مسلمو الأندلس في دلتا مصر.. أين هم الآن؟

أحد بيوت المورسكيين ما زال على حاله يحمل طابع العمارة الإسلامية

 

في السفر والترحال، وأنت تُقلّب في صفحات الكتب والمواقع للتعرف إلى أماكن ومجتمعات قد تهتم بزيارتها، تصاب بكثير من الدهشة، وأنت تقرأ عن أصول هاجرت، واختلطت بقوميات جديدة، بل وأسست لها مجتمعات ما زالت تحمل اسمها حتى الآن.

مثلًا في مصر، كان مسلمو الأندلس أو “المورسكيون” -الذين هربوا بعد سقوط الأندلس إلى أصقاع العالم المختلفة ومنها مصر- أصحاب جاه وثروة، وفي كتاب “العائلة والثروة.. البيوت التجارية المغربية في مصر العثمانية ” الذي صدر عام 2008 عن الهيئة المصرية للكتاب، يكشف فيه المؤلف الدكتور حسام محمد عبد المعطي كيف وصل المورسكيون إلى مصر، وتتبَّع ظروف معيشتهم وعملهم، وتحدَّث عن المدن التي استوطنوها أو التي أسسوها في شمال الدلتا مثل محافظة كفر الشيخ الآن.

كفر الشيخ أول موطن للمورسكيين في مصر

أما لماذا كفر الشيخ بالذات؟ فلأنها -وفق الكتاب- كانت منطقة منخفضة الكثافة السكانية أو معدومة، لهذا استراح لها المورسكيون، وأنشأوا فيها عددًا كبيرًا من القرى ذات الأسماء الأندلسية مثل: الحمراوي، إسحاقة، أريمون، محلة موسى، سيدي غازي، كفر الشيخ، سد خميس، الناصرية، محلة دياي، بيلا وقطور.

المورسكيون، هذا هو الاسم الذي أطلقه ملوك إسبانيا على المسلمين الذين فضلوا البقاء هناك بعد سقوط الأندلس، ويعني أصحاب البشرة الداكنة، وهو اسم عنصري كان بداية لسلسلة من القهر والتعذيب تعرَّض لها المسلمون لحثهم على الاندماج في المجتمع الجديد، لا سيما التنصير وترك الإسلام، فقد صدر المرسوم الملكي بتعميد المسلمين قسرًا، في 14 فبراير/شباط عام 1502، وعندها بدأ المسلمون يتحايلون على ذلك بالتظاهر بأنهم يعتنقون المسيحية، واستمروا في ممارسة عقيدتهم الإسلامية في الخفاء، لم يعجب ذلك ملك إسبانيا فأصدر في عام 1606 قرارًا بإبعاد المورسكيين عن أراضي المملكة الإسبانية، وهو ما عُدَّ أكبر حملة تطهير عرقي شهدها العالم.

عائلات الأندلسيين في مصر

أحفاد هؤلاء الأندلسيين حافظوا على دينهم، وهم ينتشرون اليوم في كل البقاع المصرية، ووفق ما جاء في الكتاب، منهم عائلات مثل: “ابن نقيطة” التي هاجرت إلى مصر في القرن السادس عشر قادمة من مدينة طليطلة الإسبانية، و”حميد” التي وصلت بداية القرن السابع عشر، وهي من قرطبة مثلها مثل عائلة الحوني، و”ديلون” التي وصلت عام 1620، و”جبريل” التي رحلت من قرطبة إلى مصر بداية القرن السابع عشر، و”جروش” التي جاءت إليها في القرن السادس عشر، إضافة إلى عائلات العادِلي والصباحي والطودي.

وفي الإسكندرية عاشوا أيضًا، واندمجوا في مجتمعهم الإسلامي الجديد، وأطلقوا على أحيائها أسماءً مستوحاة من الأندلس، على غرار حي “الشاطبي” نسبة إلى شاطبة، و”المنشية” نسبة إلى لا مانشا، وغيرها.

مصر بوتقة انصهار للمهاجرين

في مصر، انصهر المورسكيون في بوتقة المجتمع سريعًا، وسرعان ما اندمجوا في المجتمع المصري بكل طوائفه، وهو مجتمع معروف باحتضانه للغريب، فكان المقابل لتلك الروح الطيبة هو تأثرهم بالعادات والثقافة المصرية، ومع مرور الأيام أصبحوا مصريين دون أن يشعروا.

في شمال إفريقيا أيضًا عاش المورسكيون، في المغرب والجزائر وتونس، ومنها انطلقوا إلى تركيا والشام، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك إلى أراضٍ مسيحية مثل روما وفرنسا، وتركوا شواهد كثيرة تؤكد تأثرهم بفقدان الوطن، وحسرتهم على ما وصل إليه الحال.

كثرة عددهم في المغرب عن أي مكان آخر كانت بسبب القرب الجغرافي، بل إن بعض المدن تحولت إلى أندلس صغير مثل مدينة “تطوان”. وفي مراكش، قُدّر عددهم بنحو 40 ألف مهاجر، وسكن بعضهم مدينة “سبتة” المطلة على الشاطئ حتى يكونوا على مرمي البصر من الوطن المسلوب. أما في الجزائر وتونس، فقد أسهموا بخبرتهم في رفع المستوى الحرفي والصناعي والزراعي والمعماري، وما زالوا يحتفظون بالكثير من عاداتهم وتقاليدهم في أكلاتهم وطبخهم وواجهات بيوتهم وأغانيهم وفنونهم الشعبية التي تُذكّرهم بأصولهم الأندلسية.

أطلال حضارة المسلمين أكبر جاذب للسياحة الآن في إسبانيا

عندما استحالت الحياة، وهاجر المورسكيون إلى أصقاع الأرض المختلفة، تركوا وراءهم أطلالهم الرائعة، الممثلة في قصر الحمراء، ومسجد قرطبة، ومدينة الزهراء، وقصر إشبيلية، وقصر الجعفرية، وعموم روائع العمارة الدينية، وكل التصميمات التشكيلية والفنية المختلفة، وجميعها ما زالت ماثلة للعيان حتى اليوم، وهي من أكبر الأشياء التي تجذب السياحة إلى إسبانيا الآن. لا يمكنك دخول قصر الحمراء بسهولة، فلا بد أن يكون الحجز قبلها بأيام عدة، وذلك في العديد من آثار المسلمين الأخرى أيضًا في مختلف المدن الإسبانية.

تغيرت الدنيا، ولا يستطيع الإسبان اليوم التنكر للحضارة الإسلامية التي دخلت ثقافتهم، ولم تخرج منها حتى بعد طردهم للمسلمين، فاللغة الإسبانية -على سبيل المثال- دخلتها 4 آلاف كلمة عربية ما زالت متداولة حتى الآن، كما تأثرت العمارة في ربوع إسبانيا إلى حد بعيد بالعمارة الإسلامية في الأندلس، ويمكنك ملاحظتها في كل المدن الإسبانية.

ويعتقد العديد من المؤرخين الإسبان الآن أن طرد المورسكيين كان “حماقة” لم يكن لها مسوغ معقول لا من الناحية الأمنية، ولا من الناحية الاقتصادية!

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان