناء نهضة أوربا الحديثة، وزيادة قوتها، حيث تمت إدارة مناقشة حرة بين الناس في المقاهي والصحف، فتدفقت المعلومات والأفكار في المجتمع، وتمكنت الشعوب من تحقيق التغيير.
وأنا أرى أن هيبرماس وتلاميذه كانوا يريدون بهذه النظرية إعادة البريق لمشروع التنوير الأوربي، وفتح المجال لمشاركة الناس في بناء المستقبل، وتحقيق نوع جديد من التغيير يزيد قوة أوروبا والولايات المتحدة.
المواطنون يقودون المناقشات!
في مؤتمر مستقبل أوربا قاد المواطنون المناقشات حول الكثير من القضايا، وقدموا الكثير من الأفكار التي تستهدف بناء مستقبل أوربا. فهل يعني ذلك أن أوروبا قد عادت إلى تراثها، وحاولت أن تستلهم منه الأفكار لبناء مستقبلها، مع ربطها بالإمكانيات التي توفرها ثورة الاتصال؟!
وهل يمكن أن يوضح ذلك النتائج الإيجابية للتفاعل بين الأصالة والمعاصرة والتراث والابتكار والتجديد والاستفادة من الإنجازات التي حققتها البشرية ومن أهمها ثورة الاتصال؟
فهذا المؤتمر فتح المجال أمام أي مواطن أوربي للمشاركة في منصة رقمية متعددة اللغات.
وقد زار هذه المنصة 5 ملايين مواطن أوربي، وشارك بشكل فعال في المناقشات، وتقديم الأفكار 700 ألف.
لذلك نجح المؤتمر في أن يصبح منصة مفتوحة لمناقشة حرة وشفافة بين المواطنين حول الكثير من التحديات التي تواجه أوروبا، وتحديد أولويات أوروبا في المستقبل.
وبعد عام كامل من المناقشات بين المواطنين، قدم المجلس التنفيذي للمؤتمر تقريرًا نهائيا عن المناقشات للبرلمان الأوروبي يتضمن 49 اقتراحًا حول تسع قضايا أساسية من أهمها مكانة أوروبا العالمية، وزيادة قوة اقتصادها، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والديمقراطية الأوروبية، والهجرة، والتغييرات المناخية، والتعليم والثقافة والشباب، والأمن، وحكم القانون، والرياضة.
ومن خلال المناقشات بين المواطنين تم تحديد الأهداف العامة التي يجب أن يعمل الاتحاد الأوربي لتحقيقها، والتوصية بـ49 إجراءً يجب أن يقوم بها الاتحاد، والاتفاقيات والمعاهدات التي يجب أن يعمل الاتحاد لعقدها بين الدول الأوربية.
لجان متخصصة لدراسة الاقتراحات!
كما شكل الاتحاد الأوربي عددًا من اللجان المتخصصة لدراسة الأفكار والآراء والاقتراحات التي قدمها المواطنون للمؤتمر، ومتابعة الاستفادة منها، وتنفيذها.
لكن أهم ما قاله الاتحاد الأوربي هو أنه سوف يستفيد من هذا المؤتمر في تحقيق الديمقراطية التشاركية، وفي تطوير سياسة الاتحاد الأوربي عن طريق عقد حلقات نقاشية بين المواطنين تكون جزءًا من عملية صنع السياسة، وبناء مبادئ التشريع.
الاقتراحات تشكل برنامج الاتحاد
وقال الاتحاد الأوربي إن رئيس الاتحاد سوف يعلن الاقتراحات في خطاب حالة الاتحاد في سبتمبر 2022، وإن هذه الاقتراحات سيتم الاعتماد عليها في صياغة برنامج الاتحاد لعام 2023.
وقال الاتحاد إنه سيقوم بإعلام المواطنين بوصول الاقتراحات التي قدموها، وكيف يتم الاستفادة منها، وأنه سيعمل بشكل مستمر على تشجيع المواطنين على المشاركة في المناقشات، والاتصال بمؤسسات الاتحاد.
ووجه رئيس الاتحاد الشكر للمواطنين الذين شاركوا في المؤتمر، وأوضحوا للاتحاد تصورهم لأوربا التي يريدون المشاركة في بنائها. وقال إن دور السؤولين جاء الآن للاستفادة من هذا التصور في بناء المعاهدات، وإن الاتحاد يتعهد بإعطاء الأوربيين الحق في أن يقولوا كلمتهم في عمل الاتحاد والمشاركة في توجيهه، وإن المؤتمر عبر عن التنوع في أوروبا، وأدى إلى تقوية العلاقات بين الأوروبيين والمؤسسات التي تخدمهم.
ثروة من الأفكار!
وقال نائب رئيس الاتحاد الأوربي إن المؤتمر قدم لأوربا ثروة من الأفكار، ووصفه بأنه عملية واعدة وملهمة، وفتحت أعين مؤسسات الاتحاد على ما يريده المواطنون، والاستماع إلى ما يهمهم.
وأضاف أن المؤتمر نجح في إعطاء المواطنين الفرصة للتعبير عن أفكارهم والمشاركة في المناقشة، وأنه يعتبر مثالا للنجاح في التوصل إلى أفكار جديدة، حيث أوضحت مناقشة المواطنين حول الصحة ضرورة الاهتمام بالصحة العقلية للمواطنين، لذلك وعد بتقديم مبادرة لمعالجة قضايا الصحة العقلية في أوروبا.
المؤتمر وقياس الرأي العام
ويوضح هذا المؤتمر أيضا أن ثورة الاتصال يمكن أن تفتح لنا مجالات جديدة لقياس الرأي العام، والتعرف على اتجاهاته، وهذا يمكن أن يساهم في تحقيق الحكم الرشيد الذي يقوم بصنع قراراته طبقًا لمعرفته باتجاهات الرأي العام، وأن تعبر مؤسسات الدولة عن الشعب الذي يفرض إرادته بأساليب جديدة من أهمها التعبير عن آرائه في مناقشة حرة ومستمرة عبر منصات تضمن تدفق الآراء والأفكار المتنوعة، ويقوم الباحثون بتحليلها، والتوصل إلى نتائج حول ما يريده المواطنون.
بناء المجتمعات المعرفية
إن هذه التجربة توضح أيضا أهمية أن تستفيد الدول من الثروة البشرية في إنتاج الأفكار الجديدة التي يمكن أن تساهم في تحقيق التنمية والتقدم.
فالدولة التي تفتح المجال لمواطنيها ليعبروا عن أفكارهم وآرائهم هي التي يمكن أن تقيم مجتمعات المعرفة وتبني اقتصادها على المعرفة والابتكار.
وهذه المناقشة المفتوحة تجعل المواطن يشعر بقيمته وأهميته، فيتقدم للمشاركة السياسية، ويتفاعل مع الآخرين، ويساهم في تدفق المعلومات.
الاستفادة من التجربة
هذه التجربة يمكن أن تفتح أمام الدول التي تريد أن تبني مستقبلها آفاقًا جديدة للحوار بين مواطنيها، وتشجيعهم على المشاركة بجرأة وشجاعة في تقديم أفكار وحلول جديدة للمشكلات، ومواجهة التحديات، وتحديد الأولويات، وتحقيق الأهداف. فهذا نموذج للحوار الذي يمكن أن يساهم في بناء المستقبل، وأن ينتج ثروة فكرية وعلمية، ويعبر عن الرأي العام.
اما الحوار الذي يتم داخل الغرف المغلقة بين مؤيدي السلطة الذين تقوم أجهزة الأمن باختيارهم، فإنه وسيلة للإلهاء العام وتغييب الوعي، وتوجيه قصائد النفاق للسلطة حتى تأتي اللحظة التي تقرر فيها الشعوب أن تثور لتدافع عن حريتها وكرامتها وحقوقها ولتختار المشروع الحضاري الذي تبني على أساسه مستقبلها.
إن ثورة الاتصال تفتح لنا آفاقا جديدة لنتحاور، ونبني التفاهم المشترك، ونتفق على مجموعة من المبادئ والقيم والأسس التي نبني على أساسها نظام حكم يعبر عن الشعب، ويقوده إلى تحقيق الاستقلال الشامل.
