هل تنجح تركيا في الجمع بين بوتين وزيلينسكي؟

الرئيس الأوكراني زيلينسكي والرئيس التركي أردوغان والأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش يجتمعون في أوكرانيا

رغم قصر عدد ساعات الزيارة التي قام بها الرئيس أردوغان لأوكرانيا برفقة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ولقائهما مع الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلنسكي، فإن النتائج التي أسفرت عنها تشير إلى وجود رغبة قوية بين جميع الأطراف في حلحلة الوضع، من خلال العودة مجددا إلى طاولة المفاوضات لبحث القضايا الخلافية بين روسيا وأوكرانيا، وإيجاد حلول منطقية لها، ووقف الدمار الذي تسببه الحرب الدائرة بينهما منذ حوالي 6 أشهر، ولم تسفر حتى اليوم عن نتائج إيجابية لصالح أيّ من الطرفين، بل أصبحت تهدد العالم بحرب نووية تقضي على الأخضر واليابس.

حديث أروغان عن إيمانه القوي بأن الحرب لن تنتهي إلا عبر الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وتحديد أفضل السبل وأكثرها إنصافا لتقريب وجهتي نظر طرفي هذه الأزمة، من الواضح أنه ليس رأيه وحده بل يشاركه فيه نظيره الروسي فلاديمير بوتين، وربما يكون التوافق بين الرئيسين على ذلك وقع خلال اجتماعهما الذي عقد مؤخرا في سوتشي، واستمر على مدى أربع ساعات كاملة.

وهو ما يعني أن أردوغان جاء إلى أوكرانيا حاملا رسالة من بوتين إلى زيلينسكي، وأنه بدأ بالفعل في القيام بدور الوساطة بين البلدين، حيث أشار في تصريحاته إلى أن هذا الأمر سيتم وفق المعايير التي وضعت في إسطنبول في مارس/ آذار الماضي، وأن الرد الذي حصل عليه سيناقشه مع نظيره الروسي.

وربما يكون أبلغ دليل على صحة هذا الطرح ما صرح به بشأن التباحث حول مسألة تبادل الأسرى بين الجانبين، ومطالبته المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته، والعمل على إحياء المسار الدبلوماسي لإنهاء هذه الحرب التي أصبحت تهدد الأمن والسلم العالميين.

الدبلوماسية التركية ودورها المتميز

نجاح تركيا في عقد مفاوضات مباشرة بين روسيا وأوكرانيا من شأنه تحقيق أهداف عدة على كافة الأصعدة الدولية والإقليمية من جهة، وفي الداخل التركي من جهة أخرى.

على الصعيد الدولي تريد تركيا الاستمرار في أداء دورها الذي تميزت به منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، لتثبت للمجتمع الدولي أنها قوة إقليمية فاعلة في قضايا المنطقة والعالم أجمع، وأنه يجب التعامل معها من هذا المنطلق، فالدولة التي تستطيع أن تقف على الحياد، وتستمر في علاقاتها الدبلوماسية والسياسية مع طرفي حرب مشتعلة، بل توظف علاقاتها الدبلوماسية تلك من أجل خدمة العالم، يجب أن تكون لها مكانة خاصة متفردة.

فقد استطاعت تركيا خلافا لدول العالم أجمع الاحتفاظ بعلاقات متميزة مع الجانبين، فقدمت مساعدات إنسانية إلى أوكرانيا بلغت 98 شاحنة محملة بكافة احتياجات الشعب الأوكراني، ولم تتردد في إعلان رفضها المطلق للعدوان الروسي على أراضيها، وقامت ببيعها طائرات مسيرة لمنحها القدرة على التصدي لهجمات سلاح الجو الروسي، مؤكدة استعدادها التام لعمل كل ما يلزم لوقف نزيف هذه الحرب، وهي تستضيف حاليا 325 ألف لاجئ أوكراني على أراضيها.

دعم أوكرانيا والتعاون مع روسيا

وفي الوقت نفسه احتفظت تركيا بعلاقات جيدة مع موسكو، ورفضت أن تكون أحد أطراف الحصار الاقتصادي الذي تم فرضه عليها من جانب الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي، بل ارتفع حجم التبادل التجاري بينهما منذ اندلاع الحرب بثمانية أضعاف عما كان عليه سابقا، واستقبلت المواطنين الروس على أراضيها سواء للسياحة أو للاستثمار.

الاحتفاظ بقنوات دبلوماسية وسياسية مع الدولتين، ساهم دون شك في نجاح الجهود الدبلوماسية التركية الرامية إلى تأمين نقل الحبوب والمواد الغذائية الأوكرانية، ومنع حدوث أزمة غذائية عالمية، إذ استطاعت الدبلوماسية التركية تحقيق انتصار كبير حينما جمعت روسيا وأوكرانيا على طاولة المفاوضات بإسطنبول في الثاني والعشرين من يوليو/ تموز الماضي، حيث تم توقيع وثيقة مبادرة الشحن الآمن للحبوب والمواد الغذائية من الموانئ الأوكرانية على البحر الأسود تحت رعاية ورقابة القوات المسلحة التركية، وهي الاتفاقية التي ضمنت تأمين صادرات الحبوب العالقة في الموانئ الأوكرانية على البحر الأسود، وقد وصل عدد تلك الصادرات حتى اليوم إلى 25 سفينة بحمولة تصل إلى 625 ألف طن من الحبوب التي تم تصديرها إلى العديد من الدول.

مكاسب سياسية واقتصادية لتركيا

جني ثمار هذا الاتفاق من جانب تركيا لن يقتصر على الصعيدين الدبلوماسي والسياسي، بل سيتخطاهما إلى تحقيق مكاسب اقتصادية مهمة في ظل توقع عدد من المؤسسات العالمية إمكانية تحول إسطنبول إلى مركز عالمي لبورصة الحبوب.

التحركات الدبلوماسية التركية في الأزمنة الروسية الأوكرانية ساهمت أيضا في رفع أسهم حزب العدالة والتنمية وفق استطلاعات الرأي العام، التي تشير إلى تفوقه على جبهة المعارضة وارتفاع أسهمه جماهيريا، الأمر الذي يصب في صالح نتائجه المتوقعة في الانتخابات المقبلة.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان