المستقبل الغامض للأوبئة والإرهاب والحرب

لا شكّ أنّ عصر الأوبئة قد انتهى وانتصر العلم وتمكّن من القضاء على آخر ذيول الأمراض الكارثية التي كانت تقتل الملايين من البشر حين تنتشر بسرعة رهيبة وتجتاح المدن والقارات بواسطة مسافرين يحملون أمراضًا معدية لا يعرفون أنّهم مصابون بها إلا بعد وقوع الكارثة.

لكن: ماذا لو خلق البشر الأوبئة بأنفسهم وأطلقوها لتحصد أرواح الملايين من جديد؟

إنّه المستقبل الغامض الذي يصيب الإنسان بالقلق تجاه الإيدلوجيا المتوحشة للدول الكبرى التي لا تتوانى عن قتل البشر بكلّ الطّرق المتاحة لتحقيق أهدافها.

ليست الحروب وحدها الوسيلة التي تعتمدها القوى العظمى للمحافظة على امتيازاتها في الدّول الغنية بالموارد الطّبيعية التي تتحكّم فيها أنظمة غبية وجشعة ومستعدة في سبيل الحصول على مكاسب شخصية أن تقتل شعوبها كما يحدث في سوريا أو تتركهم يموتون جوعاً كما يحدث في مصر، بل هناك انتشار الأوبئة الجديدة الغامضة التي استطاع نموذج “كورونا” منها حبس البشرية في قمقم خلال عامين كاملين.

المرض أخطر من الحروب

في إحصائية للوفيات في العالم عام 2012 تبيّن أنّه قد توفي 56 مليون شخص في العالم، منهم 620 ألفًا بسبب العنف البشري، و120 ألفًا بسبب الحروب وخمسمئة ألف بسبب الجرائم، وانتحر 800 ألف شخص، ومات مليون ونصف بسبب مرض السكري.

من هذه الإحصائية البسيطة نرى أنّ مرض السكّر في هذا العصر قد أصبح أخطر من البارود الذي تستخدمه الدول المهيمنة على العالم.

يرى مؤلف كتاب “الإنسان الإله” أنّ البشر لم يعودوا يفكّرون في الحرب لأوّل مرّة في التّاريخ، وذلك لأنّ الحرب النووية بين الدول العظمى ستؤدي إلى فعل جنوني وانتحار جماعي؛ لذا أُجبرت أقوى الأمم في الأرض على إيجاد بدائل لحل النزاعات بطرق سلمية بعيداً عن الحرب! وأيضًا تمّ تحويل الاقتصاد العالمي من اقتصاد قائم على المواد إلى اقتصاد قائم على المعرفة!

وما يجعلنا نتساءل عن صحة هذه الفرضية هو الحرب الرّوسية ضدّ أوكرانيا، والحروب الصّغيرة في مناطق الشّرق الأوسط، في سوريا حيث تحتلها عدّة دول تتصارع على المكتسبات، وتقصفها إسرائيل للمحافظة على حقوقها المزعومة في السّلام مع دول الجوار، والقصف الإسرائيلي لغزة.

لكنّ مؤلف الكتاب يذكر بشكل عابر أنّ استمرار الحروب في الشّرق الأوسط وبعض الدّول الأفريقية هو بسبب قِدم الأنظمة الاقتصادية التي ما زالت تعتمد على المادة وليس المعرفة. باختصار هي أمم جاهلة لم ترقَ بعد في تفكيرها ولم تتطوّر بحيث تستطيع إيجاد حلول سلمية للنزاعات فيما بينها!

قد يبدو هذا الكلام سليمًا لو اقتنعنا بأنّ تلك الدّول الشّرق أوسطية والأفريقية تفتعل الحرب وتديرها بأيديها. لكن الواقع “السّوري” مثلًا يقول غير ذلك؛ إذ لا يمتلك النّظام السّوري أيّ إرادة حرّة في إدارة الحرب في سوريا، بل تفرضها روسيا وإيران وتركيا وأمريكا وهي الدّول الموجودة على الأرض السّورية.

حرب الكوكا كولا

يصنّف الكاتب “يوفال نوح هراري” الحروب بحسب المصطلحات المتعارف عليها عبر التّاريخ. فالحرب التي تقودها جيوش نظامية تختلف عن حرب العصابات وعن الحرب الباردة وعن حرب “الإرهابيين” الذين تتقدمهم “القاعدة” التي أصبحت مركز قيادة للإرهاب في العالم. لكن العجيب أنّ تلك الحرب التي تغلغلت في الكثير من الدّول وأعضاؤها موزعون عبر العالم لم تقتل عام 2010 مثلًا سوى 7697 شخصًا في حين قتلت “السمنة” -وهي مرض العصر كما يسمونها- مع أمراض مشابهة وذات صلة بزيادة الوزن أكثر من 3 ملايين شخص في العالم. أيّ أنّ “الكوكا كولا” أكثر خطرًا على الإنسان الأوربي أو الأمريكي من تنظيم القاعدة الإرهابي!

ما دام الأمر على هذه الصّورة فلماذا يتصدّر تنظيم القاعدة المشهد وعناوين الأخبار في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة وصفحات التّواصل الاجتماعي مع وجود عدو منافس له أكثر فتكًا بالبشرية خاصّة في دول العالم المتقدمة “المسالمة”؟!

الوباء السّياسي

لو نظرنا جيدًا إلى الأمر لوجدناه بسيطًا جدًّا. المحرّض موجود والاستعراض الذي يقوم به الإرهابيون كمشهد سينمائي مبهر يستفزُّ الدّول الكبرى “كما حصل في تفجير برجي التّجارة العالميين”، فتقوم هي الأخرى باستعراض أمني مفرط، يعتمد على اضطهاد واسع النطاق لشعوب لا علاقة لها بالأمر سوى أنّ العالم “المسالم” اختار احتلالها وتدميرها ردًّا على “العمل الإرهابي” كما حدث عندما احتلت أمريكا العراق.

لن يكون للإرهابيين ذلك الثّقل أو التّأثير في أرض الواقع ما لم يكن ردّ الدّول المسالمة عنيفًا إلى حدِّ تدمير بلاد بأكملها. وهو ردّ أخطر من كلّ الأوبئة وأقسى مما يفعله الإرهابيون أنفسهم.

الجوع

النّتائج الكارثية التي تتمخض عنها تلك الحروب هي موت النّاس، ليس بالسّلاح فقط، بل بالجوع أيضًا. فتدمير البنى التّحتية للمدن وحرق المحاصيل الزّراعية وهجرة النّاس والتّغيير الديمغرافي، كلُّ ذلك سيؤدي إلى موت النّاس جوعًا وهلاكهم في طرق وغابات مجهولة أثناء بحثهم عن اللجوء إلى الدّول “المسالمة الآمنة”. لكنّهم يبقون مجرد أخبار صغيرة على هامش ما يحدث.

خبر على صفحة صديق في الفيس بوك (موت شاب سوري في غابات اليونان جوعًا وعطشًا وهو يحاول الوصول إلى أوربا!) سبقته خلال سنوات طويلة أخبار المئات ممن ابتلعهم البحر أو اختنقوا داخل شاحنات أشبه بصهريج غسان كنفاني. وما زال العالم “الثالث” يدق جدران الخزّان! ولا يستطيع التنبّؤ بالقادم على أيدي المسالمين.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان