الاستراتيجية الأمريكية: عقدان من التحولات (5)

مع تولي باراك أوباما الرئاسة في الولايات المتحدة في يناير 2009، بدأ التفكير الجاد في إعادة النظر في توجهات استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي تبناه الرئيس جورج دبليو بوش بين 2001 و2008، والتي كانت من وجهة نظر أوباما مصدراً للعديد من الأزمات والتحديات الداخلية والخارجية التي تعرضت لها الولايات المتحدة، كما كان لها انعكاساتها السلبية على الصورة الذهنية الأمريكية.
قل إعادة التموضع الأمريكي ولا تقل تراجع الدور الأمريكي
منذ وصوله إلى الحكم، أراد أوباما لنفسه التفرد والتميز عن جورج دبليو بوش وما فعله في أفغانستان والعراق، لكن أوباما انخرط في نوع آخر من الحروب الأمريكية الخارجية التي أرادها “حروباً ناعمة” سرية، ترتكز على نشر قوات تقليدية محدودة في الميدان وتعتمد على منهج العمليات الهجومية بواسطة طائرات دون طيار كما حصل في باكستان وأفغانستان والصومال واليمن، وفي ليبيا حين اتبع استراتيجية “القيادة من الخلف” أي العزوف عن إدارة العمليات القتالية بشكل مباشر وصريح وترك الأمر للحلفاء.
وفي إطار إستراتيجية “القيادة من الخلف” كما تبناها أوباما، يمكن القول إن المشكلة فيها تتعدى المفاهيم الاستراتيجية إلى ماهية ممارسة القيادة. فأوباما لا يشبه ترومان ولا يشبه ايزنهاور ولا يشبه كارتر أو غيرهم من رؤساء كانت لهم مواقف حاسمة، لذلك كانت أقرب الى تكتيك سياسي منها الى عقيدة سياسية، فالعقائد تصوغ افكاراً وتتبناها. وقد اتجهت إدارة أوباما لتبرير فلسفة “القيادة من الخلف”، بدعوى فكرة “أفول قوة الولايات المتحدة النسبية في وقت تبرز قوى منافسة مثل الصين”، وفكرة “أن أمريكا مكروهة في العالم”..
ورفضاً لهذه التبريرات، قال المفكر الأمريكي “تشارلز كروثامر: إن القول بأن ما يسوغ القيادة الخلفية هو أفول قوة الولايات المتحدة النسبي في غير محله، لأن القوة الروسية العسكرية (آنذاك) لا يُعتد بها في الموازين العالمية، ووالصين تفتقر الى أسطول بحري متفوق يضاهي الاسطول الأمريكي، كما أن القوة الاوروبية تتقهقر وتأفل، والدليل على ذلك الأداء الأوروبي في أفغانستان وليبيا، كما أن تحديات بروز الصين هي تحديات اقليمية وليست دولية. حيث لا تملك الصين قواعد عسكرية في الخارج، وليس في مقدورها بسط نفوذها في العالم، إلا أنها قد تنجح في ذلك في المستقبل.
ويضيف كروثامر: “إن القول إن القيادة من الخلف هي الانسب لتفادي تعاظم كراهية العالم لنا مرفوض، فلطالما كال لنا العالم الكراهية والعداء، سواء في حرب فيتنام، أو في عهد الرئيس ايزنهاور حين زار نائب الرئيس الأمريكي أمريكا اللاتينية وهجمت عليه الجماهير، أو في عهد ريجان حين عمت المظاهرات عواصم الحلفاء المقربين منددة بجرّ الولايات المتحدة العالم الى شتاء نووي يترتب على حرب نووية”.
إلا أن هذه الانتقادات لم تحل دون إطلاق أوباما لاستراتيجيته الأولى عام 2010 للأمن القومي الأمريكي، حيث تناول الإطار العام للوثيقة البيئة الإستراتيجية للعالم وللتحولات الكبيرة التي طرأت عليها بعد الحرب الباردة وخلال الفترة من 1991 إلى 2010، والتي ترتب عليها العديد من التحدّيات للدول والمؤسسات الدولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة، بحكم موقعها على قمة النظام الدولي.
السياسات العامة
تناولت استراتيجية الأمن القومي 2010 العالم الذي تسعى إليه الولايات المتحدة والسياسات العامة الواجب اتباعها لتعزيز مصالحها حول العالم وترسيخ قيادتها وهيمنته
وقد تناولت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2010، عدداً من المنطلقات الأساسية، أهمها (وفق النص الرسمي للاستراتيجية):
1ـ لا تزال الولايات المتّحدة تمتلك العناصر التي أعطتها القوة والقيادة العالمية منذ عقود. لكن لا يمكن لأعباء القرن الجديد أن تقع على كاهل أمريكا وحدها؛ ولذلك يجب العمل على تأسيس علاقات شراكة أكثر عمقا وفاعلية مع مراكز التأثير والنفوذ الرئيسية الأخرى في العالم بما فيها الصين والهند وروسيا، بالإضافة إلى الدول التي يتزايد تأثيرها ونفوذها مثل البرازيل وجنوب أفريقيا وإندونيسيا، خاصة في المواضيع والقضايا ذات الطابع الثنائي والعالمي.
2ـ يعدّ الاقتصاد الأمريكي حجر الأساس في نفوذ أمريكا العالمي؛ فالازدهار هو منبع القوة الأمريكية، وهو مصدر تمويل القوات العسكرية، وهو المصدر الذي تعتمد عليه المبادرات الدبلوماسية والتنموية الأمريكية في العالم. ومع أنّ الولايات المتّحدة لا تزال تحافظ على تفوق عسكري كبير عالميا إلا أنّ قدراتها التنافسية تراجعت في السنوات الأخيرة، وهو ما يتطلب إعادة بناء الاقتصاد بما يخدم تحقيق هذا الهدف عبر الاهتمام بالتعليم والصحة والتكنولوجيا والإبداع والتنافسية، وبتحقيق نمو مستدام وتنمية، وبتوفير أموال دافع الضرائب الأمريكي وصرفها في المكان المناسب.
3ـ التزام أمريكا بالديمقراطية وحقوق الإنسان وحكم القانون مصدر ضروري لقوة ونفوذ واشنطن في العالم. وأفضل وسيلة للترويج لهذه القيم على الصعيد العالمي دون الحاجة إلى فرضها تكمن في الالتزام بممارستها في الداخل ورفض كل ما من شأنه أن يتعارض مع القيم المتصلة بها.
4ـ تشوب النظام الدولي الحالي ثغرات حقيقية ومؤسساته القائمة اليوم، والتي أُنشئت بعد الحرب العالمية الثانية غير قادرة على مواجهة المستجدات الدولية والتهديدات والمخاطر الجديدة الطارئة، وهو ما يتطلّب تحديثها وتطويرها لتكون أكثر فاعلية عبر إتاحة المجال للقوى الناشئة بأن تحظى فيها بصوت أكبر ومسؤوليات أكبر، بشكل يؤدي إلى تعزيز المصالح الأمريكية، وتحقيق الغاية التي تنشدها واشنطن في النهاية.
قبل العمل على الانخراط في سياسة خارجية نشطة، والحديث عن نظام دولي عادل يجب أولاً بناء الأسس اللازمة لذلك في الداخل
في إطار هذه المنطلقات حدّدت الوثيقة التوجهات الإستراتيجية العامة للإدارة الأمريكية في بناء الأسس من الداخل واعتماد سياسة الانخراط الشامل وتطوير نظام دولي عادل، وذلك على النحو التالي:
1ـ “بناء الأسس في الداخل”: يتضمن ذلك إعادة بناء القدرات الاقتصادية كأساس لقوة أمريكا الشاملة، وتحصين الأمن القومي بما يخدم هذا الهدف، وتعزيز النموذج الديمقراطي الأمريكي القائم على الحريات واحترام حقوق الإنسان، كنموذج ملهِم لكل من في الخارج على اعتبار أنّ القيادة الأخلاقية قائمة على قوة النموذج وليس على فرض النظام على الشعوب الأخرى.
2ـ اعتماد سياسة “الانخراط الشامل”: وتتضمن التعامل مع الأمم والمؤسسات والشعوب حول العالم على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، على اعتبار أنّ هذه السياسة ستشكّل الأداة الفعالة التي ستتيح لأمريكا المشاركة في صياغة الأحداث بدلا من الحياة في عزلة ذاتية تحرمها من القدرة على تحديد النتائج. يبدأ الانخراط بأقرب الأصدقاء والحلفاء من أوروبا إلى آسيا، ومن أمريكا الشمالية إلى الشرق الأوسط، ويتم من خلاله تعميق التعاون مع كل من روسيا والصين والهند. ويعتمد التواصل الناجح مع كل الأطراف على الاستخدام الفعّال والمتكامل لكل عناصر القوة الأمريكية وخاصة الديبلوماسية والتنمية لتسهيل التعاون العالمي بشأن قضايا مثل: التطرف والعنف، وانتشار الأسلحة النووية، وتغير المناخ، وعدم الاستقرار الاقتصادي العالمي، وهي قضايا تمثل تحديا مشتركا لجميع الدول، ولا يمكن لدولة واحدة مواجهتها بشكل منفرد.
3ـ تطوير نظام دولي عادل: يعزز المصالح المشتركة للدول، ويدفع باتجاه العمل الجماعي لمواجهة التحديات المشتركة أيضا، ويعترف بحقوق وواجبات كل الأمم، ويوفر الحوافز التي تشجع الدول على التصرف بمسؤولية، ويحاسب أولئك الذين لا يلتزمون بمسؤولياتهم بالعزل عبر الحرص على إيجاد بدائل فعّالة ومؤثرة للعمل العسكري تتضمن العقوبات وإجراءات أقوى تجبر هذه الأطراف على تغيير سلوكها.
وقد جاء ترتيب هذه الركائز الثلاثة انطلاقاً من قاعدة أنّ ما يحدث في داخل الولايات المتّحدة سيحدد قوّة ونفوذ واشنطن خارج حدودها وعلى مستوى العالم. وعليه فقد تمّ الانتقال في التعامل مع مستويات التهديد من المستوى الداخلي الذي يتضمن مواجهة طيف واسع من المخاطر ومن ضمنها الإرهاب والكوارث الطبيعية وهجمات الفضاء الإلكتروني والأوبئة إلى المستوى الخارجي ومحاربة القاعدة ومنع انتشار الأسلحة النووية.
وعلى مستوى الأمن الداخلي وبناء القدرة على التعافي نصت الاستراتيجية على منع وردع الهجمات داخل حدود الدولة، وحماية المنشآت الحيوية والموارد الرئيسية، وتأمين الإنترنت، وإدارة حالات الطوارئ بشكل فعّال، من خلال التحضير لمواجهة الكوارث ومن خلال القدرة على الرد وعلى التعافي من الحوادث الكبيرة، وتشجيع الجاليات على مواجهة التعصب والتطرف، وتعزيز شراكة القطاعين العام والخاص عبر العودة لممارسة الحياة العادية بسرعة، وتعلُّم الدروس من الكوارث وترجمتها إلى أعمال عند الضرورة.
وعلى مستوى الأمن الخارجي، نصت الاستراتيجية على منع الهجمات على أمريكا وفي داخلها، بتوظيف كل القدرات الأمنية الممكنة وتطبيق القانون والتنسيق بشكل أفضل مع الشركاء في الخارج لتحديد وتعقب الإرهابيين والحد من عمليات تمويلهم ومنع سفرهم، وتعزيز أمن الطيران من خلال إجراءات التفتيش والتعريف الدقيق بالمسافرين واستخدام تقنيات فحص متطورة، وحرمان الإرهابيين من أسلحة الدمار الشامل، من خلال تكثيف جهود تأمين كل المواد النووية الممكن الحصول عليها، وحمايتها بشكل كامل بحلول عام 2013، إضافة إلى جهود منع الانتشار النووي، واتخاذ إجراءات لحماية المعرفة والقدرات في العلوم الحيوية والكيميائية من الاستخدام السيئ، وكذلك منع القاعدة من تهديد الشعب الأمريكي بمواجهة نواتها الصلبة في باكستان، وعرقلة عملها أينما كان، وحرمانها من الملاذات الآمنة في دول مثل اليمن والصومال والمغرب.
وفي سياق احتواء التهديدات المحتملة، أولت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2010 اهتماماً بارزاً بملف وقف انتشار الأسلحة النووية والبيولوجية، حيث أكدت على ضرورة السعي نحو تحقيق عالم خال من الأسلحة النووية وتكريس الالتزام بمعاهدة منع الانتشار النووي، وبناء التعاون المثمر مع روسيا وعدد من الدول، من خلال التصديق على اتفاقية “ستارت” جديدة مع موسكو، وتبني معادلة استراتيجية تدفع الدول التي تمتلك السلاح النووي إلى نزعه مقابل تخلي الدول الأخرى عن السعي للحصول عليه، وضمان حق جميع الدول في الحصول على الطاقة النووية السلمية مع ضرورة الإيفاء بالتزاماتها وفق المعاهدة.
وكذلك تقديم خيار واضح لكل من كوريا الشمالية وإيران، يقوم على إتاحة المجال أمامها لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، وتحقيق اندماج أكبر مع المجتمع الدولي في حال التعاون حول برامجها النووية، أو العمل على زيادة عزلتها ودفعها في النهاية إلى الوفاء بالتزاماتها الدولية.
إلا أن التحولات التي شهدها العالم خلال السنوات التالية لإقرار استراتيجية 2010، وخاصة تفاقم تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، والانسحاب الأمريكي من العراق والثورات الشعبية التي شهدتها الدول العربية، تركت تأثيراتها على صياغة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2015 في الولاية الثانية لإدارة أوباما!!
