أرسطو ودريدا بين يدي جبل أبي قبيس

كتاب "اللاهوت السياسي" لكارل شميت

من الطبيعي أن يكون لكل شخص تجربته الخاصة في ما يتعلق بالصداقة. لهذا السبب فإنه يمكن القول إن الصداقة معايشة وخبرة عملية تُكتسَب بالتجربة لا موضوع للتحدث به، ومن المثير للنقاش والجدل القول إن الحديث عن الصداقة يطورها. لكن كما تزايد الكلام والمحاورات حول فكرة الصداقة، فإن الأمر لا يتوقف عندها فقط بل يمتد ليشمل جميع القضايا المتعلقة بوجود الإنسان في هذا العالم. ولا ضرر في أن تبدأ الحياة بحب الآخرين، لكن لا شك أن مسار الحياة لا يمضي دائما بذلك الحب. فبقدر ما توجد صداقة هناك دائما عداوة. كما أن تكوين صداقات مع الجميع يعني بالفعل فقدان الصداقة لمعناها. لذلك فإنه بعد مسافة معينة في تلك العلاقة، يكون من اللازم التساؤل حول إمكانية وجود “الصديق” أو حدوث “الصداقة” بالمعنى الجذري “الراديكالي”.

إن الشخص الذي يملك كثيرا من الأصدقاء يحيط به ظاهريا كثير من الناس، لكنه ليس لديه من يستحقون صفة الصديق حقيقة، وعلى الأغلب حوله أناس مشغولون بالاستفادة من مكانته وسلطته وثروته، وما هو إلا نموذج مثالي لإنسان “ذي دوائر اتصال واسعة”. وهذا وضع شائع يمكن رؤيته غالبا في قصة حياة شخص غني أو قوي أو سياسي أو صاحب مهنة مرموقة.

أصحاب الأفق الضيق

وفي الوقت نفسه، نتيجة لغياب الأصدقاء الحقيقيين لمثل هؤلاء الأشخاص، فإنهم قد يكونون عرضة للمعاناة والشكوى أكثر من غيرهم؛ لذلك لا تنظر إلى كَمِّ الملتفين حول شخص ما، فهو في الواقع وحيد، فليست العبرة بكثرة من حول الشخص. بالطبع، هذه قصص عن تجارب صداقة خاصة جدّا، وربما بلا هدف. ومع ذلك، فإن قيمة هذه الأعداد المحيطة بالإنسان واضحة للأشخاص الذين رأوا واستوعبوا فضائلها وأدركوا أهميتها، كما أنك تعرف ما يمكنك وما لا يمكنك توقعه منهم. وتعلم تماما أنه لا معنى لظلم أناس أو قتلهم دون معرفتهم على الإطلاق أو حتى محاولة التعرف عليهم وتكوين صداقات معهم، تفعل ذلك فقط لتحقيق خيالات لا مكان لها في الواقع.

إن أصحاب الآفاق الضيقة في ما يتعلق بموضوع الصداقة، الذين يقصرون صداقاتهم على شخص واحد أو عدد من الصداقات المحدودة للغاية، ليس من الطبيعي لهؤلاء أن يتمكنوا من إقامات صداقات حقيقية خاصة أيضا. فضلا عن أن شكل الصداقة ونمطها الذي تناول أرسطو استناده فقط على المصلحة أو المتعة، لا يُنتظر منه أي فائدة حقيقية أو خير للآخر. يمكن أيضًا توسيع دائرة الصداقة ومشاركتها بدوافع سياسية مع مزيد من الأشخاص الذين قد لا نعرفهم على الإطلاق، ويمكن ببساطة إقامتها على أساس من الاحترام المتبادل مع أشخاص عن طريق الولادة أو الانتماء السياسي.

وفي هذا السياق، من يمكن أن يتوقع تحقق الخير للبشرية إذا كانت الرابطة الفطرية (رابطة الولادة) هي المبرر للصداقة؟ وهذا هو بالتحديد الدافع وراء قلق دريدا بصفته يهوديا، من “مشاكل الصداقة تحت ضغط الأخوة”، لإدراكه حقيقة أن شعبه هو الذي يفعل ذلك أكثر من غيره غالبا.

هكذا يفكر دريدا من وجهة النظر اليهودية: أي رابطة صداقة تلك التي يمكن أن تقوم بين شخصين ربما لم يعرف أحدهما الآخر، لمجرد كونهما يهوديين؟ هل من الممكن أن يكون هناك فضيلة أو قيمة لتقديس رابطة لا تشكلها سوى روابط ليس للإنسان خيار فيها كروابط الدم وغيرها من الروابط التي تتكون بالكامل دون إرادتنا؟ ويرى دريدا أنه يمكنك تطبيق ذلك على كل الأمم والأعراق والعشائر والقبائل ومختلف الروابط القائمة على أساس مرجعه الموطن. لكن إلى أي مدى يمكن أن تختلط لديك الموازين، فترى من يقومون بجرائم الاضطهاد والظلم من بني جلدتك أقاربك، وقومك، وعرقك، وأهل قبليتك وعشيرتك، وتعدهم أصدقاء ودودين؟ فإن اختزال رابطة الصداقة في إطار الأخوة، يعني اختزالها في بعض الروابط الخارجة عن إرادة الإنسان وترجيحاته.

اختيار الصديق

والخلاصة أن الإنسان لا يمكنه أن يختار أخاه، لكنه لديه الفرصة لاختيار أصدقائه، بالإضافة إلى أننا -نحن البشر- نحجز لأنفسنا مكانا بين الصالحين، ليس بما لا اختيار لنا فيه بل بما يمكننا اختياره وأداؤه بكامل إرادتنا.

إن طرح دريدا ونهجه هذا، في رؤية الصداقة في منزلة أعلى من الأخوة، هو بالتأكيد مقاربة لا تُقدَّر بثمن، فهي تجسد طرحا داخليا نقديا قويا جدا ضد الممارسات العنصرية الإسرائيلية اليوم. ومع ذلك، لا توجد بالطبع أي عقبة أمام وجود مشاعر أخوية ومسؤولية تجاه الأخوة، أي تجاه الأمة، والعِرق. على العكس من ذلك، فإن جميع المشاعر الإنسانية تجاه الأخ لها حق مشروع ومكان خاص، ولكن بشرط ألا تتسبب هذه المشاعر بشكل مباشر في تجاوز العدالة لصالح الأخ.

إن الانفتاح العظيم والوعي في منهجية الخطاب القرآني بهذا الفهم المتوازن يضع نفسه في المقدمة في كل مكان. فقد قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران: 103)

إن الصداقة والعداوة ليستا موقفين قائمين على روابط الدم بين الناس، وتلك حقيقة لا يمكن للفلاسفة السياسيين الغربيين فهمها بسهولة. فالأخوة المقصودة هنا ليست أخوة تقوم على روابط الدم، ولكنها دائرة لا تستبعد أي شخص، حيث يمكن للجميع الانضمام بسهولة بالاختيار والإرادة الحرة. وفي هذا المحيط الذي يستوعب الجميع ولا يستثني أحدا ويفتح حدود المشاركة لكل فرقاء البشرية، سيكون الجميع أصدقاء، الجميع إخوة، دون اشتراط روابط الدم أو الأرض كأخوة النسب أو القرابة أو المجاورة في السكن أو المواطنة.

لقد كان النبي محمد الأمين -صلى الله عليه وسلم- يعرف جيدا رابطة الثقة اللانهائية القائمة بينه وبين المواطنين من أبناء بلده والقبائل الموجودة في مكة المكرمة، فقد كانت لديه ثقة مطلقة في أن قومه لن يكذبوه أبدا. وبناء على تلك الثقة خاطب أهل قريش حين جمعهم عند جبل أبي قبيس: “أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم؛ أكنتم مصدقيّ؟ قالوا جميعا في وقت واحد: نعم، ما جرّبنا عليك إلا صدقا”.

لكن ما لبثت هذه الثقة أن قوبلت برد فعل عنيف عندما قال لهم إنه يحمل الرسالة التي كانت بالضبط ما كانوا ينتظرونه ويحتاجونه وسوف ينقذهم ويحييهم. وإلى هذه الدرجة كان مدى قرب الخط الفاصل بين الإيمان والكفر، بين القبول والرفض. ورغم ما أظهروه من ثقة غير متناهية وصداقة لا حدود لها تجاه محمد ذلك الشخص الذي يثقون به كثيرا ويؤمنون به إنسانا عاش بين ظهرانيهم، فما الذي دفعهم إلى طرح هذه الثقة جانبا فجأة ورفضوا منه بعض الأخبار، مع أنهم كانوا على استعداد لقبول أخبار أكثر صعوبة وغرابة؟!

الأمر ليس هكذا

وهم في حالهم تلك لم يرفضوا وينكروا فحسب، بل مارسوا طوال 13 عاما، ثم في المدينة المنورة بعد ذلك، أكبر رد فعل واضطهاد وقسوة تجاهه وأصحابه الذين آمنوا به. الأمر الذي أوقع بينهم حربا قُتِل فيها كثير من أقربائهم. لكن في نهاية المطاف، آمن به الجميع، بمن فيهم أولئك الذين كانوا ألد أعدائه، وأصبحوا أصدقاء بعد أن كانوا أعداء، ثم ما لبثت دائرة هذه الدعوة أن اتسعت لتشمل البشرية كلها.

يقدّم كارل شميت نظريته في السياسة بأنها هي قبل كل شيء القدرة على استكشاف العدو، وهي ترتكز في نظره على التفريق الصارم بين الصديق والعدو، وهذا يعني أنه لا يمكن فهم السياسة إلا على أساس الكفاح والصراع بين القوميات المختلفة. لذلك بعد كارل شميت أصبح من المعتاد وصف جميع التحركات السياسية بكونها علاقة “صداقة – عداوة” قائمة بصورة طبيعية، ولا يمكن التخلص منها. فالعدو واضح للجميع، والشعور الحتمي الطبيعي تجاه ذلك العدو هو القضاء عليه.

لكن الأمر ليس هكذا لدى المسلمين، فإن عدو المسلم ليس أشخاصا معينين لا يتغيرون أبدا، بل العداوة قائمة في مواجهة أفعالهم وجهلهم فقط. فمن الضروري القضاء على الجهل تماشيا مع التعبير الإسلامي عن حكمة سقراط القديمة “لو علموا لما فعلوا ذلك”. فليس الإنسان في ذاته هو العدو، إنه الجهل موقفا وحماقة وتصرّفا.

فلا تَصحبْ أخا الجهلِ وإيّاكَ وإيّاهُ   ***   فكمْ مِن جاهلٍ أردى حليمًا حينَ آخاهُ

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان