الأخوة في الهند.. حقائق وأساطير!

رابطة الأخوة من أهم الروابط، مقارنة مع نظيراتها في ثقافاتنا المحلية، وتقريبًا في معظم ثقافات العالم، إلى الدرجة التي حدا ببعضها أن تضع لها طقوسًا وشعائر، تقديرًا لها، وفي الهند تحضر الحقيقة والأسطورة معًا في هذه العلاقة.
الهند، أرض العجائب والطرائف والاحتفالات التي لا تُحصى، خصّص أهلها للرابطة بين الأخ والأخت طقوسًا لتوطيدها، في مهرجان سمّوه “راكشا باندهان”، الذي يعني بالسنسكريتية، سنداً، أمانًا، أو رباط الحماية.
يتم الاحتفال بهذه الرابطة كل عام في يوم اكتمال القمر بشهر سرافانا (الشهر الخامس من التقويم القمري الهندوسي) الذي يوافق عادة شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب، ويختلف توقيته كل عام، وهذا العام يأتي في يوم 11 أغسطس.
طقوس المهرجان
استمتعت بطقوس المهرجان الخاصة في إحدى زياراتي للهند، وظللت أسأل نفسي حياله، هل ذلك ممكن؟ عيد وطقوس لمشاعر الأخوة؟
رأيت الأشقاء يرتدون ملابس جديدة ويضعن “الراخي” (خيط أو سوار مصنوع من الخيط الملون) في صينية، تتضمن شعلة نار و”تيلاك”، وهي البودرة التي توضع على الجبهة، وهي من أكثر الرموز بروزًا في الثقافة الهندية، وبعض الأرز غير المطبوخ لما يحمله من معانٍ روحية بسبب صفاته الأساسية في الحفاظ على الحياة، وباعتباره رمزًا للازدهار والخصوبة، بجانب فاكهة أو حلوى.
ورأيت أختًا أخرى تضع بودرة التيلاك على جبين أشقائها، ثم تربط الراخي بمعصمهم، وبمجرد أن يتم ربط الراخي، تقوم الأخت بإطعامهم الحلوى أو الفاكهة، ثم يطعمها إخوتها الحلوى أيضًا.
وبعدها يقدّم الأخ لأخته هدية خاصة، تكون عادة في شكل نقود، أو هدية من متجر هدايا، حُلي وملابس أو أي هدية أخري من هذا القبيل.. كل هذه الطقوس تقام في حضور الآباء والأجداد.
عيد الأخوة هذا، وهو من بين الأعياد التي لا تُعد ولا تُحصي في ذلك البلد، جذب انتباهي أكثر من غيره، لما له من معانٍ قوية في تعميق الأواصر الأسرية، ليس فقط تجاه الأخت لأخيها، وإنما للفتيات اللاتي لسن لديهن إخوة أشقاء، فيقمن بزيارة أقاربهن أو جيرانهن، لتعزيز روابط القرابة والصداقة والجيرة.
أساطير وجذور تاريخية للمهرجان
هناك الكثير من الأساطير والقصص المثيرة حول أصل هذا المهرجان، أقدم هذه الأساطير التي يُنسب إليها هذا المهرجان هي قصة اللورد كريشنا ودروبادي (البطلة الرئيسية في الملحمة) التي وردت في ملحمة ماهابهاراتا عندما جرح اللورد كريشنا إصبعه، وعندما رأت دروبادي إصبعه ينزف بغزارة، قامت بقطع قطعة من طرف سارها، وربطته حول إصبعه لوقف النزيف.
لمس كريشنا هذا الاهتمام، ووعدها بحمايتها من كل شر في المقابل. وفي وقت لاحق في الملحمة قام كريشنا بحمايتها.
ومن القصص التاريخية التي تتردد كثيرًا في الهند، أن الإسكندر الأكبر عندما غزا الهند عام 326 قبل الميلاد، كانت زوجته روكسانا قلقة بشأن سلامته، وكانت قد سمعت عن مهرجان راكشا باندهان، فأرسلت إلى الملك بوروس، ملك بورافاس، راخيًا، وطلبت منه ألا يؤذي زوجها في ساحة المعركة.
خلال معركة نهر هيداسبس، رأى الملك بوروس الراخي على معصمه، ذكّره ذلك بوعده لروكسانا، ثم منع نفسه من مهاجمة الإسكندر.
خسر بوروس المعركة، لكنه نال احترام الإسكندر، فأعاد الإسكندر بوروس حاكمًا لمملكته، كما سمح له بالحكم على الجنوب الشرقي من مملكته.
وفي عام 1535، ظهرت أهمية الراخي شعبيًّا عندما تعرضت مملكة “ميوار” للهجوم من قِبل بهادور شاه حاكم ولاية غوجارات، من أجل توسيع مملكته، مما اضطر الملكة راني كارنافاتي -التي كانت وصيه على عرش ميوار بعد وفاة زوجها ماهرانا سانجرام سينج المعروف باسم رنا سانجا وكان ابنها قاصرًا وقتها- إلى إرسال “راخي” إلى الإمبراطور همايون تطلب منه إنقاذ عائلتها ومملكتها. وعلى الرغم من أن همايون كان منغمسًا في حرب أخرى، فإنه قرر العودة الى مملكة ميوار لمساعدة راني كارنافاتي فى حربها، لأنه قد لمس حاجه الملكة إليه، لكن همايون وجنوده لم يستطيعوا الوصول في الوقت المناسب.
في ذلك الوقت، قامت كارنافاتي بإرسال أبنائها إلى بوندي (منطقة فى ولاية راجستان كبرى ولايات الهند) مع خادمتها الموثوقة بانا داي، وإدراكا من كارنافاتي بأن هزيمتها كانت وشيكة، فضلت هي ونساء المملكة التضحية بأنفسهن على عدم الوقوع أسرى في أيدي العدو. وصلت الأخبار إلى همايون الذي نجح لاحقًا في قتل بهادور شاه، وأعاد المملكة إلى فيكرامجيت سينج ابن كارنافاتي.
الراخي رمز للوحدة
أثناء تقسيم البنغال عام 1905، قام الشاعر رابندرانات طاغور، الحائز على جائزة نوبل في الآداب، بالاحتجاج على قرار تقسيم البنغال على أسس دينية وأستخدم مناسبة راكشا باندان كمهرجان مجتمعي، ودعا النساء جميعاً إلى ربط الراخي على معصم جميع الرجال الهندوس والمسلمين كرمز للوحدة والحفاظ على السلام، والتضامن فيما بينهم.
على الرغم من نجاح البريطانيين في تقسيم الهندوس والمسلمين وإنشاء دولتين منفصلتين على أساس الدين، شرق باكستان (بنغلاديش الآن) وغرب باكستان (باكستان الآن) فإن قصة الراخي أظهرت أن شعب الهند لم يكن يرغب في التقسيم.
