كيف استخدمت تركيا الدبلوماسية العامة لتطوير نظامها الدبلوماسي؟!

‏النموذج التركي لاستخدام الدبلوماسية العامة يستحق الدراسة ‏المتعمقة، ‏لأنه يمكن أن يفتح مجالات جديدة لبناء المكانة العالمية للدولة وقوتها الناعمة.

‏فلقد تمكن حزب العدالة والتنمية منذ عام 2002 من أن يحول الدبلوماسية العامة إلى عمل مؤسسي، ‏يهدف إلى تحويل تركيا ‏إلى نموذج للعالم ولدول الشرق الأوسط، ‏حيث قامت الحكومة التركية ببناء مؤسسات جديدة لبناء صورة إيجابية لتركيا على المستوى العالمي. ‏وقد أصبحت هذه المؤسسات فاعلة ‏في تشكيل السياسة الخارجية التركية.

‏نظام دبلوماسي جديد

‏كما أعادت تركيا بناء وزارة الخارجية لتستوعب مؤسسات الدبلوماسية العامة، ‏وهذا يعني أن تركيا قد سبقت الكثير من دول العالم في بناء نظامها الدبلوماسي، بحيث لا يستهدف هذا النظام بناء العلاقات مع الحكومات فقط، ‏بل يستهدف تطوير العلاقات التركية مع الشعوب أيضا.

‏وكان هذا النظام الدبلوماسي الجديد هو نتيجة لرؤية تواجه بها تركيا تحديات القرن الـ21 ‏بفكر جديد يقوم على التعاون بين مؤسسات الدولة، ‏بالتنسيق مع وزارة الخارجية لتحقيق أهداف السياسة الخارجية للدولة.

‏ ويتناسب هذا التحول مع التغير في النظام العالمي، ‏وقدرة حزب العدالة والتنمية على استيعاب هذا التغيير والعمل على بناء رؤية لمواجهة التحديات التي يفرضها.

‏أهداف سياسية ناعمة

‏في 13 يوليو/تموز 2010 صدر قانون جديد ينظم ‏وزارة الخارجية التركية، وبمقتضى ‏هذا القانون تم إنشاء 15 إدارة جديدة من أهمها إدارة الإعلام، ‏وإدارة العلاقات الدبلوماسية الثقافية.

‏وتم تكليف إدارة الدبلوماسية الثقافية بالعمل على تنسيق أنشطة الدبلوماسية العامة.

‏الدبلوماسية الإعلامية

‏وتقوم الإدارة العامة للإعلام في وزارة الخارجية التركية بتنسيق التفاعل بين الوزارة ووسائل الإعلام القومية والدولية، ‏وتقوم الإدارة بتوفير المعلومات لهذه الوسائل عن السياسة ‏الخارجية التركية، ‏ومواقف تركيا من القضايا الدولية.

‏كما تقوم هذه الإدارة بإدارة حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك ‏وتويتر واليوتيوب.

‏وتستخدم الإدارة هذه الحسابات لتوفر المعلومات والمعرفة للجمهور بلغات مختلفة حول السياسة التركية، ‏كما أن هذه الحسابات مفتوحة للتفاعل مع الجمهور والرد على الأسئلة.

‏وتقوم هذه الإدارة أيضا بالتواصل مع وسائل الإعلام العالمية، ‏وبذلك ركزت الوزارة على الأنشطة الاتصالية والإعلامية والمعرفية.

 دبلوماسية الاتصال بالجماهير

‏كما تقوم إدارة الإعلام بوزارة الشؤون الخارجية التركية بتنظيم لقاءات بين المسؤولين الأتراك والإعلاميين عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

‏وهذا يعني أن تركيا اهتمت بالاتصال بالجماهير بهدف تحقيق أهداف سياسية ناعمة من أهمها بناء صورتها الإيجابية في أذهان الشعوب، وكسب العقول والقلوب، وهذا يشكل مستقبل العمل الدبلوماسي.

‏الدبلوماسية الثقافية

‏لقد اهتمت وزارة الخارجية التركية بالدبلوماسية الثقافية كذلك، ‏حيث يقوم نائب مدير العلاقات الثقافية في الوزارة بالتنسيق بين الأنشطة الثقافية التركية في الخارج.

‏وتقول وزارة الخارجية التركية إنها تعتبر أن الدبلوماسية الثقافية من أهم مكونات سياساتها الخارجية المتعددة الأبعاد، ‏فهي تقوم بالكثير من أنشطة الدبلوماسية الثقافية في الكثير من دول العالم.

‏كما تقوم بإدارة علاقات تركيا الثقافية وبرامج التبادل الثقافي ‏التي تحقق أهداف السياسة الخارجية الثقافية التركية.

‏ومن أهم ما يوضح الاهتمام التركي بالدبلوماسية الثقافية أن وزارة الخارجية تمكنت من عقد اتفاقيات تعاون ‏وتبادل ثقافي مع 29 دولة خلال العقد الماضي، ‏وتهدف هذه الاتفاقيات إلى تقوية العلاقات السياسية والثقافية التركية مع دول العالم.

‏كما تقوم هذه الإدارة بتنظيم الأحداث والفعاليات الثقافية التركية في الخارج.

‏مكتب الدبلوماسية العامة

‏لكن اهتمام تركيا بالدبلوماسية العامة دفعها إلى إنشاء مكتب الدبلوماسية العامة عام 2010 الذي يتبع مجلس الوزراء مباشرة، ‏بهدف التأثير على المجتمع الدولي.

‏ويتكون هذا المكتب من عدد من الوحدات من أهمها الاتصال السياسي، ‏والإعلام، ‏والثقافة، ‏والأعمال التعاونية وتطوير المشروعات.

‏ويقوم المكتب بتنظيم حلقات نقاشية حول الدبلوماسية العامة التركية، ‏ويهتم بالكثير ‏من الأعمال والأنشطة التي تستهدف الشباب، وتساهم هذه الحلقات النقاشية التي ينظمها المكتب في تطوير سياسة تركيا الخارجية، ‏وبناء أجندة الحكومة، ‏ويشارك الأكاديميون في هذه الحلقات.

‏الاتصال أساس الدبلوماسية العامة

‏إن دراسة أنشطة الدبلوماسية العامة التركية ‏توضح أن الحكومة التركية تمكنت من تطوير رؤية تربط بين الاتصال و الدبلوماسية العامة. ‏فقد استخدمت كل أنواع الاتصال ‏مثل الاجتماعات والمؤتمرات والحلقات النقاشية، وسيلة لبناء صورتها الذهنية بوصفها دولة تقوم بوظيفة حضارية وإنسانية عالمية.

‏وتعتبر الأنشطة الأكاديمية من أهم الأسس التي تقوم عليها استراتيجية الدبلوماسية العامة التركية، ‏حيث تقوم المؤسسات التركية بتنظيم اجتماعات للخبراء والباحثين ومراكز البحوث في العالم مع نظرائهم الأتراك.

‏وهذه الاجتماعات تشكل الأساس لاتصال منتظم، وبناء علاقات بين الباحثين الأتراك والأجانب.

‏التأثير في المجتمع العالمي

‏كما يقوم المكتب التابع لرئاسة الوزراء ببناء علاقات مع الصحفيين الأجانب. ‏ويأتي ذلك لتحقيق استراتيجية حزب العدالة والتنمية وحكومته في التأثير في المجتمع العالمي باستخدام الدبلوماسية العامة. ‏وهذه الأنشطة أصبحت تتسع لتشمل الكثير من وسائل التأثير في الشعوب وبناء الصورة الذهنية الإيجابية لتركيا.

‏ومع أن الاستراتيجية التركية الدبلوماسية تستهدف التأثير في المجتمع العالمي كله فإن العالم الإسلامي يحتل مكانة مهمة في هذه الاستراتيجية، ‏حيث تعمل تركيا لتقديم نفسها على أساس شخصيتها وهويتها الإسلامية، ‏وهذا يساهم في كسب تركيا لقلوب وعقول المسلمين، والتأثير في الرأي العام بالدول الإسلامية الذي يساند المواقف التركية. ‏وهذا يشكل تطورًا مهمًّا في استراتيجية تركيا لبناء قوتها الناعمة.

‏قصة تركيا الجديدة

‏يعمل مكتب الدبلوماسية العامة التابع لمجلس الوزراء التركي لتقديم قصة تركيا الجديدة للعالم بأساليب مؤثرة.

‏وتساهم في ذلك الكثير من المؤسسات التركية مثل معهد يونس إمرة ‏الذي يقوم بالكثير من الأنشطة في مجال الدبلوماسية الثقافية، ‏في أفريقيا والبلقان ‏والشرق الأوسط لنشر الثقافة التركية وتعليم اللغة التركية.

‏وبعد أن أنشأ هذا المعهد مركزه الأول في البوسنة عام 2009 قام بإنشاء 11 مركزا في 33 دولة، طبقًا ‏لإحصائية عام 2015.

‏بناء التراث الثقافي في البلقان

‏يعتبر مشروع إعادة بناء التراث الثقافي في البلقان ‏من أهم المشروعات التي يقوم بها معهد يونس إمرة، ‏ويقوم البنك المركزي التركي بتوفير التمويل اللازم لهذا المشروع الذي يهدف إلى ‏المحافظة على مواقع التراث الثقافي، ‏وإحياء الثقافة والتاريخ التركيين، ‏وتقوية الروابط التاريخية مع دول البلقان، ‏وبناء العلاقات مع شعوب هذه الدول.

‏في ضوء ذلك يتضح كيف استخدمت تركيا ثقافتها وتاريخها في بناء علاقات طويلة المدى مع الشعوب، ‏وأن الدبلوماسية العامة احتلت مكانتها في الاستراتيجية التركية لتحقيق أهداف سياساتها الخارجية.

‏فالدبلوماسية العامة من أهم الوسائل التي استخدمتها تركيا لبناء قوتها الناعمة، ‏وتشكيل صورة إيجابية لها في أذهان الشعوب، لذلك قامت بإنشاء مؤسسات حكومية وغير حكومية ‏للقيام بأنشطة متنوعة لكسب عقول الشعوب وقلوبها.

‏وتعتبر تجربة الدبلوماسية العامة التركية في البلقان من التجارب التي تستحق الدراسة؛ لأنها يمكن أن توضح لنا كيف يمكن أن يتم استخدام الدبلوماسية العامة في بناء العلاقات مع الشعوب باستخدام التراث الثقافي والتاريخي.

‏الدبلوماسية العامة والمستقبل

‏لذلك فإن الدولة التي تريد أن تحقق لنفسها قوة ناعمة، ‏وتستثمر ثقافتها في بناء علاقات طويلة المدى مع الشعوب يجب أن تقوم بإعادة بناء نظامها الدبلوماسي بحيث لا ‏يقتصر على القيام بالوظائف التقليدية للدبلوماسية التي تستهدف بناء العلاقات الرسمية مع الحكومات. ‏فالنظام الدبلوماسي الحديث يجب أن تحتل فيه الدبلوماسية العامة بكل أنواعها مكانتها المهمة، ‏فهذا النوع من الدبلوماسية يمكن أن يساهم في كسب الدولة عقول الشعوب وقلوبها ‏باستخدام الإعلام ‏والثقافة والفنون والرياضة والتجارة والعلوم.

‏وهناك الكثير من الأنشطة التي يمكن أن تقوم بها المنظمات غير الحكومية، ‏لأنها تتمتع بقدر أكبر من الحرية والجرأة، ‏لكن من الضروري أن يتم التنسيق مع وزارات الخارجية والسفارات في الخارج.

‏لذلك توضع التجربة التركية أهمية دخول الدبلوماسية العامة في النظام الدبلوماسي للدولة، ‏فهي التي يمكن أن تبني مستقبل العلاقات مع الشعوب، ودراسة هذه التجربة بعمق يمكن أن تفتح مجالات جديدة لتطوير علوم العلاقات الدولية والدبلوماسية وبناء الصور الذهنية للدول.

والجامعات العربية يجب أن تقوم بدورها في تطوير هذه العلوم التي يمكن أن تساهم في زيادة قوة الدول ومكانتها العالمية، وبناء تحالفات جديدة تقوم على أسس حضارية وتاريخية وثقافية. لذلك يمكن أن تشكل دراسة النموذج التركي في استخدام الدبلوماسية العامة مرحلة جديدة لتطوير النظم الدبلوماسية العربية. فهل يمكن أن تشجع هذه الجامعات الباحثين على دراسة هذا النموذج والاستفادة منه؟!

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان