البليغ حمدي.. الموسيقار الذي قتلته الغربة

بليغ حمدي

رحل بليغ حمدي من مصر مجبرًا بعد أن اتهم في قضية قتل، ورحل بليغ الذي عاش عمره عاشقًا للوطن في باريس بعيدًا عنه في سبتمبر 1993، بعد أن أثرت غربته في مرضه بالكبد.

لم يتوانَ بليغ لحظة عن العمل من أجل تقديم فنّه لمصر في كل لحظاتها العسيرة خاصة بعد هزيمة يونيو 1967 التي كانت بداية جهد كبير لبليغ حمدي في مجال الأغنية الوطنية، واصل بعدها تكثيف جهده حتى نصر أكتوبر 1973، والتي قدّم خلالها مجموعة من أهم أغانيه الوطنية.. منها: عبرنا الهزيمة، يا حبيبتي يا مصر، لو عديت، سلامات يا حبايب، أنا على الربابة، وقومي يا مصر وعاش اللي قال.

بليغ حمدي.. موسيقى جديدة ومطربين بلا حصر

حينما قدم الملحن المصري الفريد محمد فوزي لأم كلثوم سيدة الغناء العربي عام 1960، الملحن الشاب بليغ حمدي في حفل خاص في منزل الإذاعي محمد حسن الشجاعي، ليقدم لها لحن أغنية (حب إيه) اعتبرت أن فوزي لا يعيرها اهتمامًا.

قالت أم كلثوم لفوزي: إيه الولد اللي ها أسمعه ده؟ فطلب محمد فوزي منها أن تسمعه ثم لها الحكم بعد ذلك، جلس بليغ على الأرض ليقدم لحن (حب إيه) وما أن بدأ التلحين حتى بدأت أم كلثوم في الاندماج مع اللحن وجلست على الأرض بجواره، وبعدها كوّنت أم كلثوم مع بليغ ثنائي في إحدى عشرة أغنية، منها (ألف ليلة وليلة)، (ليلة حب)، (أنساك)، (سيرة الحب)، (حكم علينا الهوى)، وأغنية (إنّا فدائيون) من كلمات عبد الفتاح مصطفى.

عاش بليغ من أجل حلم أن يقدم أوبرا مصرية، وحاول أن يقدم الأوبريت الغنائي في عملين مهمين أيضًا هما: (تمر حنة)، (ياسين ولدي)، و(مهر العروسة).

كان دائمًا على موعد مع الاختبارات الصعبة، وهذا ما تم مع الشيخ سيد النقشبندي حينما طلب السادات منهما تقديم عمل سويًا، وكان الإشراف على العمل لوجدي الحكيم الإذاعي الكبير، ولم يتصور الشيخ سيد النقشبندي أن هذا البليغ الذي يقدم موسيقى متطورة وتعتمد على الآلات الحديثة أن يقدم ما يناسبه وهو الشيخ صاحب التواشيح الدينية، ولكن بليغًا مع كلمات عبد الفتاح مصطفى استطاع أن يقدم للشيخ ألحانًا تعيش 100 عام كما قال بليغ.

بليغ وعبد الحليم حافظ

بدأ بليغ مع عندليب الغناء الأسمر المشوار مبكرًا جدًا، فكانت أول أغانيه له أغنية (تخونوه) عام 1957، التي قدمها عبد الحليم في فيلم (الوسادة الخالية)، واستمر المشوار حتى وفاة العندليب في مارس 1977، وكانا على موعد مع أغنية جديدة، ولكن القدر لم يمهلهما.

قدم عبد الحليم وبليغ 29 عملًا غنائيًا منها تسع أغانٍ وطنية مثل (فدائي)، (البندقية)، و(أرض الجزائر).

أما أهم نقطة في مشوار عبد الحليم مع بليغ فكانت الأغنية الشعبية، فقد كوّن بليغ مع محمد رشدي المطرب الشعبي ثنائيًا ناجحًا مما أثار الغيرة لدى عبد الحليم حافظ (وهي غيرة فنية محمودة)، فطلب من بليغ أن يقدم له مجموعة من الأغاني الشعبية، فقدم بليغ لعبد الحليم مجموعة من الأغاني الشعبية ابتدأها بأغنية (على حسب وداد قلبي)، (سواح)، و(التوبة).

بليغ حمدي ومكتشف المطربين الكبار

قدم بليغ حمدي ثنائيًا فنيًا مع مطربين مصريين وعرب كبار، ولعل الثنائية الكبرى كانت مع الفنانة الكبيرة وردة الجزائرية (زوجته والحب الكبير في حياة بليغ حمدي) قدما معًا 26 أغنية، كما قدم معها مجموعة كبيرة من أغاني أفلامها مثل (آه يا ليل يا زمن)، و(صوت الحب)، وأغاني أوبريت (تمر حنة).

وقدم بليغ مع كبار المطربين والمطربات منهم فايزة أحمد التي قدمت أغنية بليغ الأولى كملحن في الإذاعة المصرية (ما تحبنيش بالشكل ده)، أما شادية فقدم معها العديد من الأغاني، ومن أبرز أعمالهما معًا أغاني فيلمي (أضواء المدينة)، و(شيء من الخوف)، وأغاني مسرحية (ريا وسكينة).

كما قدم بليغ مع الفنانة السورية ميادة الحناوي أيضًا مجموعة الأغاني التي قدمتها بعد قدومها إلى مصر بدأ من (سيدي أنا)، (الحب اللي كان)، و(أنا بعشقك)، وهي أغنية من كلمات بليغ حمدي، ومن المعروف عن بليغ أنه كان يكتب بعض أغانيه خاصة مع الأجيال الجديدة من المطربين، كما قدم بليغ حمدي أول أغاني الفنانة المغربية (سميرة سعيد).

وأيضًا قدم بليغ حمدي الفنانة المصرية الكبيرة عفاف راضي في بدايتها، ويمكن القول إن ما قدمته عفاف راضي من ألحان بليغ حمدي مع الشاعر عبد الرحيم منصور صنعا تاريخًا كبيرًا لعفاف راضي.

يعد بليغ حمدي الملحن المصري الوحيد الذي عمل مع الأصوات المصرية كلها بداية من عبد الحليم حافظ وأم كلثوم ومحرم فؤاد ومحمد رشدي، مرورًا بمحمد قنديل، وانتقل إلى جيل هاني شاكر، ثم علي الحجار الذي قدمه بليغ في أول أعماله (على قد ما حبينا)، ومحمد الحلو، ثم مدحت صالح ونادية مصطفى حتى جيل جديد ربما لم يسعفه الوقت ليسهم معه في تحقيق نجاحات كبيرة مثل سوزان عطية وتوفيق فريد.. فما من مطرب مصري قدم أغنية إلا وكانت بصمة بليغ موجودة عنده.

بليغ والشعراء

قدم بليغ حمدي ثنائيًا مع عدد من الشعراء المصريين الكبار، فكانت رحلته مع الشاعر عبد الرحيم منصور أهم هذه التجارب خاصة أغانيهما مع وردة، وعفاف راضي، وعلي الحجار، كما قدما معًا أوبريت (تمر حنة) حيث قدما فيه 15 أغنية من تأليف عبد الرحيم منصور، وأوبريت (ياسين ولدي) إخراج كرم مطاوع وتأليف فايز حلاوة.

كما قدم مع عبد الرحمن الأبنودي ثنائيًا في الأغاني العاطفية، والوطنية مع عبد الحليم حافظ، والشعبية مع محمد رشدي، وكانت أغاني (عدى النهار) و(فدائي)، و(المسيح)، بعد هزيمة يونيو، وهناك أعمال كثيرة لبليغ مع شعراء آخرين مثل محمد حمزة، مرسي جميل عزيز، عبد الوهاب محمد، أحمد شفيق كامل، عبد الفتاح مصطفى، وحسين السيد.

حلم بليغ

كان بليغ حمدي امتدادًا موسيقيًا للموسيقار سيد درويش الذي لم يمهله القدر لتكتمل رحلته الموسيقية، فظهر في سنوات قليلة، وقدم إنجازًا موسيقيًا كبيرًا في بداية القرن العشرين، ولكنه مات في سن الـ٢٧ تاركًا موسيقى مصرية خالصة، ونقلة نوعية في الموسيقى الشرقية، وجاء بليغ وسيد مكاوي ليحاولا إكمال هذا المشوار، ولكن حلم بليغ الأكبر كان في تقديم أوبرا مصرية خالصة.

عاش بليغ بين عشقين كبيرين هما الموسيقي والوطن مصر الذي قضى سنوات عمره الأخيرة بعيدًا عنها في باريس في أزمة عنيفة أثرت كثيرًا في هذا الفنان الذي قدم موسيقاه الوطنية والعاطفية بإخلاص كبير.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان