انتبهوا أيها السادة.. الحقيقة عنتر

أوقف ضابط كمين الشرطة إحدى سيارات نقل الركاب على محور من محاور مدينة القاهرة وبدأ يفتش في وجوه الركاب، استوقفه شاب ورجل تخطى منتصف الأربعينات وطلب بطاقة تحقيق الشخصية، نظر الضابط إلى بطاقة الرجل وأعاد النظر إلى ملابسه ووجهه، ثم طلب منه النزول من السيارة.
كانت علامات الدهشة في عيون ضابط الشرطة تزداد كلما نظر إلى ما يرتديه الرجل، فقد كان يرتدي “جاكت بدلة” مزركشًا مما عُرف بملابس العازفين في الفرق الموسيقية التي تعمل بالملاهي الليلية، وفي البطاقة كانت مهنة الرجل “مدرس بمدرسة ثانوية”، وسأل المدرس: من أين أنت عائد؟ أجابه المدرس والخجل يملأ وجهه، فهو يعمل في ملهى ليلي وفي الأفراح خلف مطرب من مطربيها، شرح المدرس أنه يرفض التعاطي مع الدروس الخصوصية، ولا يستطيع القيام بواجباته الاقتصادية تجاه أسرته فاضطر إلى العمل في هذه المهنة، أما الضابط فقد شعر بالأسف وذاب المدرس خجلا مخفيا وجهه، وساد صمت حزين بين ركاب السيارة، أما المدرس فقد أخفى وجهه حتى نزوله في محطته.
المشهد السابق ليس مشهدا سينمائيا كتبه مؤلف، لكنه مشهد حدث في منتصف إحدى ليالي القاهرة الأسبوع الماضي، الموقف يذكّرنا بأعمال فنية وسينمائية قُدّمت مع بدايات التحول الاقتصادي في مصر، وما قدّمته السينما تحذيرا من انهيار القيم الاجتماعية والثقافية والحضارية، وقد بدأ هذا التحذير مبكرا بعدما سادت القيم الاستهلاكية وما أُطلِق عليها قيم الانفتاح الاقتصادي في منتصف سبعينيات القرن العشرين.
حد السيف
قدّمت السينما منذ نهاية السبعينيات وحتى نهاية التسعينيات من القرن الماضي العديد من الأعمال التي تناولت تغيّر القيم والمعايير، والتحول من قيم العلم والفكر والتنوير إلى قيم استهلاكية. وكما يقول صديقي الإعلامي الكبير “كانت تلك الفترة بداية الوصول إلى المعاناة التي نحياها في مصر والأمة العربية”، قاصدا التحول السياسي الذي صاحبه الانفتاح الاقتصادي وسيادة النموذج الأمريكي والغربي في العالم.
أما الحادثة التي تمت في الكمين على المحور القاهري، فهي تذكّرنا بفيلم (حد السيف) الذي أدى فيه الفنان الكبير محمود مرسي دور وكيل الوزارة بمصلحة حكومية، يتعرض لكثير من المصاعب المعيشية، ولكنه يعيش بشرف، يرفض الرشاوى والسرقة، ويهوى العزف على آلة القانون الموسيقية، وفي ظل أزماته الاقتصادية -وبالمصادفة- يُعرَض عليه أن يعمل في فرقة خلف راقصة، ويتحول (حد السيف) كما كان يُطلَق عليه في وزارته إلى عازف خلف الراقصة، متخفيا في نظارة شمسية وملابسه، ويُكتشف أمره، ويصبح في خجل كبير أمام أسرته وأصهاره.
فيلم (حد السيف) قُدّم للسينما المصرية عام 1986، من تأليف وحيد حامد وإخراج عاطف سالم، وقد كان من بدايات الأفلام التي أشارت إلى معاناة موظفي الحكومة والعاملين بكفاءة وأمانة وشرف في دولاب الدولة المصرية، سبقه أفلام أخرى منها (الموظفون في الأرض) إنتاج 1985، من تأليف مصطفى محرم وإخراج أحمد يحيى، وفيه يتحول الموظف -قام بأداء الدور فريد شوقي- إلى متسول.
فانتازيا الحياة والسينما
كأن الأستاذ الجامعي يعيد على ذاكرتي أحداث الفيلم الذي كتبه أحمد عبد الوهاب وأخرجه محمد عبد العزيز وبطولة محمود ياسين وحسين فهمي (انتبهوا أيها السادة)، وكُتب عن الفيلم المنتج في عام 1978، فيلم (الفانتازيا)، وهو أهم الأفلام في تقديري الذي يشير إلى الخلل الكبير الذي أصاب معايير التفكير المصرية، وزحزحة قيم التفكير والعلم والعقل إلى قيم المال والاستهلاك والمظاهر الكاذبة.
تغيّب صديقي الأستاذ الجامعي الذي يقاربني في العمر، فقد انتصف عقده السادس، سألته، فالموسم الجامعي لم يبدأ بعد، أجاب أنه كان في مهام جامعية، وأن العام يبدأ مبكرا، فهناك تحضيرات واستعدادات قبله وهو منشغل فيها كثيرا، ثم بدأ يشكو من إرهاق دائم، وشرح ظروف العمل الجامعي وما يتقاضاه هذا الرجل الفاضل صاحب الرؤية والقامة الجامعية والفكرية التي طالما استفدت منها واستفاد طلابه وقراء منتجه الفكري.
الحقيقة عنتر
اختل عقل أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة بعد أن استطاع عنتر جامع القمامة أن يهزمه هزيمة ساحقة، ويقنع خطيبته وزميلته بالزواج منه، وبعد أن قهره مع شقيقته التي رفضت الزواج منه منذ سنوات، ولكنها تقول إنه لو عاد الزمن ستتزوجه، أما والده القاضي (المستشار) فقد قبل العمل مع عنتر محاميا تحت ضغط الظروف الاقتصادية.
هكذا استطاع جامع القمامة هزيمة المفكر أستاذ الحضارة والفلسفة هزيمة ساحقة ماديا، تحويشة عمره لم تكفِ لمقدَّم شقة في عمارات عنتر، ومرتب شهرين له بعثرها عنتر في سهرة بملهي ليلي، وهديته للخطيبة لا تساوي جنيهات قليلة بينما عنتر يهادي الخطيبة بهدية من الألماس.
يرفض الأستاذ الجامعي مبدأ الدروس الخصوصية وبيع علمه للطلبة، يرفض السفر خارج الوطن الذي قام برعاية تعليمه ومنجزه العلمي، وهو الحاصل على جميع شهاداته بتقدير امتياز، لكن عنتر جامع القمامة يهزمه بتدوير القمامة وأمواله، ويشتري كل من حوله بالمال.
يصاب الأستاذ الجامعي بمرض الضغط وينصح الطبيب بدواء مهدئ وعدم الإسراف فيه، وتحت الضغط يسرف في تعاطي الدواء ليقف في نهاية الفيلم في مدرج الجامعة، وبدلًا من تدريسه الحقيقة الحضارية والفلسفية يصرخ في طلبته “الحقيقة عنتر”.
الأسطى المدير
خرج إلى المعاش منذ سنوات، وبخروجه تحولت حياته إلى ما يشبه الجحيم، رغم أنه كان موظفا كبيرا بمؤسسة ضخمة يتقاضى مرتبا يجعله مستورا في وسط الطبقة المتوسطة التي انهارت بانهيار العملة المصرية (الجنيه) أمام الدولار منذ سنوات قليلة، ويتوالى انهياره حتى الآن.
خسر أكثر من نصف مرتبه في قرار اقتصادي ثم خسر ثلثاه بخروجه إلى المعاش، كان يتأمل في مكافأة نهاية الخدمة ليستر بها نفسه وعائلته التي تدهور حالها بفعل قرار تخفيض العملة المصرية، ثم بخروجه إلى المعاش، أما المكافأة المنتظرة فقد تغيبت سنوات، ومع انهيارات المؤسسة لا يدري متى سيحصل عليها.
مشهد آخر ليس سينمائيا بل مصريا خالصا، ولكن السينما المصرية تنبهت مبكرا لما يحدث من خلل نتيجة التحول إلى النمط الاستهلاكي وسيادة قانون المال (الفلوس) فقدّمت في عام 1988 فيلما آخر من الأفلام التي أنتجها التلفزيون المصري -عندما كان يُنتج- بعنوان (الأسطى المدير)، وقدّمه الفنان الكبير صلاح ذو الفقار في دور مدير عام بمصلحة حكومية، وتحت ضغط الظروف المادية وسيادة مبادئ الاستهلاك يعمل نقاشا في المباني الجديدة.
ما بين الواقع والخيال خيط رفيع، وقد استطاع العديد من مؤلفي السينما الوصول بخيالهم إلى مستقبل ناتج عن رؤية فكرية وتحليل علمي، وما كان يُطلَق عليه في نهاية القرن الماضي (فانتازيا) صار حياة واقعية، فأصبحنا نتساءل في لحظات كثيرة: هل ما نعيشه حقيقة أم سينما خيالية؟ بل وصل بنا الوضع إلى وصف الواقع بأنه كابوس، وعندما نراه نتذكر نبوءة يوسف شاهين في فيلمه (هي فوضى)، ونبوءة خالد يوسف في فيلمه (دكان شحاتة)، فيحيا فينا الأمل.
