الإسلاميون ومعضلات السيادة الوطنية

الريسوني

فجّر موقف رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين “المستقيل” العلّامة المغربي الدكتور أحمد الريسوني -الداعم لحق بلاده في سيادتها على الصحراء الغربية- إشكالية تعامل القوى والأحزاب الإسلامية مع القضايا الوطنية التي تتقاطع أحيانا مع المبادئ الإسلامية العالمية، فالحركات الإسلامية بَنَتْ جزءا كبيرا من سمعتها وتميزها على خروجها عن الحدود الوطنية الضيقة إلى رحاب عالم إسلامي أوسع يستوعب كل الدول الوطنية الإسلامية داخله بما فيها من قضايا ومشكلات.

والإسلاميون بذلك توسعوا خطوة عن الحركات والأحزاب العروبية التي تجاوزت الحدود القطرية إلى أفق عربي أوسع يضم كل الدول العربية داخله، ورغم فشل تجارب الوحدة العربية -ومن قبلها انهيار دولة الخلافة الإسلامية الجامعة- فإن الأفكار المُؤسسة للوحدة العربية أو الإسلامية التي تتسامى على المشاكل القطرية ظلت من ثوابت الحركات العروبية والإسلامية.

ضريبة العمل السياسي

حين كان تركيز الحركات الإسلامية على الأمور الدعوية والتربوية فإنها لم تواجه المشاكل والنزاعات القطرية التي تضعها في تصادم مع بعضها البعض، لكنها وقعت في هذا التصادم حين خاضت المعترك السياسي، وأصبح مطلوبا منها تحديد مواقفها من قضايا شائكة ظلت بعيدة عنها فترات طويلة لانشغالها بقضايا أخرى، أو لأن أحدا لم يطلب رأيها فيها، أو لأنها تجاهلت التعامل معها انطلاقا من رؤية دينية تستصغر هذه القضايا أمام غيرها من قضايا الأمة الجامعة.

قضية الصحراء الغربية -أو المغربية- هي نموذج واضح لهذه المعضلات التي تواجه القوى الإسلامية، فالإسلاميون في المغرب يدعمون موقف دولتهم في سيادتها التامة على تلك الصحراء ورفض أي مساومة في ذلك، وعلى الجانب الآخر يقف الإسلاميون في الجزائر مع الموقف الرسمي لبلدهم الذي يطالب بتحقيق الاستقلال للصحراء، والاعتراف بالجمهورية العربية الصحراوية، وقد نجت جهود الجزائر -وهي الداعم الرئيسي لجبهة البوليساريو- في تمكين الجبهة من الحصول على اعتراف من الاتحاد الأفريقي، وهو ما دفع المغرب إلى مقاطعة الاتحاد.

بين إسلاميي الجزائر والمغرب

ما يعنينا في هذا المقال هو الموقف المتناقض للإسلاميين في الجزائر والمغرب (حركة مجتمع السلم، والبناء الوطني، والنهضة الجزائرية)، و(حركة التوحيد والإصلاح، وحزب العدالة والتنمية المغربي) وفقا لمواقف حكوماتهم أو دولهم، الذي وصل إلى حد التلاسن بينهما رغم انتمائهما إلى مدرسة إسلامية واحدة.

لم نرَ مواقف متمايزة للقوى الإسلامية في كلتا الدولتين عن المواقف الرسمية لبلديهما، ولا لغالبية مواقف القوى السياسية الأخرى فيهما، وقد يكون ذلك لغياب الخيال السياسي القادر على إنتاج مبادرات متمايزة عن السياسات الراهنة تضع تصورات مقبولة لتسوية الأزمة، وقد يكون بسبب الخوف من ردود الأفعال الرسمية او الشعبية، أو قد يكون وفقا للظاهر أنها قناعات سياسية أصيلة لدى تلك القوى الإسلامية.

لقد ضحى الدكتور أحمد الريسوني بموقعه رئيسا لأكبر اتحاد عالمي لعلماء المسلمين، متمسكا بموقفه تجاه قضية وطنية هي قضية الصحراء، في حين كان الكثيرون ينتظرون منه أن يقدم أفكارا مختلفة لتسوية تلك الأزمة بحكم موقعه في رئاسة الاتحاد، وفي الحد الأدنى يحتفظ بمواقفه لنفسه ولا يعلنها طيلة ترؤسه للاتحاد، لكنه فضل الاستقالة على كتمان موقفه.

من قبل -وخلال الاحتلال العراقي للكويت الذي تبعه التدخل الأمريكي الأطلسي لتحرير الكويت ومن ثم غزو العراق- واجهت الأحزاب الإسلامية التي للمفارقة تنتمي إلى مدرسة واحدة (الإخوان المسلمون) المعضلة ذاتها، حيث انحاز بعضها بقوة إلى العراق مثل إخوان الأردن واليمن وسوريا، بينما وقف إخوان الكويت في طليعة المواجهين لقوات صدام، ومعهم بقية الإخوان الخليجيين الآخرين، وجمّد إخوان الكويت عضويتهم في الإخوان لوقت طويل، رغم أن الجماعة الأم في ذلك الوقت -ومعها بعض الأطراف الأخرى- سعت لأداء دور الوساطة الحميدة.

أزمة حلايب وتجربة رائدة

لعل التجربة الأكثر تطورا في هذا المضمار هي الأزمة حول حلايب بين مصر والسودان، حيث قدّم حزب العمل ذو المرجعية الإسلامية تحت قيادة زعيمه إبراهيم شكري، ومفكره وأمينه العام عادل حسين، حلا بديلا للصراع المسلح الذي وقع بالفعل بين الجيشين المصري والسوداني منتصف التسعينيات، وتمثل ذلك الحل في اعتبار مثلث حلايب منطقة تكامل اقتصادي بين الدولتين، لتعود فائدتها عليهما وليس على طرف واحد. لقد فرضت مصر سيطرتها على غالبية المنطقة من خلال العمل العسكري، لكن جزءا بسيطا لا يزال تحت السيطرة السودانية، ولا يزال السودان يعتبر حلايب دائرة انتخابية لها ممثل في البرلمان، وقد تحمّل حزب العمل وجريدته (الشعب) الكثير من الانتقادات والاتهامات بسبب ذلك الموقف، وقد شاركتُ شخصيا في نقل صورة الأوضاع في حلايب خلال تلك الفترة الحرجة من خلال سلسلة من التحقيقات الميدانية التي كادت تكلفني حياتي، وكانت الخلاصة التي عبّرت عنها في عنوان أحد التحقيقات (حلايب في الهم مدعية وفي الفرح منسية” ذلك أن الدولتين لا تبديان اهتماما بالمثلث إلا عند حدوث أزمات سياسية بينهما، وقد وقعت الأزمة بعد المحاولة الفاشلة لاغتيال حسني مبارك في أديس أبابا، ووجهت مصر اتهامات إلى السودان بالضلوع في المؤامرة، وكان الرد بإرسال الجيش إلى حلايب، وحين تحسنت العلاقات لاحقا بين نظامي مبارك والبشير عاد المثلث إلى دائرة النسيان مجددا، وسكت كل طرف عن ادعاءات الطرف الآخر بأحقيته في السيادة.

بالتأكيد لم يكن هذا الموقف جامعا لكل القوى الإسلامية في البلدين، ولكنه موقف متميز لأحد الأحزاب الإسلامية، نجح في تقديم بديل تجاوز به التصورات الوطنية التقليدية، وهذا النموذج هو المطلوب من القوى الإسلامية في مناطق النزاعات الأخرى، فدورهم هو حقن الدماء لا تسعير الحروب، ودورهم هو توجيه الشعوب لا الانقياد للغوغاء.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان