فتاوى إرضاع الأم لوليدها وخدمة الزوج.. لماذا؟

في ظل التزايد المتسارع لمعدلات “الطلاق” بين الأزواج المصريين، والأرقام المُفزعة لحالات “العنوسة” بين الفتيات، نتيجةً لعزوف الشباب عن الزواج، لأسباب عديدة.. توالت خلال الأيام القليلة الماضية، إطلالات لمشاهير مؤثرين، بتصريحات عاصفة، تفتح باب الجحيم على الأسر المصرية، وتثير الفتن داخلها، بما يفضي إلى المزيد من حالات الانفصال والطلاق بين الأزواج، وتشريد الأبناء.
ضربة البداية كانت للاستشاري في العلاقات الأسُرية الدكتورة هبة قطب، إذ أفتت بعدم وجود سند شرعي أو قانوني لقيام المرأة بالطهي لزوجها، تلاها عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان نهاد أبو القمصان، التي زعمت أن الشرع لا يُجبر المرأة على إرضاع أولادها، فإن فعلت، فهي تستحق أجرًا، ثم تأتي أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر الدكتورة سعاد صالح، بفتواها، بأن واجب الزوجة هو التفرغ لتربية الأبناء و”طلبات الزوج”، وليس الأعمال المنزلية.
سُكان العلمين الجديدة والمنتجعات والخدم
بداية، فإن مقالي هذا، يناقش القضية من زاوية الواقع المُعاش، فهذه التصريحات أو الفتاوى أثارت جدلًا واسعًا في الشارع المصري، كاشفة عن انفصال هؤلاء النسوة، وانعزالهن عن حياة السواد الأعظم من المصريين (أزواجًا وزوجات)، ومعاناتهم اليومية وكفاحهم المرير لتدبير لقمة العيش والملبس ومصروفات المدارس ودور الحضانة والدروس الخصوصية للأبناء. هل يملك 90% من المصريين أو أكثر، التكاليف المالية للخدم والرضاعة، وهم يعانون شظف العيش وغلاء أسعار المواد الغذائية، في هذه الظروف الاقتصادية الطاحنة؟ إذن فأي فئة أو طبقة بمقدورها تحمل هذه الأجور؟ هل يخاطب هؤلاء النسوة طبقة الأثرياء سُكان المنتجعات والعلمين الجديدة وما شابه، وهم لا يزيدون عن 5% أو 10% على الأكثر من المصريين؟ إن كان الأمر كذلك، فليكن، إلا أن هذه “الطبقة” ليست في حاجة إلى هذه الفتاوى، كونها تعيش في رغد العيش، وبطبائع الأمور فهي تستعين بالخدم من التخصصات كافة، وليس الطهي والأعمال المنزلية فقط.
تطليق الزوجات وردهن عرفيًّا
معلوم بالضرورة، أن 30% تقريبًا من المصريين يعيشون تحت خط الفقر، وفقًا لإحصاءات حكومية رسمية، سابقة للتعويم الأول للدولار (نوفمبر عام 2016)، وقبل أزمات كورونا والحرب الروسية–الأوكرانية، وثلاثتهم (الدولار وكورونا والحرب) دفع بالملايين من أهل مصر إلى ملامسة حد الفقر وهبوط المعيشة لهم إلى مستويات دنيا، والحبل على الجرار كما يقولون. هل يعلم الثلاثي صاحبات هذه الفتاوى، أن بعض الأزواج، ضاقت بهم سُبل الرزق، إلى حد تطليق زوجاتهم وردهن “عرفيًّا” لتمكين الزوجة من صرف معاش المرحوم والدها أو زوجها السابق المتوفى، وما شابه؟ هل يعرفن أن كثيرًا من الشباب المقبل على الزواج “إذا” توافرت له الإمكانيات يهتم بأن يكون لعروسه دخل شهري، حتى يتعاونا على مصاعب الحياة؟
الطلاق والزواج والعنوسة والأسباب
أما طرقت أسماعهن (قطب وأبو القمصان وسعاد صالح)، إحصائية جهاز التعبئة والإحصاء الحكومي، عن “العنوسة”، ومفادها، أن نسبة الذين لم يتزوجوا أبدًا، ممن بلغت أعمارهم 35 سنة وأكثر، عام 2017، وصلت إلى 39% للذكور، و32% تقريبًا للإناث في هذا السن المرتفع نسبيًا، وأن الأسباب، وفقًا للجهاز نفسه، من بينها غلاء المعيشة، وصعوبة تدبير سكن، والبطالة، وضعف أجور الشباب، والمهور وغيرها. أما قرأ هذا الثلاثي عن وقوع 255 ألف حالة طلاق عام 2021 مقابل 880 ألف عقد زواج في العام نفسه، أي أن نسبة حالات الطلاق إلى الزواج، بلغت نحو 29% تقريبًا، حسبما أعلن جهاز التعبئة والإحصاء (حكومي)، مؤخرًا، وهي أرقام مُخيفة بالتأكيد، وفي ازدياد من عام إلى آخر، والأسباب معروفة على رأسها عجز الزوج عن الوفاء بمتطلبات الأسرة نتيجة انخفاض الدخل والغلاء والبطالة.
إمتاع الزوج وخراب البيوت
عودة لفتاوى النسوة الثلاث، ومُلَخصها، أن الزوجة هي لـ “إمتاع الزوج”، وأن الأخير عليه توفير الخدم للقيام بالأعمال المنزلية، وسداد مقابل إرضاع زوجته الأم لوليدها أو ولدانها، أو استئجار مُرضعة، وبمفهوم المخالفة، فإن لم يستطع الزوج توفير الخدم وأجرة الرضاعة، يحق للزوجة طلب الطلاق. إن المصريين يرون الطلاق بين الأزواج، خرابًا للبيوت العامرة، والمصري بطبعه، يكره التحريض على “الطلاق”، مثلما يبغض أن يكون سببًا ولو غير مباشر، في وقوعه بين زوج وزوجة، بل ولا يمانع في بذل أي مجهود، لإنقاذ “بيت زوجية” من الخراب، ومنع انهياره بالطلاق، لأن الطلاق إثم عظيم. إذا كان واقع المجتمع المصري وحاله هكذا، كُرهًا وبُغضًّا للطلاق حتى عند الضرورة، وغيابًا لرفاهية توافر الخدم، وأجر الرضاعة، فلمَ يستفز هؤلاء النسوة المصريين بهذه الفتاوى التي هي أصلًا موضع خلاف فقهي؟ ماذا هم فاعلون في الأزمات التي يئن منها الناس، ويكادون يصرخون.. هل لديهم حلول لها؟
تحريض للزوجات على التمرد
ألا يعلمون أن الشرع يأخذ في اعتباره العرف والعادات، كون الدين يسر لا عسر؟ ألا يدركون ويشعرون بحال الغالبية في صعوبة تدبير الاحتياجات الضرورية اللازمة لاستمرار الحياة؟ طبعا لا يشعرون، فهم ينتمون إلى فئة عزلت نفسها عن الناس في أبراج عاجية، وتجاهلت معاناتهم. إذن ليس بمقدور عموم الأزواج -إلا قليلًا- توفير الخدم وسداد أجر الرضاعة للزوجة، فهل هؤلاء النسوة بفتاواهم هذه، مع انتشار وشيوع التضليل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يحرضن على “خراب البيوت”، ويدفعن الزوجات للتمرد على حياتهن، وإثارة الفتن داخل الأسرة، والطلاق وتشريد الأبناء في نهاية المطاف؟ هل هذا الوقت بصعوباته ملائم لمثل هذه الفتاوى؟ أم الهدف والقصد هو “خراب البيوت”؟
نسأل الله السلامة لمصر المحروسة.
