جريمة العوامة 70.. وإزالة عوامات النيل

العوامات

قدّم المخرج المصري خيري بشارة أول أفلامه العوامة 70، عام 1982، وتدور أحداثه من خلال المخرج التسجيلي أحمد الشاذلي الذي يسكن في عوامة من عوامات النيل بمنطقة إمبابة، تلك العوامات التي يتم إزالتها الآن من على النيل وطرد سكانها، بحجة تطوير كورنيش النيل، ويتمسك أصحاب العوامات بها لما تمثله من تاريخ وجداني وحياة لهم.

عوامات النيل تاريخ ثقافي وفني

حينما نتأمل هذه العوامات البالغ عددها الآن 32 عوامة نجدها جزءًا من التراث الثقافي والفني منذ زمن بعيد، نذكر أن في إحدى العوامات ولد حافظ إبراهيم شاعر النيل، بينما تعيش فيها الآن الأدبية وأستاذ الأدب الإنجليزي دكتورة أهداف سويف، وبين ميلاد حافظ إبراهيم وحياة سويف تاريخ طويل يمتد إلى المطربة المصرية التي تربعت على عرش الغناء في مطلع القرن العشرين منيرة المهدية، وفي منتصف الستينيات اشتهرت العوامة التي كان يسكن فيها الناقد الأدبي الكبير سيد خميس في إمبابة، وهي العوامة التي مر عليها أغلب جيل الستينيات من الأدباء والشعراء منهم أمل دنقل الشاعر العربي الكبير والذي لقب بشاعر الرفض أو المقاومة، وشعراء العامية الكبار سيد حجاب وعبد الرحمن الأبنودي وعبد الرحيم منصور، كذلك الأديب والقاص يحيي الطاهر عبد الله، وقد تحاكى الجميع عن تلك العوامة التي كانت منتدى إبداع هؤلاء كلهم وبداياتهم، كما ارتبط بها فنانون كبار أمثال الموسيقار محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش.

العوامة في السينما

ظهرت العوامات في السينما المصرية في عديد من الأفلام، كما في فيلم عبد الحليم حافظ (أيام وليالي) نتذكر جميعًا أغنية (أنا لك على طول) التي غناها في النيل بجوار إحدى العوامات، أما رواية نجيب محفوظ (ثرثرة فوق النيل) فتدور أحداثها كاملة داخل عوامة من تلك العوامات التي يتم إزالتها الآن، وقد تحولت هذه الرواية إلى فيلم سينمائي أخرجه حسين كمال بالاسم نفسه، وقد ذكر محفوظ أيضًا العوامات في ثلاثيته الشهيرة التي قدمت في ثلاث روايات هي (بين القصرين)، (قصر الشوق) و(السكرية)، وقدمت هذه الروايات سينمائيًا أيضًا، ومن الشائع أن روايته التي أثارت جدلًا كبيرًا (أولاد حارتنا) قد كتبها في إحدى هذه العوامات.

أما فيلم العوامة 70، الذي كتبه خيري بشارة، وشارك في كتابة السيناريو معه أحد أهم كتاب السيناريو في الثمانينيات فايز غالي فتدور أحداثه داخل عوامة على النيل، وإن كانت المشاهد ليست بدرجة كثافة فيلم (ثرثرة فوق النيل) لحسين كمال.

يعد فيلم بشارة أول أفلام ما سمي بسينما الواقعية الجديدة التي بدأها مع جيل من المخرجين وكتّاب السيناريو منهم محمد خان، عاطف الطيب، داوود عبد السيد، بشير الديك، فايز غالي، وحيد حامد ورأفت الميهي، وكان فيلم العوامة 70، الذي لعب بطولته أحمد زكي وتيسير فهمي وماجدة الخطيب هو باكورة هذه الموجة الجديدة للسينما المصرية، ومن الطريف في هذا الفيلم ظهور المخرج الكبير محمد خان، والإعلامي الشهير الراحل شفيع شلبي ممثلين في الفيلم، أنا كنت أعتقد أن ظهورهما نوع من المشاركة الوجدانية لزميل لهما في أول أفلامه، كما أنه نوع من تقليل ميزانية الفيلم، فقد واجه هذا الجيل صعوبة في إنتاج أفلامه التي كانت تكسر سنوات من إنتاج سينمائي بعيد عن الواقع المصري.

جريمة على النيل

أحمد الشاذلي بطل فيلم العوامة مخرج أفلام تسجيلية (معظم هذا الجيل بدأ حياته هكذا) يقدم أفلامًا مرتبطة بالواقع الموجود، ويحاول أن ينقل الواقع لتحسين أوضاعه (يتهمه أحد الصحفيين في الفيلم بتشويه سمعة مصر)، يقوم أحمد بعمل فيلم عن أحد محالج القطن، وأثناء التصوير يقترب منه أحد العمال ليكشف له عن سرقات تتم في المحلج عن طريق الإدارة، تلك السرقات التي تتم عبر السنوات، ثم يتم عمل حرائق أو حوادث للتغطية عليها.

يتفق أحمد مع العامل على المجيء للعوامة لمقابلة خطيبته الصحفية لنشر ما يقوله ومحاولة كشف الفساد بتقديم بلاغ حول السرقات، وأثناء خروجه يتم قتله عن طريق سارقي المحلج، ويتم اكتشاف الجريمة، ويشعر أحمد الشاذلي (أحمد زكي) أنه مسؤول عن إيجاد القاتل حيث يطارده شبح القتيل في أحلامه لتتغير نظرة أحمد للواقع ويشتبك معه، ولا يحاول الهروب من الواقع ومشاكله كما تعود سابقًا.

خيري بشارة وفايز غالي

قدّم خيري بشارة للسينما المصرية 12 فيلمًا سينمائيًا بينها أفلام من علامات السينما المصرية مثل (الطوق والإسورة) عن قصة يحيي الطاهر عبد الله، و(يوم مر ويوم حلو) فكرة خيري بشارة سيناريو فايز غالي، إشارة مرور، وكابوريا، أيس كريم في جليم، وبلغ عدد الأعمال السينمائية والتليفزيونية لخيري 33 عملًا، بينما قدّم غالي 23 عملًا تلفزيونيًا وسينمائيًا منها أفلام فارس المدينة مع محمد خان، الطريق إلى إيلات مع إنعام محمد علي، ضربة شمس إخراج محمد خان، والأقمر مع هشام أبو النصر.

خيري وفايز كانا من جيل جديد قدّم للسينما المصرية نفسًا مختلفًا عن ما سبقهم في سنوات السبعينيات، وأعادا بريقها مع مجموعة مخرجي الثمانينيات، سمي هذا الجيل أصحاب الواقعية الجديدة، وعدّهم النقاد امتدادًا لصلاح أبو سيف الذي كان مجددًا في السينما في خمسينيات  القرن الماضي وستينياته.

أخيرًا..

أثناء كتابة هذا المقال ما زالت الأديبة المصرية أهداف سويف (شقيقة دكتورة ليلي سويف وابنة أستاذ علم النفس بكلية الآداب مصطفى سويف وأستاذة الأدب الإنجليزي ورائدة الترجمة فاطمة موسى، وخالة علاء عبد الفتاح) تناضل من أجل وجود هذه العوامات ذات التاريخ المعماري والثقافي والتراثي حيث يمتد عمرها إلى أكثر من 125 عامًا، وقد يتم نشره وتكون الجرافات قد أزالت ما تبقى من هذه العوامات، فما زالت جرافات فضة المعداوي تلتهم الثقافة والتاريخ والعمارة، منذ عشرات السنين، لتصبح القاهرة بلا تاريخ.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان