السودان بين حديث المفاوضات وأزيز الرصاص

عبد الفتاح البرهان

 

قبل أيام، أكد مصدر من قوات الدعم السريع في السودان استعداد قيادة هذه القوات للجلوس على مائدة التفاوض، لحل أزمة البلاد التي تكاد النزاعات المسلحة فيها تنهي شهرها الخامس.

هذا التصريح ليس مُنتزعًا من سياق تصريحات أخرى، كان أدلى بها في مناسبات قريبة ومتكررة، كلٌّ من رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”.

الجنرالان كشفا لعديد من وسائل الإعلام عن قبولهما تدشين حوار سياسي، بما يوقف الحرب التي لا يهدأ لها أوار، ويُحجم تداعياتها الإنسانية والاقتصادية الفادحة، لكن هل تكفي التصريحات المبشرة؟ وما مدى مصداقيتها؟ وماذا عن إمكانية تنفيذها على أرض الواقع؟ أو قل إذا شئت “في ساحة القتال”.

تحليلات متفائلة

التحليلات عقب ذلك، ذهبت إلى أن الجنرالين يرسلان إشارات بأنهما استوعبا أخيرًا، أن الحل العسكري لن يفضي إلى شيء، اللهم إلا المزيد من استنزاف قدراتهما العسكرية، والمزيد من الخسائر الاقتصادية، ومنها مثلًا فقدان الجنيه السوداني 40% من قيمته أمام الدولار، ناهيك عن أزمات نقص الغذاء والدواء، وكذلك المزيد من الضحايا الأبرياء، الذين تُقدّر إحصائيات غير رسمية أعدادهم بما لا يقل عن 4 آلاف قتيل، بالإضافة إلى تشريد أكثر من مليوني مواطن، ونزوح 4 ملايين لاجئ إلى دول الجوار وغير الجوار.

في هذه الأجواء، سارع متفائلون إلى توقعات رومانسية، لم تستند إلا إلى منطوق تصريحات البرهان و”حميدتي”، فقالوا إن الحرب في السودان شرعت تحط أوزارها، بعد أن أنهكت طرفيها.

غير أن الأقرب إلى العقلانية، أن التصريحات لا تغادر حناجر العدوين اللدودين، وكلاهما أراد بها غسل سمعته دوليًّا، خاصةً بعد خطابهما في الأمم المتحدة، وهما خطابان يكشفان أولًا عن وجود رأسين، في فسيفساء المشهد الملتبس، وبحوزة كل منهما من القوة ما يتيح له، الادعاء أمام العالم أنه يُمثل الشعب السوداني، ويبدو أن هذا الواقع يرغم المجتمع الدولي “المتهافت والمتأرجح” على الاستماع لهما، وكذلك على عدم حسم قراره إزاء أي منهما.

وبعيدًا عن “مفارقة الخطابين الدوليين” لسلطتين في بلد واحد، اللافت للانتباه أن البرهان حين أعلن استعداده البدء في حوار سياسي، وضع شروطًا بانسحاب قوات الدعم من المواقع التي تسيطرعليها، في حين شدَّد “حميدتي” على أن حوارًا يبدأ بشروط لا جدوى منه، ولا يمكنه أن يمد إليه يدًا، كما طعن في شرعية خصمه، وشكك في تمثيله للسودان، ومن ثم لم يجلس الطرفان معًا، حتى كتابة هذه السطور، وكل المؤشرات ترجح أن جلوسهما لن يحدث في المستقبل القريب، وإن حدث فلن يفضي إلى انفراج الأزمة، خاصة مع وجود أطراف أقليمية، تصب الزيت على النار.

بديهيات

من المعروف بداهةً، أن الاستعداد للحوار يحتل مرتبة أقل من الانخراط فيه، والحوار في حد ذاته، لن يكون أكثر حيثية، أو أكثر إلزامًا للطرفين من اتفاق مبرَم، على غرار اتفاق جدة الذي وقّعا عليه في مايو/أيار الماضي، وقبل أن يجف حبره، كانت الاشتباكات المسلحة قد استعرت مجددًا، ودائرة المواجهة امتدت من مدينة إلى أخرى، وكان المدنيون يتساقطون رغم تعهدهما بحمايتهم.

بعد ذلك كانت محطة القاهرة التي استضافت، في 13 يوليو/تموز، أعمال قمة دول جوار السودان، بمشاركة رؤساء وممثلين رسميين، عن كل من مصر وإثيوبيا وجنوب إفريقيا وإريتريا وتشاد وليبيا، فضلًا عن وفد سوداني رسمي، بقيادة نائب رئيس مجلس السيادة، لبحث إيجاد حل لوقف الصراع، لكن المباحثات لم تفضِ إلى شيء إلا تصريحات حُسن نيات، فإذا بتلك التصريحات بعدما انفض القوم، مجرد كلام ليل طلعت عليه شمس النهار فذاب، كما يقول المثل الشعبي المصري، مع قليل من التصرف.

ومن العقد الدرامية في هذه التراجيديا (المأساة) أن الجنرالين المتحاربين كانا صديقين أو على الأقل حليفين، وهو الأمر الذي يزيد الخصومة اشتعالًا، ويجعل من فرص التهدئة شاحبة هزيلة، ذلك أن الخلاف بين صديقين، يتخذ في الطبيعي مظهرًا عدائيًّا، فيه من التطرف أكثر مما فيه من العقلانية، وفيه من الحقد أكثر مما فيه من التسامح، فما بالك إذا كانا جنرالين ولكل منهما مخازن سلاح تحت يديه؟

على هذا الأساس، فإن التصريحات الإيجابية لا تعدو كونها محاولة للتجمُّل أمام المجتمع الدولي والمحيط الإقليمي، وأن إظهار رغبتهما في التفاوض، وعدم معارضتهما الحلول السياسية، لا تعكس حقيقة ما يحدث على الأرض، ولا حقيقة ما يضمران في قلبيهما.

عبارات البرهان حين أعلن استعداده للحوار كاشفة: “إذا كانت قيادة القوات “المتمردة” ترغب في العودة إلى رشدها، وسحب عناصر المليشيات من المناطق السكنية، والعودة إلى ثكناتها فسوف نجلس معهم”، بينما تؤكد مقولة “حميدتي” أن التوصل إلى اتفاق سلام مرهون بتغيير قيادة الجيش، أن الجنرالين يصران على وضع العصا في عجلة المفاوضات قبل أن تتحرك.

هذه تصريحات تنطلق من نبرة فوقية، وكلاهما يتحدث كما لو كانت جميع مقاليد القوة بين يديه، في حين أن الواقع العسكري يؤكد أن الصراع المسلح لا غالب فيه ولا مغلوب، حتى الآن، وعليه فإن إبداء بعض المرونة قد يكون ضروريًّا للغاية، من خصمين لم يستطع أي منهما، الإجهاز على الآخر بالضربة القاضية.

صفوة القول، أنه إذا كان الجنرالان جادَّين حقًّا، فيما يدّعيان من رغبة في حقن الدماء، فعليهما أن يتفاوضا وفق قاعدة “ما لا يُدرك كلّه لا يُترك جُلّه”، وعليهما أن يفهما أنهما مضطران إلى التفاوض المباشر، بغض النظر عن المرارات الشخصية، وبغض النظر عن الأحقاد التي تغلي في الصدور.

ولعله من الكلام الرومانسي، أن النداءات الموجَّهة إليهما بالتسامي عن مصالحهما الفردية، لحماية بلدهما، والإبقاء عليه كيانًا موحَّدًا، في ظل المخاطر الوجودية الداهمة التي تحيق به، لا مقام لها، ولا قيمة لها عندهما، فلتكن المفاوضات إذَن، لا على أسس أخلاقية، وإنما على قواعد البراغماتية السياسية.

شروط البرهان لبدء الحوار، تعني “قص ريش” قوات الدعم، وهو ما يستحيل أن يرتضيه “حميدتي”، فعلى أي شيء سيفاوض إذا جلس إلى الطاولة المستديرة بغير أوراق رابحة بين يديه؟ في المقابل، يتشبث “حميدتي” بأن البرهان لا يُمثل الشعب السوداني، ولا يعبّر عنه، لكونه مغتصبًا للسلطة، فهل من الممكن تدشين مفاوضات مع مغتصب؟

وكما حدث بعد اتفاق جدة، من تجدد الاشتباكات فور إبرامه، فإن تصريحات النيات الحسنة، لم توقف إطلاق النيران، ولو على سبيل إبداء المرونة، وتلافي أزمة الثقة، وبينما يلوم هذا ذاك، ويهجو ذاك هذا، تتهم منظمات حقوقية دولية كليهما، بالتورط في جرائم قتل جماعي واغتصاب وتعذيب، ويكابد الشعب السوداني الشقيق الأمرَّين، جراء حرب يشعلها الجنون والرغبات الثأرية والأحقاد المتراكمة وشهوة السلطة.

ليس تشاؤمًا، لكنه الرأي الأقرب إلى المنطق، في ظل المعطيات الراهنة، إن الحل السياسي لا يبدو ممكنًا، في المستقبل القريب، فالجنرالان لديهما أزمة ثقة إزاء بعضهما، والأرجح أن أزيز الرصاص سيستمر، حتى يتيقنا من أن حربهما لن تحصد شيئًا، وعندئذ سيجلسان للتفاوض، ويبقى الأمل معقودًا على أن يصلا إلى هذا اليقين بأسرع ما يكون، بما يحفظ السودان الشقيق شعبًا ووطنًا غير مفتت أكثر مما تفتت، في العقود الثلاثة الماضية.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان