الاستراتيجية الأمريكية: عقدان من التحولات (6)

في استراتيجيتها للأمن القومي، والتي تم الإعلان عنها في فبراير 2015، أكدت الولايات المتحدة الأمريكية على عدد من الركائز الأساسية، التي حاولت من خلالها الإدارة الأميركية الرد على مرددي شعارات من قبيل “التراجع الأمريكي في العالم”، و”تدهور الدور الأمريكي في الشرق الأوسط”، و”التعددية القطبية الجديدة” و”تشكيل نظام عالمي جديد”، وغيرها من شعارات، تحتاج لمزيد من الدقة والتعاطي معها وفق اعتبارات علمية موضوعية، وليس وفق رؤى منحازة وأمنيات شخصية.
ركائز استراتيجية الأمن القومي الأمريكي2015
لقد أكدت الاستراتيجية على عدد من الركائز الأساسية التي جاء بعضها مغايراً لما تبنته إدارة الرئيس الأمركي الأسبق جورج دبليو بوش، وتمثلت هذه الركائز في:
1- أمريكا اليوم هي الأقوى في “عالم غير آمن”، هي أقوى بسبب نمو القوة الاقتصادية (ركيزة القوة الأميركية)، والتمكن من الخروج من الحروب البرية الكبرى في العراق وأفغانستان، وتجديد التحالفات في آسيا وأوروبا.
2- أمريكا هي المؤهلة لقيادة العالم لمواجهة العديد من التحديات، وأن السؤال يجب أن يكون ليس حول إمكانية المواجهة بل كيفية المواجهة، وهو ما يتطلب التأكيد على أن الوفاء بمسؤوليات الولايات المتحدة يعتمد على دفاع قوي ووطن آمن .. كما يتطلب موقفا أمنيا عالميا يتم فيه توظيف قدراتها في إطار تحالفات دولية متنوعة ودعم لشركائها المحليين، وتوفير الدعم التشغيلي لكسب الأرض ضد ما تسميه الجماعات الإرهابية.
3- القيادة من خلال الأهداف، أي لحماية أمريكا ومواطنيها، وتجنب أزمة في الاقتصاد الدولي، ومنع امتلاك أو استخدام أسلحة الدمار الشامل، التغير المناخي، منع خلل كبير في سوق الطاقة، التحسب لآثار ظهور الدول الفاشلة والضعيفة.
4- القيادة بمتانة من خلال تعزيز عناصر القوة الأميركية الداخلية، والقيادة من خلال تقديم نموذج يستحق الاقتداء، وهذا حديث دائم مرتبط بما يعرف بالقوة الناعمة، والقيادة من خلال شركاء قادرين، أي التأكيد مجدداً على أنه حان الوقت لأن يشارك الآخرون في تحمل المسؤوليات خلف واشنطن والتخلي عن حالة “الراكب المجاني”.
5- القيادة من خلال كل عناصر القوة الأميركية ( العسكرية، الدبلوماسية، العقوبات، التنمية، الاقتصاد، الاستخبارات، العلم والتكنولوجيا)، أي الاستمرار في الحد من دور القوة العسكرية في السياسة الخارجية الأميركية لصالح توليفة هجينة.
6- القيادة بمنظور بعيد الأمد، من خلال مراقبة تحولات القوة حول العالم، وإدراك أن عملية التنافس في الشرق الأوسط ستبقى قابلة للاشتعال لا سيما حيث للمتطرفين الدينيين جذور أو حيث هناك “حكام يرفضون الإصلاح الديموقراطي”.
7- إن “البيئة الاستراتيجية” الدولية اليوم تعاني من السيولة، ولذا لا بد من اعتماد مجموعة من الأولويات المتتوعة والمتوازنة بدلاً من تركيز السياسة الخارجية الأميركية على إقليم واحد أو تهديد وحيد.
8- الأولوية للعمل الجماعي والتحالفات وليس للعمل الأميركي الأحادي إلا عند الضرورة (أي حصول تهديد لمصالح أميركية جوهرية)، واستكمال إعادة التوازن في آسيا والباسيفيك لمواجهة الصين من خلال تمتين ونسج تحالفات في المنطقة لا سيما مع الهند.
9- مبدأ “الصبر الإستراتيجي”، أى الاستثمار في بناء عناصر القوة الأميركية بدلاً من القفز مباشرة إلى الصراعات حول العالم ومحاولة تحقيق نتائج سريعة.
10- تقوية وتحديث الدفاع الوطني الأميركي (ضد الهجمات الصاروخية، والسيبرانية والإرهاب)، وتعزيز أمن الأراضي الأميركية، وبناء قدرة لمنع اندلاع الصراعات، وتعزيز الالتزام الأمني مع الحلفاء وفرض تكاليف على هذه الدول.
إستراتيجية الأمن القومي 2015 وعقيدة أوباما
في أبريل 2016 نشر “جيفري جولدبرج” حواراً مطولاً مع الرئيس باراك أوباما قبل انتهاء فترة ولايته الثانية في الإدارة الأميركية، وبعد عام من نشر استراتيجية الأمن القومي الأميركي، وجاء الحوار تحت عنوان “عقيدة أوباما”، في مجلة “الأطلنطي”، قال فيه: “ذات يوم سألت أوباما كيف يظنُ المؤرخين سيفهمون سياسته الخارجية؟ شرح لي جدولا من أربعة خانات تمثل مدارس الفكر الرئيسية في السياسة الخارجية الأمريكية. إحدى الخانات أسماها الانعزالية، التي استبعدها قائلا، “العالم في حالة انكماش مستمرة. الانسحاب غير ممكن وغير منطقي”، بقية الخانات أسماها “الواقعية” “التداخلية الليبرالية” “الدولية”.
وقال أوباما: “بإمكانك أن تسميني واقعيا لإيماني بأننا لا نستطيع، في أي لحظة معينة، تخليص العالم من كل معاناته. علينا أن نختار المجال الذي نستطيع أن نترك فيه أثرا حقيقياً”.وأنه وبكل وضوح مؤمن بالدولية، لحرصه على تقوية المنظمات متعددة الأطراف والأعراف الدولية.
وأضاف: “بكل ما فينا من عيوب، يظل من الواضح أن الولايات المتحدة كانت وما تزال قوة خيرة في العالم. إن قارنتنا بمن سبقنا من القوى العظمى، ترانا نتحرك ليس بدافع المصلحة المجردة بقدر ما نتحرك لتأسيس أعراف مفيدة للجميع. إن كان ممكنا فعل الخير مقابل تكلفة محتملة، لإنقاذ الأرواح، فإننا سنفعل ذلك”.
عقيدة أوباما والتحول نحو آسيا وسياسات احتواء الصين
في حواره مع جولدبرج يقول أوباما إن مستقبل أمريكا الاقتصادي هو في آسيا، والتحدي المتمثل في صعود الصين يتطلب اهتماما دائما، ومنذ أيامه الأولى في الرئاسة حرص أوباما على ترميم علاقات الولايات المتحدة بالدول التي تجمعها بها اتفاقيات، وكان يبحث بشكل دائم عن فرص لجذب دول آسيوية أخرى إلى مدار الولايات المتحدة، وخاصة من دول جنوب شرق آسيا التي تخشى الهيمنة الصينية.
وكانت هذه هي الأجندة التي أراد أوباما تركيز النقاش عليها في قمة الأبيك في مانيلا، وكانت اهتماماته المركزية تركز على الإجابة على مجموعة من التساؤلان المحورية منها: إلامَ وصلنا في إعادة التوازن الآسيوي-الباسيفيكي؟ أين نحن من حيث الموارد؟
وقال عن أوضاع المنطقة: “إن إقليم جنوب شرق آسيا، الذي لا يزال يعاني من مشاكل كبيرة – فقر هائل وفساد – لكنه مليء بأناس طموحة ومجتهدة تكافح يوميا لبناء الشركات والحصول على تعليم وإيجاد وظائف وبناء البنى التحتية”، وأضاف: إنه يرى في آسيا، كما في أمريكا اللاتينية وأفريقيا، شبابا يتطلعون نحو تقويم الذات، والحداثة، والتعليم، والرغد المادي، إنهم لا يفكرون في كيفية قتل الأمريكيين. ما يفكرون به هو كيف أحصل على تعليم أفضل؟ كيف أنتج شيئا ذا قيمة؟”.
بعد 8 سنوات في الحكم ماذا حقق أوباما؟
بنظرة واقعية لتطورات الأوضاع في العالم خلال سنوات إدارة أوباما، وفي مقدمتها الأزمة الاقتصادية العالمية، والثورات الشعبية التي شهدتها الدوب العربية، والتي نالت من بعض حلفائها في المنطقة، نجد أن الولايات المتحدة كانت أكثر الرابحين من كل التحولات والتطورات التي شهدها العالم، وأنها قد نجحت ليس فقط في حماية وتأمين مصالحها الاستراتيجية عبر العالم، ولكنها نجحت في تعزيزها بل وتعظيمها، ولعل وضع أقرب منافسيها المحتملين بل وأهم حلفائها الاستراتيجيين، يؤكد ما حققته الإدارة الأمريكية الحالية بأقل الخسائر الممكنة مقارنة بما حققته إدارة جورج دبليو بوش “2001-2008”.
ومن هنا يمكن القول إن ما حققته إدارة أوباما من نجاحات ـ رغم التحليلات القائمة على تبنيها لمبدأ القيادة من الخلف ـ يجعل الأحاديث والمقولات حول تراجع الدور الأمريكي في العالم بصفة عامة، وفي إقليم الشرق الأوسط بصفة خاصة، تدخل في باب “المأمول” وتحت مظلة التفسيرات الرغائبية وليس “الواقع”، وهو ما يفرض على الكثيرين إعادة النظر في منطلقات التحليل ذات الصلة بتوجهات استراتيجيات الأمن القومي الأمريكية، إذا كانت هناك رغبة حقيقية وجادة في وضع رؤي استشرافية للتعاطي مع الدور الأميركي ـ الدولي والإقليمي ـ حاضراً ومستقبلاً.
