الكنائس العشوائية.. من المسؤول؟!

ساويرس

المأساة الإنسانية المتمثلة في مصرع أكثر من 40 مواطنا حرقا واختناقا في إحدى الكنائس المصرية يوم الأحد الماضي، فتحت الباب لمناقشة الكنائس العشوائية التي لا يتوافر لها متطلبات السلامة التي تشترطها قوانين البناء. لم يكن الحادث ناتجا عن عمل إرهابي بل عن مشكلة فنية في كابلات الكهرباء وفقا لبيان وزارة الداخلية المصرية، وهو ما قطع الطريق على من حاولوا التشكيك في دوافع الحادث ومن بينهم رجل الأعمال الشهير نجيب ساويرس الذي غرد عقب الحادث مباشرة بأن الأقباط لن يتلقوا العزاء قبل معرفة الفاعل والأسباب الحقيقية، لكن انتفاء السبب الإرهابي ليس مدعاة للهدوء والطمأنينة، بل العكس هو الصحيح، إذ إن غياب متطلبات الأمان في العشرات بل المئات من الكنائس العشوائية -وهو ما ينطبق على المساجد العشوائية أيضا- كفيل بحصد أرواح المزيد من المصريين، وقد تعرضت كنيستان أخريان لحريقين جزئيين بعد تلك المأساة لكن من دون خسائر بشرية.

وصف تلك الكنائس بأنها عشوائية ليس ذمّا، ولكنه تقرير لواقع اعترف به رأس الكنيسة المصرية ذاته الأنبا تواضروس الذي أكد أن الكنيسة التي شهدت المأساة الأخيرة مساحتها 120 مترا أي أقل من مساحة شقة سكنية”، كما أن ما نُشر عن مواصفات تلك الكنيسة يؤكد عشوائيتها، فهي تقع في حارة ضيقة، وهي مبنى مكون من 4 طوابق، قاعة الصلاة في الطابقين العلويين، بينما يضم الطابق الثاني مولد كهرباء يعمل بالوقود، وبجواره خامات قابلة للاشتعال، وقد حوصر المصلون بين باب مغلق في الطابق الأرضي وآخر مغلق على السطوح، فكانت المأساة.

خلفيات تاريخية للكنائس العشوائية

ظاهرة الكنائس العشوائية كانت إفرازا طبيعيا للأجواء الطائفية في مصر، والمبالغة في بناء كنائس من ناحية، من غير ضرورة أحيانًا، وفي المقابل تشدد الدولة في منح تراخيص بناء رسمية، أو حتى منح تراخيص صيانة وترميم للكنائس القائمة خشية وقوع أعمال عنف طائفي. كانت تلك هي السياسة المتبعة في العهود السابقة بدءا من عهد الرئيس عبد الناصر مرورا بالسادات وحتى مبارك، فكان القانون الحاكم خلال تلك الفترات هو الخط الهمايوني (قرار السلطان العثماني عبد المجيد في فبراير 1856) الذي تضمّن جملة من الإصلاحات من بينها السماح لرعايا الدولة العثمانية المسيحيين ببناء كنائس، مع حصر منح التراخيص بيد السلطان. وفي العام 1934، وضع العزبي باشا -وكيل وزارة الداخلية المصرية- شروطا عشرة لبناء الكنائس ظلت هي النافذة حتى منتصف حكم مبارك، إذ تم تخفيف تلك الشروط في النصف الثاني مع تزايد الضغوط الحقوقية المحلية والدولية.

خلال فترة التشدد في منح التراخيص، نشأت مئات بل آلاف الكنائس العشوائية، التي كانت مجرد منازل تم تحويلها إلى أماكن سرية أو حتى علنية للعبادة، دون أن تلتزم بشروط البناء ومتطلبات السلامة الهندسية، وقد تعرّض الكثير منها لحوادث حريق وما شابه، ووقعت بعض الإصابات لكنها كانت في حدود ضيقة لم تجذب اهتماما إعلاميا واسعا كما حدث مع كنيسة “أبو سيفين” الأخيرة في محافظة الجيزة.

أين القانون الموحد؟

تمكنت قيادة الكنيسة المصرية من خلال تحالفها السياسي مع النظام الحاكم من الحصول على موافقة مفتوحة لبناء ما تشاء من كنائس جديدة “بالتليفون” وفقا للأنبا يوأنس أحد القادة الدينيين الكبار، كما تم توفيق أوضاع  الكثير من الكنائس العشوائية وغير الرسمية، ووفقا لمنظمة “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”، فقد وافقت السلطات المصرية على تقنين أوضاع 1958 كنيسة ومبنى دينيا من بين 5540 كنيسة ومبنى قُدّمت أوراقها للتوفيق منذ العام 2017 وحتى العام 2022.

كانت المطالبة بإصدار قانون موحد لدور العبادة عالية جدا قبل ثورة 25 يناير 2011، وكانت منظمات حقوقية قبطية تتولى تلك المهمة، ولكن تلك المطالب خفتت أو توقفت بشكل مريب عقب الثورة، وظهر أن قيادة الكنيسة هي التي ترفض ذلك القانون وليس السلطات الرسمية. كانت الفكرة الرئيسية أن يحدد القانون شروطا موحدة لبناء دور العبادة عموما، كأن تكون هناك دار عبادة لعدد محدد من المواطنين، ووفقا لمساحات ومواصفات هندسية محددة، مع اختلاف الأشكال بطبيعة الحال، لكن خوف البعض من هذه المعايير الموحدة تسبب في تجميد الفكرة، واستعاض نظام السيسي عن ذلك بإصدار القانون رقم 80 لسنة 2016 بشان بناء وترميم الكنائس، والمضحك أنهم يطلقون عليه قانون دور العبادة الموحد رغم أنه يختص بالكنائس فقط!

نفاق سياسي يزهق الأرواح

وجود عدد كبير من الكنائس العشوائية التي لا تتوافر لها متطلبات السلامة يهدد بحصد المزيد من الأرواح، وذنب هذه الأرواح في رقبة من شارك في صناعة هذه العشوائية، ولذا يلزم على وجه السرعة مراجعة متطلبات السلامة لكل تلك الكنائس، وإلزامها بتلك المتطلبات كشرط لتوفيق أوضاعها. ليس من الحكمة التشدد في منح تراخيص بناء أو صيانة الكنائس، فذاك حق يكفله الدستور والقانون، لكن ليس من الحكمة أيضا التساهل تجاه نفوس البشر، بل إن تلك النفوس التي أُزهِقت راحت ثمنا لنفاق سياسي مقيت.

من مفارقات القدر أن تقع مأساة كنيسة “أبو سيفين” يوم 14 أغسطس/آب 2022 وهو اليوم ذاته الذي وقعت فيه مذبحة رابعة في العام 2013، ليصبح هذا اليوم ذكرى وطنية جامعة لأحزان المصريين، مسلمين ومسيحيين، وما أكثر الأحزان التي عانوا ويعانون منها.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان