(عواد باع أرضه).. من المعايرة إلى التهنئة!

حسب القصة التي قرأتها عن (عواد) أنه لم يبع أرضه، إنما دافع عنها حتى قُتل في سبيل استرداد حقه، وهو مبلغ 160 جنيها كان دفعها مقابل استئجار 8 فدادين من الأمير محمد علي، وسحب الأمير الأرض منه، ورفض تسديد المبلغ له.

لا أدري مدى صحة القصة، قيل إنها جرت عام 1946، ثم في الستينات تم كتابة (أوبريت غنائي) يقول مطلعه: (عواد باع أرضه، شوفوا طوله وعرضه، الأرض أرضنا، عن أبونا وجدنا، وبكرة ولا بعده لعيالنا بعدنا).

وما يتعلق بالمرحلة الملكية من مواد ثقافية وفنية وسياسية جرى إنتاجها خلال المرحلة الناصرية يثير الشكوك في المصداقية والدقة ويستحضر التشويه، وهكذا الحال حينما يكتب كل عهد عن سابقه، ويُقال إنها عادة فرعونية أن كل فرعون كان يدمر أو يشوه أعمال وتراث من سبقه، فهو يجعل من نفسه الحاكم العظيم وحده، وكأنه يجهل أن من سيخلفه سيزيل آثاره أيضاً، وهذه العملية لا تزال مستمرة.

وقد جرى اتخاذ عبارة (عواد باع أرضه) لمعايرة من يُفرط في أرضه، والذهن يذهب هنا للأرض الزراعية، إنما المعنى يتسع ليشمل كل أرض، وكل ما هو وطني وتاريخي، حتى لو كان حفنة تراب أو حبة رمل واحدة في جغرافية الوطن.

 الأرض كانت مصدر الثراء والوجاهة الاجتماعية

الطين، كما هو الوصف أحياناً للأرض الزراعية، كان مصدر الثراء والوجاهة الاجتماعية في مصر خلال سنوات خلت، العائلات كانت تتفاخر بأنها تمتلك حيازات كبيرة من الأرض، والعريس المفضل من يمتلك أرضاً حتى لو كان يعمل بالفلاحة بنفسه، وكان الموظف غير مناسب للزواج لدى كثير من العائلات لأن راتبه محدود، أما الفلاح فإنه مرغوب، فالخير في بيته وفير.

كثير ممن كانوا يحملون لقب (الباشا) في زمن سابق كان مصدر بروزهم في المجتمع امتلاك حيازات زراعية، وكان شراء الأرض الهدف الأول لمن يمتلك مالاً، فهي أفضل استثمار، وأكثر ضمانا للمال، ولهذا صار بيع الأرض يمثل عاراً وإيذاناً بزوال الهيبة والمكانة الاجتماعية.

والريف قديماً كان يمثل النقاء والصفاء والخير، هو الحقول والخضرة والمياه والزروع والحصاد والعمل والعرق والبيت الملآن بالحليب والزبدة والجبنة والقشدة والقمح والشعير والذرة والأرز والفول والعدس وغيرها من المحاصيل الشتوية والصيفية، بجانب الخضروات الطازجة وفق مواسمها.

عماد الحياة في مصر، وجوهر وجودها ونشاطها وعصب اقتصادها ومعاش أهلها تاريخياً كانت الزراعة، مصر بلد زراعي بالأساس بفضل أرضها السمراء المنبسطة حول نهر النيل الذي يجري طوال العام.

مشكلة في الأرض والمياه

اليوم، هناك مشكلة في الأرض والمياه، حجم التعديات على المساحة الزراعية القديمة في الدلتا والصعيد هائلاً، فقد خرجت مئات ألوف الأفدنة من الزراعة إلى البناء والتبوير، وكثيره عشوائي وقليله منظم، أما المياه فبدأ الشح يظهر فيها خلال إنشاء سد إثيوبيا، وما بعده لن يكون كما قبله.

الأرض صارت عامل طرد، من لا يزالون يعملون بالزراعة يئنون من التكاليف الباهظة بينما العائد قد لا يغطي مجمل التكلفة، والمشكلة المؤرقة أن المياه قليلة ولا تكفي، والترع والمساقي تواجه جفافاً لأيام طوال بعد أن كان الماء يغمرها إلا أياماً قليلة.

الأرض صارت تمثل عامل خسارة، سواء يقوم صاحبها بزراعتها، أو يؤجرها، أو يشارك شخصًا آخر مناصفة عليها.

قبل سنوات كانت تكاليف تجهيز الأرض للزراعة معقولة، وأسعار البذور والسماد مقبولة، والأيدي العاملة شبه متوفرة، وأجرتها مناسبة، وري الأرض كان بلا مجهود كبير، أو تكلفة مزعجة، كل هذا تغير اليوم، كل هذا طاله الغلاء الفاحش أيضاً، ولهذا يفقد الفلاح القدرة على مواصلة الزراعة بجدية واهتمام.

وإلى ما قبل انفجار قنبلة الغلاء الشامل، كانت أسعار الأرض بيعاً وشراء مزدهرة، اليوم هناك ركود يضرب حركة التداول، ورغم التشدد الرسمي في منع البناء والتعدي على الرقعة الزراعية القديمة ومواجهة نمو القرى والمدن على حسابها إلا أن الجمود هو سيد الموقف، العرض واسع والطلب محدود رغم انخفاض الأسعار.

هذا الركود بسبب أن الزراعة لم تعد مجدية، فالتكاليف متزايدة من تجهيز الأرض وشراء بذور وأسمدة ورعاية المحصول حتى الحصاد، أما الأيدي العاملة فقد أصبحت نادرة وسعرها مرتفع، لم تعد الفلاحة مهنة، ولم تعد ميزة في المجتمع.

تكاليف الزراعة باهظة

عندما تكون تكلفة تجهيز فدان واحد وزراعته أرزاً 7500 جنيه، ولا يزال الحساب مفتوحاً، فنحن في أول مرحلة بعد (شتل) الأرز، فأي جدوى اقتصادية باتت للزراعة والأرض؟.

وهنا يكون السؤال: لماذا شراء أرض بمبالغ كبيرة والعائد ضئيل، بينما إيجار دكان أكثر جدوى من دخل فدان طوال سنة؟

ثمن الفدان العادي اليوم يزيد عن مليون جنيه، وإيجاره نحو 10 آلاف جنيه سنوياً في بعض المناطق، أي أقل من ألف جنيه شهرياً، بينما إيجار دكان بقالة قد يزيد عن ألف جنيه كل شهر في بلاد تتجه للتجارة بعد أن هجرت الزراعة.

من هنا لم تعد الأرض مغرية للاحتفاظ بها، وبثمن بيعها يمكن الاستثمار في مجالات تُدر أرباحاً أكبر، والبناء عليها أكثر فائدة وجدوى، ولذلك فإن الأرض القديمة في الدلتا والصعيد هانت وتراجعت قيمتها ورمزيتها والتفريط فيها صار سهلاً ومساحتها تتقلص بشكل واضح.

في أيدي التخطيط التنموي الواقعي الصحيح إعادة إعلاء شأن الزراعة والفلاح برعاية السلطة له قولاً وفعلاً وتقديم الدعم السخي كما كان سابقاً، فالزراعة ميزة نسبية لمصر طوال تاريخها.

الدعم يجب أن يعود لكل مستلزمات الزراعة وأن تشتري الحكومة المحاصيل الاستراتيجية بأسعار مجزية لتعود للأرض قيمتها في الرقعة القديمة لكي تساهم مع الأراضي الجديدة في توفير الغذاء والأمان للمصريين.

مصر دولة زراعة وشعبها من الأصل فلاح أصيل عبقري.

ومن أسف أن (عواد) عندما يجد اليوم مشتري لأرضه فإنه يتلقى التهاني، ولم يعد ذلك مجال معايرة له.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان