كلية الشريعة في جامعة دمشق.. التأسيس وبناء المناهج بين السباعي والمبارك

كان معهد الطب الذي تأسس عام 1901 بمرسوم من السلطان عبد الحميد الثاني هو النواة التي أسهمت في تأسيس “الجامعة السوريّة” عام 1923 التي تحوّلت بعد ذلك إلى جامعة دمشق.

وقد ضمّت الجامعة السّوريّة في بداياتها مدرسة الحقوق التي اصبحت “كلية الحقوق”، ومعهد الطب الذي غدا “كلية الطب”، والمجمع العربي، ودار الآثار العربية، وقد فُصل الأخيران عن جامعة دمشق عام 1926 ليصبح كل منهما مؤسسة قائمة بذاتها.

وبعد الاستقلال عام 1946 تحوّل اسم الجامعة السوريّة إلى “جامعة دمشق” وتمّ تأسيس العديد من الكليّات، وكانت أولى الكليات تأسيسًا بعد كليتي الحقوق والطب؛ كليّة الآداب وقد كان صاحب الفضل في السعي بإنشائها الشّيخ بهجة البيطار إذ كان عضو المجمع العلمي العربي؛ فدعا إلى إنشاء كلية للآداب العربية وكلية للإلهيات “الشريعة”، فأنشأ مدرسة “الآداب العليا” عام 1929 لكنها أغلقت أبوابها عام 1933، وبقيت الجامعة من دون معهد للآداب حتى عام 1946 إذ أُعلن عن إنشاء كليّة الآداب وسُمي خالد شاتيلا عميدًا لها.

مصطفى السّباعي وتحقيق الحلم

عُيّن الدّكتور مصطفى السباعي أستاذًا في كليّة الحقوق بجامعة دمشق عام 1950، غير أنّ الحلم الذي كان يراوده هو تأسيس كليّة الشريعة، وبقي يسعى في أروقة الجامعة ومع المسؤولين في الدولة آنذاك مرتكزًا على مكانته الكبيرة في المجالين العملي والشرعي والمجال السياسي إذ كان نائبًا في البرلمان من عام 1949، وكان من أبرز أعضاء لجنة صياغة الدستور عام 1950، كما ترأس البعثة السوريّة للمؤتمر الإسلامي العالمي عام 1951، وترأس كذلك البعثة السوريّة إلى المؤتمر الإسلامي المسيحي عام 1945.

أثمرت جهود الدّكتور مصطفى السّباعي الإعلان عن تأسيس كليّة الشريعة في جامعة دمشق، وقد كان افتتاحها يوم 20 من أبريل/نيسان عام 1955 في احتفال مهيب حضره رئيس الدّولة آنذاك هاشم الأتاسي ورئيس المجلس النيابي ورئيس الحكومة والوزراء وحشدٌ كبير من سفراء الدّول، وقد كانت الكلمة الرئيسة للدّكتور مصطفى السباعي بوصفه عميد كليّة الشريعة.

الدّكتور محمّد المبارك المؤسّس العلميّ

الدّكتور محمّد المبارك هو صنو وصاحب ورفيق درب الدّكتور السباعي في التخصص الشرعي وفي جماعة الإخوان المسلمين وفي العمل البرلماني والسياسي؛ كان خبيرًا في التخطيط التربوي، وله باعٌ كبيرٌ في وضع المناهج وقد مارس ذلك عبر حياته في العديد من الدول، لكن الإنجاز العلمي الأكبر الذي يمكن نسبته إلى الأستاذ محمد المبارك هو مشاركته يدًا بيدٍ مع الدكتور مصطفى السباعي في تأسيس كليّة الشريعة ووضع مناهجها، ويمكننا وصف المبارك بأنّه المؤسّس العلميّ لكليّة الشّريعة.

فقد كان بعد تأسيس كليّة الشريعة الشخصية المحورية في وضع مناهجها، ومن أهم ما وضعه مادة “نظام الإسلام”، هذه المادة التي غدت جزءًا أصيلًا من مناهج كليات الشريعة في عموم البلاد الإسلامية، فكان الذي استحدث فكرتها وأول من كتب فيها هو الأستاذ محمد المبارك.

وفي ذلك يقول الشيخ علي الطنطاوي “ومن الحقّ أن نقرّر أن ممّن يسعى في تعميم مادة “نظام الإسلام” على مدارس الشام والسودان والمملكة العربية السعودية والأزهر أخانا الأستاذ محمد المبارك”.

وعن أهمية هذه المادة التي لم تكن قد أُلف فيها من قبل في مجال العلوم الشرعية يقول الدكتور يوسف القرضاوي “من خصائص تفكير الأستاذ المبارك النظرة الشمولية للإسلام.

إن عيب كثيرين أنهم يأخذون الإسلام مجزءًا، يأخذون جانبًا وينسون جانبًا أو جوانب، ولكن الذين وفقهم الله، هم الذين ينظرون إلى الإسلام من جميع جوانبه، لا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، إنما يؤمنون بالكتاب كله، وبالإسلام كله، فالإسلام وحدة لا تتجزأ، الإسلام كلٌ شامل.

وهذه هي نظرة الأستاذ المبارك، وعلى هذا الأساس كان يتبنّى في كلّ ما شارك فيه من مناهج التربية في الجامعات الإسلامية والعربية فكرة تدريس مادة اقترح أن تسمى “نظام الإسلام”، مادة يدرس فيها الإسلام كله، كوحدة لا تتجزأ، اقترح ذلك في جامعة الأزهر، وفي جامعة أم درمان، وفي الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وفي جامعة الملك عبد العزيز، واقترح ذلك في كل جامعة شارك فيها مادة “نظام الإسلام”، أن يُنظر إلى الإسلام كله شاملًا، ويُدرس على هذا الأساس.

وهو قد شارك في هذا، وألف في هذا بالفعل، وقد نال تأليفه في هذا الموضوع إعجاب كثيرين من أهل الشرق والغرب، وحتى من المستشرقين أنفسهم على قلّة المنصفين منهم، هذه النظرة الشاملة يتميز بها تفكير الأستاذ المبارك، ومؤلفات الأستاذ المبارك”.

لم يكن الدّكتور المبارك سباقًا في تفكيره وتأليفه لمادة “نظام الإسلام” فحسب، بل كان له قصب السبق في مجالٍ علميٍ آخر يذكره العلامة مصطفى الزرقا إذ يقول “كان الأستاذ محمد المبارك أول من فكّر بضرورة إعادة النّظر في علم الاجتماع الذي يدرّس بوضعه الحالي الذي يؤدي إلى الإلحاد، حيث يرى ضرورة كتابة علم اجتماعٍ إسلامي متّفق مع مسلّمات الإسلام وثوابته في القرآن والسنّة النبويّة، وقد كلّف في آخر حياته في الجامعة الأردنية بتدريس علم الاجتماع الإسلامي على صعيد الجامعة للطلاب من جميع الكليّات”.

وبعد مرض الدكتور مصطفى السباعي تولى محمد المبارك عمادة كلية الشريعة من عام 1964 حتى عام 1966.

لم يكن تأسيس كليّة الشريعة مجرّد افتتاح لقاعات تخرّج حملة الشّهادة في علوم الشريعة، بل كان إيذانًا ببدء تيّار جديد في الوسط الدينيّ في سوريا مختلف في نمط التعلّم ومنهجيّة التلقي والتفكير عن عموم الجماعات الأخرى الموجودة في البيئة الشرعيّة السّوريّة.

إضافة إلى كونها منطلقًا لبناء مناهجَ جديدة في التّعليم الشّرعي على مستوى سوريا وربما المنطقة كلها إذ كانت الكليّة موئلًا لطلبة العلوم الشرعيّة من البلدان المحيطة، وبقيت هكذا رغم اليد السياسيّة البعثيّة التي بدأت تعبث بها مع استشعار خطرها ومركزيتها في بناء الوعي الشرعيّ في سوريا.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان