معضلة الدساتير العربية.. تونس أحدثها

أنصار قيس سعيد يحتفلون

 

مظاهر الفرح التي أبداها الرئيس التونسي قيس سعيّد وأنصاره لتمرير الدستور الجديد لا تعكس قبولا شعبيا بهذا الدستور، بالعكس فقد قاطع حوالي ثلاثة أرباع التونسيين الاستفتاء في شكل عصيان مدني رافض لانقلاب قيس، لا يمكن لربع السكان أن يفرضوا دستورهم على ثلاثة أرباعه الآخرين، فحتى وإن أصبح الدستور ساريا فإنه سيظل منبوذا من غالبية التونسيين، وسيتواصل نضالهم للخلاص من هذا الرئيس “المقلب” ودستوره “الأجرب”.

ما فعله قيس سعيد عقب انقلابه في 25 يوليو/تموز من العام الماضي، وتكليفه لبعض المقربين منه لصياغة دستور يناسب مقاسه الشخصي، لا ينتمي لأي من نظم الحكم المعروفة، بل وتدخله بنفسه لتعديل نصوص صاغها رجاله ووجدها أقل من طموحاته، كل ذلك نزع الشرعية عن هذا الدستور حتى قبل أن يعرض على الاستفتاء العام، فنحن أمام حاكم أحد، لا معقب على حكمه، ولا راد لقضائه، ولا مساءلة على خطأ، فأي قصور أو أخطاء سيتم تحميلها لرئيس الوزراء، وللوزراء، وسيتم تغييرهم تباعا لامتصاص غضب الشعب في كل مرة، وهذا ما درجت عليه كل الديكتاتوريات.

معضلة الدساتير الحديثة

تظل معضلة الدساتير الحديثة قائمة في منطقتنا العربية، التي لم تنعم بهكذا دساتير إلا لفترات محدودة، ربما كان أطولها مدة عقب ثورات الربيع هو الدستور التونسي للعام 2014 والذي كان تجسيدا لحالة توافق وطني عالية، بينما لم يستمر دستور الثورة المصرية في 2012 سوى بضع شهور، ولم تكن نصوصه قد انتقلت إلى إطار قانوني مفصل، ولم تستطع الثورة الليبية إنجاز دستور حتى هذه اللحظة، وفي الجزائر لم يصل الجزائريون حتى اللحظة إلى الدستور الذي يحلمون به رغم انتفاضتهم التي انطلقت في فبراير/شباط 2019، حيث لم يشارك أيضا في الاستفتاء على الدستور في نوفمبر/تشرين ثاني  2020سوى ربع الناخبين (23.7%) ولم يستطع السودانيون أيضا وضع دستور جديد بعد ثورتهم في ديسمبر 2019 حتى الآن.

حتى تحوز الدساتير الرضا والقبول العام لابد أن يشارك في الاستفتاء عليها الغالبية البسيطة على الأقل من مجموع الناخبين، أي أكثر من 50%، بل يذهب البعض لضرورة مشاركة ثلثي أو ثلاثة أرباع الناخبين، ولعل دساتير الدول العربية (باستثناء الدستور التونسي 2014) لم تحظ بهذا الحد المطلوب لنسب التصويت، وحتى الدستور المصري للعام 2012 (دستور الثورة)، ورغم أنه مثل قفزة كبرى على طريق التطور الديمقراطي والدستوري إلا أنه افتقد لحالة التوافق الوطني، فرغم أن الموافقة عليه تمت بنسبة 64% مقابل 36% للمعترضين، إلا أن المشاركة بلغت بالكاد نسبة الثلث من الناخبين، وقد يكون هذا مقبولا ومفهوما في الديمقراطيات المستقرة، أما في حالة التحول الديمقراطي عقب الثورات والتغييرات الكبرى فإن التوافق يظل هو الضمانة الأكبر لقبول الدستور، ومنحه الشرعية الشعبية اللازمة التي تسهل احترامه من الجميع.

نضال دستوري عربي

نضال الشعوب العربية من أجل الديمقراطية والتي يجسدها دستور مدني حديث هو نضال طويل، منذ منتصف القرن التاسع عشر، سنفاجأ مجددا أن تونس هي صاحبة أقدم دستور عربي أصدره الباي محمد الصادق في العام 1861، وسمي في حينه “وثيقة عهد الأمان”، وبموجبه تم تشكيل مجلس تشريعي، وتبعه عدة إصلاحات دستورية نفذها كبير الوزراء خير الدين باشا التونسي، لكن تلك التجربة الدستورية لم تعمر أكثر من 3 سنوات، ووئدت مع دخول الاستعمار الفرنسي للبلاد عام 1881، وظلت تونس بلا دستور حتى العام 1959 بعد رحيل الاستعمار،  فيما كانت مصر ثاني البلاد العربية التي تعرف الدساتير، وعلى عكس تونس فإن تطورها الدستوري استمر بين مد وجزر بلا انقطاع، وكان مشروع أول دستور في العام 1879، أواخر عهد الخديوي إسماعيل، وقد عرض على مجلس النواب كجمعية تأسيسية، وكان يتكون من 49 مادة، وبموجبه انتقل حق التشريع من الخديوي إلى مجلس النواب.

يلاحظ في التطور الدستوري المصري أن أهم 3 دساتير جاءت عقب ثورات وانتفاضات شعبية، وكانت ثمرة لها، فكان دستور 1882 هو ثمرة طبيعية للثورة العرابية، وكان أكثر تطورا من سابقه (1879)، حيث حاول تطبيق نظام ديمقراطي يعطي مجلس النواب حق رقابة الحكومة، وإن ظل قاصرا عن حماية الحقوق والحريات العامة.

وكان دستور 1923 هو الثمرة الطبيعية لثورة 1919، وقد كان أحد مطالبها التي تحققت، ويوصف تاريخيا بأنه أفضل دستور مصري، وقد وضع قيودا شديدة على سلطة الملك أحمد فؤاد، بما جعلها سلطنه ملكية دستورية.

مشكلة غياب التوافق

أما الدستور الثالث فهو دستور ثورة 25 يناير الصادر في العام 2012، ورغم حالة الاستقطاب التي صاحبته، إلا أنه مَثّل نقلة نوعية كبرى في شكل النظام السياسي المصري، الذي اعتمد النظام شبه الرئاسي، وفيه يتقاسم رئيس الجمهورية السلطة مع رئيس الحكومة، وتضمن بابًا للحريات يتطابق مع أحدث الدساتير العالمية، كما فتح الباب لتشكيل هيئات مستقلة عن السلطة التنفيذية، إلخ، وبين الدساتير الثلاثة كانت هناك سلسلة من الدساتير السلطوية بدءا من دستور 1930، وانتهاءً بدستور 1971، مرورا بدستور 1956 و1958و1964(دستور 2014 هو محض تعديلات لبعض نصوص دستور 2012، وظل يحمل غالبية نصوصه حتى وإن تم تجميد العمل بها من الناحية الواقعية، ووصفه السيسي بأنه كتب بحسن نية).

ما حدث من تشويه لدستور الثورة المصرية بتعديلات 2019، ثم ما حدث من انقلاب على دستور ثورة تونس 2014، هو محض جولة من جولات التنازع بين إرادة الشعوب وإرادة المستبدين، وهي معركة محسومة في النهاية لصالح الشعوب مهما طال الزمن.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان