الكنز.. أصحاب الضمائر والشطار حراس الوطن

يلتقي الشاطر علي الزيبق مع صلاح الكلبي مُقدّم درك مصر في ساحة قصر الكلبي، فيدور حوار بين مُقدّم الدرك وكبير شطار مصر.
في الحوار يطرح عبد الرحيم كمال -كاتب السيناريو والحوار لفيلم (الكنز) بجزأيه- وجهة نظر السلطة والشطار ضمير الناس في الصراع، فبينما يرى صلاح الكلبي أن اللعبة بين شاطر ووالٍ، أسياد وعبيد، شطار يقومون بالحيل فيصفق العامّة لبعض بطولاتهم، يقبض عليهم الأسياد أو يقتلونهم ويصفق لهم العامّة أيضا وتموت سيرة الشطار.
علي الزيبق يرى أن الكلبي ليس فردا بل جماعات تتحكم في مصائر العباد وأهل مصر ويجب الخلاص منهم جميعا، وعندما يستطيع الشطار أن يكونوا في القصور مكان الكلبي ومن والاه، يمكن أن نقول إن “البلد رجعت لأصحابها”.
نحكي حكاية ولد .. شاطر من الشطار
ثابت ثبات الجبل .. واقف في وش طوفان
ولكل وقت بطل .. ودي سُنة الأزمان
شريف عرفة وعبد الرحيم كمال
هذا المشهد ربما يعكس فلسفة الفيلم الذي قدّمه للسينما المصرية شريف عرفة وكتب القصة السينمائية له، وكتب السيناريو والحوار له المؤلف الموهوب عبد الرحيم كمال في عامي 2017 و2019، في ثاني تجربة سينمائية له بعد فيلمه الأول (على جنب يا أسطى) الذي قدّمه عام 2006، وقدّم للدراما التلفزيونية 10 أعمال درامية.
شريف عرفة أحد صناع السينما المصرية المتميزين منذ بداية التسعينيات من القرن العشرين، ومنذ فيلمه الأول (الأقزام قادمون) نستطيع أن نقول إننا أمام مخرج صاحب بصمة، ورغم عدم نجاح الفيلم فإن نجاحه الجماهيري وإمكانياته ظهرت في فيلمه الثالث ( يا مهلبية يا).
قدّم عرفه للسينما المصرية ما يقرب من 25 عملا.
محمد سعد ومحمد رمضان
أختار شريف عرفة ثلاث حكايات أو سِيَر ذاتية لثلاث شخصيات في مراحل مختلفة من تاريخ مصر، وقدّمها متوازية في الفيلم، هي قصة الملكة الفرعونية حتشبسوت وعلاقتها مع مهندس القصر سننموت، والقصة الشعبية عن سيرة الشاطر علي الزيبق وصراع مع الوالي ومُقدّم الدرك صلاح الكلبي.
أما السيرة الثالثة فهي سيرة بشر إمام رئيس البوليس السياسي في أواخر عهد الملك فاروق. وإن كان للسيرة الأولى والثانية أصل تاريخي، فإن السيرة الثالثة إبداع خاص للمخرج صاحب القصة السينمائية وكاتب السيناريو والحوار عبد الرحيم كمال.
كان الانطباع الأول لفيلم (الكنز) مأخوذا لديَّ من بطلَي الفيلم محمد سعد صاحب التاريخ الطويل من الأفلام الهزلية، ومحمد رمضان ما يقدّمه من أفلام وما يثيره إعلاميا.
وعندما بدأت أبحث عن الفيلم، وجدت اسمَي شريف عرفة وعبد الرحيم كمال، فتشجعت على المشاهدة. لم يخذلني عرفة في فيلمه بجزأيه، فاستطاع أن يقدّم الفيلمين برؤية سينمائية رائعة، ويعيد اكتشاف محمد سعد ومحمد رمضان، ليقدّما أجمل أدوارهما السينمائية.
لم يكتفِ عرفة بذلك، بل قدّم عددا من النجوم في الفيلم: (أحمد رزق) في شخصية درامية جديدة عليه، مدير مكتب رئيس البوليس السياسي الموظف النموذج مُنفّذ الأوامر دائما، (هاني عادل) المهندس سننموت حبيب حتشبسوت، (هند صبري) الملكة الفرعونية المُحبّة والحائرة بين السلطة والقلب، و(روبي) في دور زينب حبيبة الزيبق ابنة صلاح الكلبي.
أدوار متميزة
قدّم الثلاثي (عبد العزيز مخيون ومحيي إسماعيل وجمال عبد الناصر) ثلاثة أدوار تضاف إلى تاريخ طويل لهم، فقدّم مخيون دور الكاهن أني مُعلّم حتشبسوت ورمز الضمير والحب و العدل، حارس الكنز المصري، وهو الشخصية المصرية الأصيلة، وشخصية على الله حارس الكنز.
محيي إسماعيل قدّم دور كبير الكهنة الفرعوني، فهو يمثل الإله، يعتقد أنه العرش الكرسي وليس الجالس عليه، فهو يتحكم في مَن يحكم، يتحدث باسم الآلهة، فإذا تعارض الفرعون مع مصالحه ومصالح المهنة تآمر عليه.
أما جمال عبد الناصر، فقدّم شخصية زعيم المطاريد في سيرة بشر السيد إمام، وهو الخُط في وجهة نظر الملك، العاصي كما يراه رئيس البوليس السياسي، أما هو فحفيد علي الزيبق وحارس الكنز.
بين الشرطة وبين الشعب .. في لعبة قط وفار
موضوع صعب شد وجذب .. كأن ما بينهم تار
شيلوا النار يا اخوانّا بسرعة .. من جنب البنزين
كنز المصريين
في نهاية الجزء الأول من الفيلم، يطلب الملك من رئيس البوليس السياسي أن يذهب إلى الصعيد لإلقاء القبض على الخُط (العاصي). وفي الصعيد يلتقي بشر بالعاصي، ليجد مخطوطا في مغارته الجبلية، ويسأله عنه فيقول له العاصي إنه مخطوط بمكان الكنز بخط جده الزيبق الكبير.
يصبح هذا اللقاء تحولا في شخصية بشر الذي يحاول أن يحصل على الكنز، لكن على الله يقف له ويخبره أن الكنز للمصريين ومهمته حراسته وليس أكثر. يقرر بشر أن يبحث في تاريخ مصر والمصريين ليعرف الكنز ولكنه يحافظ عليه حتى يحين وقته، يموت بشر تاركا لابنه حسن سيرة الملكة والزيبق وسيرته، ومخطوط الزيبق بمكان الكنز الذي هو مقبرة حتشبسوت والمهندس سننموت.
الكنز الحقيقي الذي يشير إليه الفيلم هو أبناء مصر أصحاب الضمائر وأبطال المقاومة، الشخصية المصرية الحارسة لتراث الأجداد منذ (أني) مُعلّم حتشبسوت حتى الآن، الشيخ (على الله) حارس آثار مصر وتراثها، (علي الزيبق) شاطر المصريين الذي يقاوم الظلم والجباية والاستبداد، وهو المصري الذي لا يفرّق بين المصريين، فهم جميعا مصريون.
يترك بشر بعد بحثه وصية لابنه حسن أن يدرس المصريات، ويرسله عمه للدراسة بالخارج، يعود حسن ليجد السير الثلاث أمامه فيغوص فيها حتى يكتشف السر في مقبرة حتشبسوت وسننموت، الروح من السماء والجسد من الأرض، الروح للخلود والجسد للفناء، هكذا حافظ المصريون على الروح والضمير وظلوا دائما في صف العدل والحب.
كانت وصية بشر الأولى لابنه هي “بالعلم والتاريخ نقدر نعدّي للمستقبل”، أما وصية أني لحتشبسوت فكانت “ما تخلّيش السلطة تغلب روحك وتقتل قلبك”، أما الشيخ على الله فكانت وصيته للزيبق “إياك والغضب فطريق المقاومة طويل، واللي يعوز كل حاجة يخسر كل حاجة”.
كل واحد عنده حلم مصدّقه .. بييجي له يوم ويحققه
وطريقي طال ولّا قصر .. لا ها امِل ولا ها انكسر
واللي يمد في الحياة .. في لحظة لازم ينتصر
الأشعار والموسيقى
استطاع شريف عرفة أن يختار بعناية شديدة “تراك” الموسيقي والغناء المصاحب للفيلم، اختار الرواي الشعبي وهو يعود إلى قصة علي الزيبق، فقدّم فرقة تقص الحكاية بالعزف على الربابة، مذكرا بالسيرة الهلالية والسير الشعبية، واستطاعت أشعار أمير طعيمة تقديم الحكاية بمجموعة أشعار متميزة.
رمت الودع وانكشف .. السر المكنون
سمع الكلام انخطف .. بقى وِشّه مليون لون
شايفة في صحرا ولد .. مع أمه إيد بإيد
لو من سهامك نفد .. موتك بإيده أكيد
وفي الجزء المعاصر، اختار صوتا معاصرا لبطلة الفيلم المغنية (نعمات) التي يعجب بها بشر، ولكنه يتخلى عنها عندما يلمح له الملك بعلاقته معها، فكان عليه الاختيار بين الحب والسلطة، فاختار السلطة وعدم إغضاب الملك.
الحالة نفسها مع حتشبسوت وسننموت، عندما وسوس لها كبير الكهنة بعدم صلاحية علاقتها به، فسحبت منه ألقابه ومنصبه وسجنته، وكانت الحالة الموسيقية تمتد بين العصرين، قدّمت الأغاني صوتا موهوبا، هي نسمة محجوب، على موسيقى أبدعها الملحن والموزع هشام نزيه.
قدّم شريف عرفة الممثل أحمد أمين في اسكتشات مثل “الشرطة والشعب” في الملهى الذي كانت تعمل به نعمات (أدت الدور أمينة خليل). ويمكن القول إن الجزء العصري بفيلم (الكنز) فيه من روح فيلمَي عرفة (يا مهلبية يا) و(سمع هس) اللذين قُدِّما في عام 1991.
