استشراف المستقبل على ضوء طوفان الأقصى!

(الجزيرة)

العملية البطولية التي قامت بها المقاومة الفلسطينية سيكون لها الكثير من النتائج على المنطقة والعالم كله، ويمكن أن توفر لنا إمكانيات جديدة لاستشراف المستقبل، والبحث في تأثير العوامل الحضارية على الصراع.

أول نتائج هذه العملية هي إسقاط المخططات التي تم الترويج لها لهندسة منطقة الشرق الأوسط؛ طبقا لما كان يطلق عليه “صفقة القرن”، التي تفرض الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة.. كما أسقطت العملية الكثير من الخرافات التي روجتها الدعاية الصهيونية حول قوة إسرائيل، وجيشها الذي لا يقهر.

أزمة سياسية إسرائيلية

هذه العملية ستفتح المجال لأزمة سياسية في دولة الاحتلال الإسرائيلي سوف تتصاعد حدتها؛ فالصحافة الإسرائيلية بدأت توجه اللوم لنتنياهو وتحمله المسؤولية عن “الكارثة ” كما وصفتها جريدة هآرتس؛ لأنه لم يدرك المخاطر التي تتعرض لها إسرائيل منذ أن شكل حكومته التي ضمت بن غفير وسموترتش.

إشارة هآرتس إلى ذلك في افتتاحيتها توضح أن الصدمة التي شكلتها عملية طوفان الأقصى، دفعت الإسرائيليين إلى إدراك خطورة تطرف هذه الحكومة، وتخطيطها لتقسيم المسجد الأقصى زمانيا ومكانيا، وهذا يشكل اعتداء على هذا المسجد الذي يحتل مكانته المهمة في عقيدة المسلمين، ويمكن أن يضحي الكثير من المسلمين بحياتهم دفاعًا عنه، فهذه الحكومة لعبت بالنار التي ستحرق إسرائيل.

حكومة فقدت الخيال!

مراجعة الأحداث خلال السنوات الماضية توضح عدم قدرة نتنياهو وحكومته على إدراك حقائق مهمة؛ إذ اندفعت هذه الحكومة بدون عقل في استخدام قوتها الغاشمة ضد الفلسطينيين، وأصابها غرور القوة فشلّ تفكيرها، ودفعها إلى ارتكاب أعمال تشكل إهانة لكرامة الفلسطينيين، ولعقيدة المسلمين.

ومن المؤكد أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يمتلك قوة صلبة يمكن أن يستخدمها في التدمير والإبادة، لكن المقاومة أثبتت خلال يوم واحد من عملية طوفان الأقصى أن هذا الجيش يفتقد القدرة على القتال رجلا لرجل، وأن حرص الجندي الإسرائيلي على حياته يملأ قلبه خوفا وهلعا ورعبا عندما يواجه موقفا يحتاج إلى شجاعة الرجال.

تغيير مقاييس القوة!

أوضحت المقاومة أنها تمكنت من بناء نوع جديد من القوة يتمثل في الآلاف من الرجال الذين امتلكوا الشجاعة والإيمان والبطولة والقدرة على التضحية، وهؤلاء الرجال يعملون لتحرير أرضهم، ويدافعون عن المسجد الأقصى نيابة عن الأمة الإسلامية، لذلك ودعوا أهلهم قبل أن يخرجوا، واستعدوا للموت.

هذا المشهد أثار إعجاب الملايين في العالم الإسلامي؛ فأصبح هناك الكثير من شباب الأمة يتمنون اللحاق بهم، والقتال معهم، وهذا سيشكل واقعا جديدا، وبناء مقاييس جديدة للقوة، فرجل واحد يملأ الإيمان قلبه يمكن أن ينتصر على جيش من الخائفين على حياتهم.
كان هؤلاء المقاتلون الأبطال أهم مصادر قوة المقاومة الفلسطينية، ومن المؤكد أن إعداد هؤلاء الرجال يحتاج إلى قراءة حضارية للعقيدة والمبادئ والقيم التي يؤمنون بها، وللتجارب التاريخية التي تثير خيالهم، وتطلق طاقاتهم، وتفجر إبداعهم.

طوفان الأمة الإسلامية!

المشهد أثبت للأمة الإسلامية أنها تستطيع أن تحقق الكثير من الانتصارات على المغرورين بقوتهم المادية، عندما تنجح في إعداد رجال يملأ الإيمان قلوبهم؛ مثل أولئك الأبطال الذين تم إعدادهم في غزة.

لذلك سيغير هذا المشهد الواقع، وسيحرر الأمة من الهزيمة النفسية، وسيدفع الملايين إلى إعادة صياغة أهداف حياتهم وتربية أبنائهم، ويمكن أن نلاحظ بوضوح أن رأيا عاما يتشكل الآن على مستوى العالم الإسلامي، وأن المقاومة الفلسطينية تمكنت من أن تكسب عقول المسلمين وقلوبهم، وتزيد شعورهم بالعزة والكرامة والتطلع إلى مجد التحرير.

هل يشكل ذلك انتصارا للمقاومة؟ إن أهم تجليات الانتصار أن المقاومة أوضحت أنها قادرة على الفعل وتغيير الواقع الكئيب، وأن من يريد الحرية يجب أن يدفع ثمنها، وأن يقدم التضحيات، فهؤلاء الأبطال هم أجمل وأنبل مقاتلين من أجل الحرية، وهم يضحون بحياتهم لتحرير وطنهم وأسراهم.

المشهد وبناء المستقبل

المشهد الذي قدمه أبطال المقاومة عامل مهم في تغيير الواقع وبناء المستقبل، حيث يمكن أن يثير خيال كل الأحرار في العالم، ويدفعهم إلى الإبداع في مواجهة القوة الغاشمة بأساليب جديدة، ولذلك تقود المقاومة الفلسطينية حركات التحرر الوطني في العالم بالمثال والقدوة، وتقديم نموذج حضاري إسلامي للمقاومة والكفاح الطويل المدى.

والصراع يمكن أن يمتد في الزمان والمكان، لكن المقاومة الفلسطينية تثبت للعالم أن النصر يرتبط بالصمود والإصرار على تحقيق أهداف عظيمة. وبذلك تلهم المقاومة الفلسطينية أحرار العالم، وتقدم لهم رؤية حضارية جديدة تقوم على أن الإنسان هو الذي يستطيع أن يغير الواقع؛ عندما يمتلك الإرادة والإيمان.

الاحتلال الصهيوني تعرض للهزيمة

في مقاله بجريدة هآرتس قال تشيم ليفنسون: “إنه مهما فعلت إسرائيل في هذه الحرب؛ فإنها بالفعل قد انهزمت”. وجاء ذلك تعليقا على تهديدات نتنياهو بتحويل غزة إلى “جزر خربة” طبقا لتعبيره الذي يوضح أنه يرتكب جريمة ضد الإنسانية باستخدام أسلحة الدمار الشامل.

لكنه مهما فعل فإنه لن يتمكن من التقليل من خوف شعبه، ورغبتهم في الهروب من تلك الأرض التي اغتصبوها باستخدام الإبادة العنصرية لشعب ما زال يحلم بالعودة إلى بيوت ما زال أصحابها يحتفظون بمفاتيحها. أما الصهاينة فكان مشهد الهروب من المستوطنات خوفا وحرصا على حياتهم يمكن أن يقدم لهم الحل الوحيد؛ فأصحاب الأرض سيضحون بحياتهم لتحريرها، وعلى المغتصبين أن يهربوا، أو يرحلوا إنقاذا لحياتهم، وعليهم أن يدركوا أن تهديدات نتنياهو ستكون سببا في انهيار دولتهم.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان