الأحلاف العسكرية.. أنماط متعددة وأدوار ممتدة

شهدت العاصمة الإسبانية مدريد أعمال القمة الثانية والثلاثين لحلف شمال الأطلنطي (ناتو) خلال الفترة من 29 يونيو/حزيران إلى 1 يوليو/تموز 2022، وسط تحولات وتحديات سياسية شديدة الأهمية تشهدها دول الحلف على خلفية تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا التي بدأت فعليًّا في 24 من فبراير/شباط 2022.
وجاءت قمة مدريد التي شارك فيها مسؤولو 41 دولة، وما ناقشته من ملفات وما صدر عنها من قرارات، لتسلط الضوء مجددًا ليس فقط على أهمية ومركزية الدور الذي يمثله حلف شمال الأطلنطي في العلاقات الدولية والتوزانات الاستراتيجية خلال المرحلة الراهنة، بصفة خاصة، ولكن لتسلط الضوء كذلك على أهمية ومركزية الأحلاف العسكرية بصفة عامة.
نهاية الحرب العالمية الثانية والموجة الأولى من الأحلاف العسكرية
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية 1945، انقسم الحلفاء المنتصرون إلى فرقاء متنافسون على خلفية الفشل في تسوية أزمة برلين بين الاتحاد السوفيتي من ناحية والولايات المتحدة وكل من بريطانيا وفرنسا من ناحية ثانية، في وقت تنامى فيه نفوذ الاتحاد السوفيتي في دول شرق أوربا، بل وتمدده في عدد من دول وسط وغرب أوربا مثل اليونان والبرتغال، الأمر الذي دفع الرئيس الأمريكي هاري ترومان إلى إرسال مساعدات اقتصادية وعسكرية عاجلة إلى هاتين الدولتين، ثم الإعلان عن مشروع مارشال لإنقاذ اقتصادات الدول الأوربية.
إلا أن هذه الإجراءات لم تكن كافية من وجهة نظر الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين لمواجهة التحدي السوفيتي، فجاء توقيع ميثاق بروكسل بين كل من بريطانيا وبلجيكا وهولندا وفرنسا ولوكسمبورج، لتأكيد تعاون هذه الدول فيما بينها لمواجهة أي تهديد عسكري، ورحبت الولايات المتحدة بتوقيع هذا الميثاق الذي كان بداية لتشكيل حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1949، بعد انضمام كل من الولايات المتحدة وكندا وإيطاليا والنرويج والبرتغال والدنمارك وأيسلندا، لتكون هذه الدول الاثنتا عشرة هي المؤسسة للحلف.
وجاء الرد السوفيتي على الناتو بالإعلان عن تأسيس حلف وارسو في 14 من مايو/أيار 1955، الذي ضم كلًّا من الاتحاد السوفيتي وبولندا وبلغاريا وتشيكوسلوفاكيا وألبانيا والمجر وألمانيا الشرقية، وكان الهدف الرئيس هو تشكيل قوة عسكرية موازنة لقوة الناتو، وتعزيز أمن دول أوربا الشرقية من أي تهديدات يمكن أن تتعرض لها من الولايات المتحدة وحلفائها، وخاصة بعد نشر الولايات المتحدة لكميات هائلة من السلاح والعتاد في قلب أوربا عبر خطوط المواجهة المفتوحة مع الاتحاد السوفيتي، في ظل نظام دولي ثنائي القطبية، ودخول المعسكرين الشرقي والغربي في حرب باردة لم تتنه إلا بسقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991.
ولم يكن الناتو ووارسو فقط هما الحلفين الوحيدين في مرحلة الحرب الباردة، فقد شهدت مرحلة الخمسينيات من القرن العشرين تأسيس حلفين آخرين في إطار سياسة الاحتواء التي تبنتها الولايات المتحدة تجاه الاتحاد السوفيتي، الأول حلف جنوب شرق آسيا الذي عُرف اختصارًا باسم “سياتو ـ SEATO”، والذي جاء بعد توقيع ميثاق مانيلا في الفلبين عام 1954 وضم كلًّا من أستراليا وفرنسا ونيوزيلندا وباكستان والفلبين وتايلاند وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وكان الهدف الرئيس للحلف هو مواجهة واحتواء التمدد السوفيتي، في جنوب شرق آسيا وخاصة بعد انتصار التيارات الشيوعية في الحرب الأهلية الصينية، والإعلان عن تأسيس جمهورية الصين الشعبية.
وكان الحلف الثاني هو حلف بغداد الذي تأسس عام 1955 وضم كلًّا من العراق وتركيا وبريطانيا وإيران وباكستان، وكان مقره العاصمة العراقية بغداد، إلا أن العراق انسحب رسميًّا من الحلف عام 1958، وتم نقل المقر إلى مدينة أنقرة التركية، وتغيّر اسم الحلف إلى “المعاهدة المركزية” عام 1959، وكان الهدف الرئيس للحزب هو مواجهة واحتواء التمدد السوفيتي في منطقة الشرق الأوسط.
وقبل هذه الأحلاف الأربعة (ناتو- وارسو- سياتو- بغداد) تأسس “حلف ريو”، أول حلف تم إنشاؤه بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وذلك عام 1947، وعُرف باسم معاهدة المساعدة المتبادلة بين الدول الأمريكية، وضم 24 دولة هي: الولايات المتحدة، الأرجنتين، البرازيل، تشيلي، كولومبيا، بوليفيا، كوبا، كوستاريكا، المكسيك، بنما، بيرو، إكوادور، السلفادور، الدومينيكان، غواتيمالا، هايتي، بروغواي، هندوراس، توباغو، أورغواي، فنزويلا، نيكاراغوا، بارابادوس وترينيداد، وذلك بهدف حماية دول الأمريكتين من أي اعتداء أو هجوم يمكن أن تتعرض له.
سياسة الاحتواء الجديدة من الناتو الآسيوي إلى الناتو الشرق أوسطي
مع الصعود الصيني الكبير على الساحة الاقتصادية الدولية، وتنامي العلاقات الاستراتيجية بين الصين الشعبية وروسيا الاتحادية، وسعي الصين نحو فرض هيمنتها الاقتصادية على النظام الدولي الراهن، تبنت الولايات المتحدة سياسة احتواء جديدة في مواجهة الصعود الصيني والتمدد الروسي، وفي إطار هذه السياسة كانت الأحلاف العسكرية حاضرة بقوة، باعتبارها من أهم أدوات الردع الاستراتيحي التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في المواجهة.
وكانت البداية للدفعة الجديدة من هذه الأحلاف مع “تحالف الحوار الأمني الرباعي” المعروف اختصارًا باسم (كواد ـ Quad) ويضم كلًّا من الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند، والذي تأسس عام 2007، لتعزيز أمن واستقرار الدول الأعضاء بالحلف في مواجهة التهديدات الصينية والروسية وخاصة مع انشغال الولايات المتحدة آنذاك بالتدخل العسكري في كل من أفغانستان والعراق. ومن بين الأهداف الأساسية للحلف كذلك احتواء أي تطورات في مضيق تايوان.
ومع تولي الرئيس الأمريكي بايدن الإدارة في الولايات المتحدة اتجه إلى تعزيز قدرات التحالف، فعقد قمة رباعية ضمت رؤساء وزراء الدول الأعضاء في واشنطن في سبتمبر/أيلول 2021، ثم عقد الحلف قمة في مدينة طوكيو اليابانية في 24 من مايو 2022، حذّر فيها قادة الدول الأعضاء من أي محاولة لتغيير الوضع القائم بالقوة في المنطقة، في إشارة مباشرة إلى تحركات الصين نحو تايوان.
وبالتوازي مع الأدوار والمهام التي يقوم بها تحالف كواد، جاء تأسيس “تحالف العيون الخمس” بين كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، ويرتبط بعلاقات تنسيقية مع كل من الدنمارك وفرنسا وهولندا والنرويج، ويرتكز نشاطه بدرجة أساسية على التعاون الاستخباراتي والمعلوماتي بين الدول الأعضاء. وفي مايو 2020، وافق التحالف على توسيع دوره من التعاون الأمني والاستخباراتي إلى تناول قضايا حقوق الإنسان ونشر الديمقراطية، وذلك بهدف تقديم الدعم لكل من هونغ كونغ وتركستان الشرقية في مواجهة السياسات الصينية.
وبجانب التحالفين الرباعي والخماسي الغربيين يعمل تحالف ثلاثي آخر، يضم كلًّا من أستراليا وبريطانيا والولايات المتحدة، يُعرف باسم (أوكوس ـ AUKUS) وذلك بهدف احتواء الصين في جنوب وجنوب شرق آسيا في مجالات الذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية والأنظمة تحت الماء وقدرات الضربات البعيدة المدى، وتطوير البنية التحتية للدفاعات النووية.
وتأسس الحلف في سبتمبر 2021، بتوجيه من الرئيس الأمريكي جو بايدن، وعقد الحلف قمة في أبريل/نيسان 2022، في إطار تنسيق الجهود لمواجهة تداعيات الأزمة الأوكرانية، والتهديدات التي يمكن أن تنجم عنها على المنظومات الغربية.
وفي السياق ذاته، تعددت التقارير والتصريحات الرسمية عن دعوات لتأسيس “ناتو الشرق الأوسط”، الذي يمكن أن يضم عددًا من حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، مثل إسرائيل والأردن ومصر وبعض دول الخليج العربية، والهدف المعلن مواجهة التهديدات الأمنية التي يمكن أن تتعرض لها هذه الدول من جانب إيران، وكذلك احتواء التمدد الروسي والصعود الصيني في المنظومة الدولية.
وإن كانت مؤشرات نجاح التحالفات الثلاثية والرباعية والخماسية التي ترعاها الولايات المتحدة خارج منطقة الشرق الأوسط كبيرة، وتتزايد في ظل التوافقات السياسية الكبيرة بين أعضائها ووضوح أهدافها، فإن العكس هو الصحيح عندما يتم الحديث عن تحالفات عسكرية في منطقة الشرق الأوسط في ظل تضارب المصالح وتعارض الأهداف بين النظم السياسية المستهدفة بالعضوية في هذه التحالفات، وخاصة مع وضوح الرغبة الأمريكية بأن الهدف المركزي هو إدماج إسرائيل في المنظومات الأمنية والعسكرية والاقتصادية في المنطقة، وليس بنفس الدرجة مواجهة التهديدات التي تعاني منها نظم باقي الدول.
بين تعدد الأطراف وتداخل الدوائر تبقى الأهداف واحدة
من استعراض خرائط التحالفات العسكرية، وخاصة الغربية التي تقف خلفها الولايات المتحدة الأمريكية، نجد أن هناك تداخلًا كبيرًا في هذه الخرائط، مع وجود الأطراف نفسها في عدد من التحالفات، وهذا منطقي لأن المحرك الأول لبناء واستمرار واستقرار هذه التحالفات هو الولايات المتحدة، لذلك يكون الهدف واحدًا والرؤية محل اتفاق بين الحلفاء، والفارق بينها هو في توزيع المهام والأدوار على الأنشطة والنطاقات والأقاليم السياسية والاقتصادية والجغرافية.
ومع هذا التعدد والتداخل والتوافق، تأتي أهمية التأكيد على محورية ومركزية الأدوار التي تقوم بها الأحلاف العسكرية في إدارة العلاقات الدولية، بأنماطها التعاونية والصراعية، رغم حديث البعض في مرحلة من المراحل عن تراجع هذه الأدوار بعد نهاية الحرب الباردة 1991. ولعل التمدد الروسي والصعود الصيني، يشكلان عاملين دافعين لتعاظم هذه الأدوار، وخاصة مع قيام روسيا الاتحادية بتأسيس تحالفات عسكرية موالية لها أبرزها تحالف “معاهدة الأمن الجماعي” التي تأسست عام 2002، وتضم كلًّا من روسيا الاتحادية وبيلاروسيا وأرمينيا وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان، ويُنظر إليها على أنها “ناتو مصغر” بقيادة روسيا لمواجهة التهديدات الأمريكية في آسيا الوسطى وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق.
