طوفان الأقصى.. عظمة البطولة

ما يحدث منذ السبت الماضي 7 أكتوبر 2023 لا يُصدق، إطلاق المقاومة الفلسطينية عملية طوفان الأقصى أمر مُذهل، المقاومة سحقت إسرائيل، ضربتها في مقتل، لقنت المحتل أحد أهم الدروس في الجرأة والإقدام والشجاعة.
والسبت يوم تاريخي لعظمة البطولة، وإذا كانت المقاومة بكل فصائلها، وفي المركز منها حماس، تتسم ببطولة نادرة لا نجدها اليوم إلا في غزة المحاصرة والضفة المغلقة، فإنه في السابع من أكتوبر جرى ما لم يكن يتوقعه أحد من البطولة العظيمة في كسر قلب إسرائيل، كما لم يحدث لها منذ حرب 6 أكتوبر قبل 50 عاما، إنزال هزيمة مُذلة بالمحتل، تمريغ أنفه في تراب العار، فضحه، تعرية ضعفه ببسالة أصحاب الحق المستعدين للتضحية بكل غال ونفيس لتحرير فلسطين والأقصى والمقدسات وانتزاع حقوقهم المشروعة وإسقاط الطغيان والاستكبار والجبروت والظلم والإجرام.
مرحلة جديدة
طوفان الأقصى بدأ ولن يتوقف، وطوفان البطولة صعد إلى سماء الجسارة ليحلق معلنًا مرحلة جديدة من المواجهة ومعارك العزة والشرف وإنهاك المحتل الغاشم وإنهاء ما تبقى من مزاعمه في الردع والذراع الطويلة، هذه الذراع التي يتم قطعها، وهذا الردع الذي يتبخر مع ضربات السبت الساحقة وقبل السبت وبعده.
حماس وكتائب شهداء الأقصى وسرايا القدس، وكل الفصائل، ومعهم الفلسطينيون جميعًا، هم مقاومون شرفاء، وهم منذ السبت عظماء، كما نعرفهم دومًا، وعظمة هذا اليوم في قوة الهجوم وامتلاك القدرة على المبادأة وإعمال القتل والإصابات والأسر في الضباط والجنود الصهاينة في معسكراتهم ومعابرهم ومستوطناتهم.
حرق قلب المحتل
وهي المرة الأولى التي تقتحم فيها قوات فلسطينية أو عربية الأراضي التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1948، وهذا إنجاز في حد ذاته، والإنجاز يكبر عندما تحرق المقاومة قلب المحتل وتجعله في ذهول ونحيب مما يخسره (700 قتيل حتى الآن)، ويكبر الإنجاز أكثر عندما يفقد عقله ولا يدري كيف يتحرك أو يتصرف إزاء هذا الهجوم الساحق.
إسرائيل قوية ومتفوقة فقط على الذين لا يمتلكون إرادة للنزال أمامها ويضنون بالتضحية مهما كانت كلفتها، وهي متفوقة على المهزومين سياسيًّا ونفسيًّا وعلى التابعين الذين يخشون أمريكا وأوروبا حاميتَي الكيان الفاشي.
إسرائيل ظهرت على حقيقتها أمام حماس كما لم يحدث لها من قبل، بدت عارية تمامًا ولا حتى ورقة توت تستر عوراتها، وعمومًا هي لا تخجل، وهي صاحبة أشد الوجوه دمامة في التاريخ الحديث على الأقل.
مرة أخرى يثبت أن إنزال الهزيمة بالكيان القلعة المدجج بالسلاح أمر يسير بمقدور المستعدين لذلك، والمقاومة تمنح الأمل الكبير في محاصرة هذا الكيان وجعله يستجدي الأمن والعيش في أمان بدل الغرور والصلف والإرهاب.
حماس ومعها فصائل المقاومة منظمات فدائية رهنت نفسها لأجل وطنها وشعبها واعتمدت القاعدة الأصيلة لتحرير الأوطان وهي إما النصر أو الشهادة، ومن لديه اقتناع بهذا المبدأ فسيكون أقوى من عدوه وخصمه مهما امتلك وسائل التحصين والتسليح والدعم.
هجوم مذهل
كيف فكرت حماس وكيف خططت وكيف نفذت هذا الهجوم المذهل بكل قوة وإصرار وتكبيد إسرائيل خسائر فادحة غير مسبوقة، وهي لم تتكبد خسائر مماثلة في يوم واحد خلال حروبها مع الجيوش العربية التي يُفترض أن تهتم بعملية طوفان الأقصى من جهة أنها تقلب موازين عسكرية واستراتيجية وتعبوية ومعنوية في الحرب وفي التعامل مع إسرائيل مهما كان هناك توسع في التطبيع معها.
إسرائيل اعتادت خوض أي عدوان خارج حدود فلسطين التاريخية التي تحتلها، وهي هذه المرة تجابه حربًا داخلها من فصيل مقاوم محدود القدرات والإمكانيات ومحاصر ومراقب ومرصود ولا حرية له في الظهور والتدريب ولا مجال له في التسليح وهو يتجهز ويتدرب في أصعب وأشد وأقسى وأعقد ظروف يمكن أن يعمل فيها تنظيم مقاوم، ومع هذا فإنه يقاتل ويضرب ويؤلم ويذل العدو ويهينه ويكشف خواءه.
المقاومة تناضل وتكافح وتخطط بذكاء وتنفذ بشجاعة وإصرار وقوة وتربح في كل الأحوال سواء بانتصارها أو بصمودها وحرمان العدو من إعلان الفوز الصريح ضدها أو القضاء عليها رغم حروب واسعة متكررة يشنها عليها، ومع هذا تزداد المقاومة تطورًا وقدرة، وعملية طوفان الأقصى النادرة خير دليل على ذلك، وما بعدها لن يكون كما قبلها سواء للشعب الفلسطيني أو للاحتلال.
الاستغاثة بأمريكا
من المثير للسخرية أن إسرائيل التي تعتبر نفسها القوة المتفوقة المهيمنة عسكريًّا في الشرق الأوسط تستغيث بأمريكا لإنقاذها، وتبادر واشنطن بمنحها كل أشكال الدعم العسكري والسياسي، كما تدعمها عواصم أوروبية كبرى، ذلك أن إسرائيل مشروعهم الاستعماري في القلب العربي الإسلامي تتعرض لهزة ضخمة مزلزلة وهم يضمنون حمايتها وإبقاءها مهما كان الثمن، فهل يعي العرب الرسميون هذا المعنى؟
مساواة الضحية بالجلاد
وموازين الغرب لن تكون عادلة مع العرب والفلسطينيين بشكل خاص، والمحزن أن بعض العرب لا يبدون دعمًا صريحًا للمقاومة كما تفعل واشنطن وأوروبا مع كيان التطرف والعنصرية، وهم في تصريحاتهم يساوون بين الضحية والجلاد، بين المحتل القاتل وبين المُحاصر المقهور المظلوم، والمؤسف أن هناك هرولة للتطبيع وكأنه ليس هناك بلد عربي محتل وشعبه يواجه أبشع احتلال استئصالي.
ومن الجيد للفلسطينيين الأحرار أن قرارهم من ذاتهم ونابع من الدفاع عن أنفسهم وليس مرتهنًا للعرب، ولولا ذلك ما كانت مقاومتهم قد فرضت نفسها قوة ترهب المحتل، وما كانت هناك قضية فلسطينية حية حتى اليوم، وما كان هناك انكسار تاريخي للكيان المجرم لن ينساه أبدًا، ويومًا ما قريبًا أو بعيدًا سيتحقق النصر الحاسم وستعود فلسطين عربية حرة مستقلة عاصمتها مدينة القدس.
نعم، سيقدم الفلسطينون مزيدًا من الضحايا والتضحيات (أكثر من 400 شهيد بينهم 78 طفلًا حتى الآن)، وتحرير الأوطان لا بد له من تكلفة ضخمة تدفعها الشعوب العزيزة الأبية القوية.
