محمد يحيى.. بطل يأتي في الموعد

محمد يحيى شاب مصري يماثل ملايين المصريين ممن تراهم، يكدون ويكدحون من أجل لقمة عيش في ظروف صعبة يعاني منها الملايين خاصة من أبناء الطبقة المتوسطة.
ظروف أفرزتها القرارات والأحوال الاقتصادية على المصريين خلال عقد كامل. قد يصادفك محمد وأمثاله على مقهى يلعبون ويمرحون فلا تتخيل أن بينهم أبطالا يظهرون في أوقات حاجة الشعوب والأوطان.
محمد يحيى لم يفكر لحظة في مصيره وهو يقتحم النار بكنيسة أبو سيفين بحي إمبابة التي احترقت وخلف حريقها 41 ضحية، لم يتردد في اقتحام النار، بل لم يتوقف عزمه عندما وجد باب الكنسية مغلقا بقفل حديدي، فكسر قفل الباب الرئيسي.
انطلق وسط النار ينقذ العالقين، وعندما وصل إلى باب حضانة الأطفال وجده أيضا مغلقا بقفل حديدي، ولم يجد أمامه إلا طفاية حريق ليكسر الباب ويساعد على إنقاذ من يستطيع من الأطفال وغيرهم من كانوا هناك.
عندما وجد محمد العم جورج العجوز (65 عاما كما يقول محمد) يختنق لم يتردد في حمله على ظهره والنزول به من الدور الرابع، لكن محمد يحيي بحمله الثقيل سقط على سلم الكنيسة، وأصيب بعد مساهمته في إنقاذ ستة أطفال.
لحظة ميلاد البطولة والجدعنة
محمد يحيى ابن منطقة إمبابة التي خلفت عشرات من الأبطال والجدعان اندفعوا بكل طاقتهم للإنقاذ ولم يفكر أي منهم في شيء إلا مساعدة من يحتاج إلى المساعدة من أبناء حيهم وجيرانهم.
هكذا ظهرت بطولات أخرى تولد في لحظات لدى المصريين لا يدركها من ينظرون إلى المصري بسطحية دون معرفة جينات المصري الحضارية والشعبية.
هذا الشعب الذي يخيل إلى من يرصد في لحظة ما أنه قد راح في سبات كبير، يفاجئك بمارد كبير يجعلك تقف مذهولا ويقف العالم احتراما وإجلالا له، هو المصري البسيط بكل ما يحمله من أعباء ينوء بحملها الأشداء ولا يقدر عليها إلا الأبطال.
وفي وسط الضلمة .. تهل إنت
ولا نعرف من فين .. أو أمتى
ترفع بنيان الغلبان .. وتطاطي بنيان الوالي
وترقص قصر السلطان.
للبطولات جذور ممتدة
محمد يحيى وجدعان حي المنيرة بإمبابة من سلالة عريقة تمتد في عمق التاريخ، هؤلاء الذين قادهم أحمس لتحرير بلاد الشرق من الهكسوس، وشاركوا في هزيمة التتار والمغول مع المظفر قطز والظاهر بيبرس ليطهروا الأرض العربية ممن ينالون من طهرها، وفي جيش محمد علي وإبراهيم باشا الذي كون إمبراطورية تمتد من بلاد بونت (إثيوبيا حاليا) إلى الشام وسوريا والعراق حتى وصلوا إلى عمق أوربا.
هو حفيد لمن فجروا جرانيت أسوان وشيدوا السد الأهم هندسيا في العالم. من تصدوا للعدوان الثلاثي في بورسعيد حين صار شعب بورسعيد كله محمد يحيى، وهؤلاء الذين عاشوا ست سنوات يحاربون العدو الصهيوني في سيناء في حرب استنزاف طويلة بدأت بعد هزيمة يونيو 1967 بشهر واحد فقط، كان أجداد محمد من جنود مصر أبطالا يحكي الأعداء قبل الأحباب بطولتهم.
محمد يحيى حفيد جنود أكتوبر الذين أغلقوا أنابيب النابالم، وحطموا العجرفة والكبرياء الصهيوني الموهوم، هؤلاء الذين أبهروا العالم ببطولتهم.
أبطال الشوارع الخلفية
محمد يحيى ومن كان معه في كنيسة أبوسيفين في حي إمبابة يطفئون الحريق وينقذون المصابين ببسالة وشجاعة يظهرها المصري حين يأتي وقتها، هم شركاء شباب يناير في ثورة 25 يناير 2011، هؤلاء الذين كانوا يتقدمون صفوفنا -نحن الذين عبرنا سنوات الشباب- بشجاعة نادرة في مواجهة طوفان القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاط المنهمر على رؤوسنا.
كنا في بعض الأحيان نتخيلهم ملائكة أو شجعانا هبطوا على هذا الشعب في لحظة فريدة من لحظات الزمن، محمد يحيى هو المصري الذي تصدى بشجاعة لاقتحام الميدان في معركة الجمل، من كانوا يحملون المصابين ويهرولون إلى خيام الأطباء والإسعاف في الميدان أو في مسجد عمر مكرم.
أبطال يناير في الأحياء الشعبية هم أبطال اللحظة التي ننتظرها دائما، ولكنهم في التوقيت الحاسم والمناسب لحاجة الوطن وناسه يتلألؤون كالجواهر المدفونة التي كلما اشتدت عليها النار واحتكت بالقوة ظهرت مضيئة أكثر وبان معدنها الحقيقي والأصيل.
أحفاد النبلاء وخيال الغطرسة
هم أحفاد الجنود الذين أوصى بهم الرسول الكريم، أحفاد علي الزيبق وكل الأبطال الشعبيين أبناء حكايات الشعب، أحفاد عبد المنعم رياض، سعد الدين الشاذلي، ورجال أكتوبر والاستنزاف، هؤلاء المدافعين عن كنوز الوطن وحراس تراثه الطويل والكبير.
يتخيل من لا يعيرهم حقهم أنهم قد صاروا لا يتحركون، مهمومون التهمتهم هموم الحياة، يستريح من لا يعرف المصريين إلى سكونهم وغرقهم في المشاكل والجباية والإتاوات.
لكن في لحظة ما يخرج المارد المصري من الحارات الضيقة كتلك التي تحيط بالكنيسة المحترقة، فتسلق الحواجز ويتخطى الأسوار ويحطم كبرياء المتغطرس والمغرور الذي تخيل أن المصريين سائرون نياما، لكن عجز عقله عن تصور أنه إغفاء الأسد، وحين يصحو هذا الأسد من غفوته، فلا يلومن الغافل المتغطرس إلا نفسه.
ملاحظة..
الاقتباس الشعري من قصيدة الشاعر عبد الرحمن الأبنودي عن البطل الشعبي على الزيبق.
