“احتلال إسرائيل”.. تنصيص لا بد منه!

فلسطينيون يلوحون بالأعلام الفلسطينية أعلى دبابة اسرائيلية

 

سواء كنت ممن يعترفون بإسرائيل أو ممن ينكرونها، فالحقيقة أنها دولة موجودة وفاعلة في المجتمع الدولي، وسواء كنت ترى في ما جرى تحريرًا للأرض أو احتلالًا فالحقيقة أن حدثًا ضخمًا ومهيبًا قد وقع لزم له تنصيص العنوان تجنبًا للتورط في جدل لا يليق، وبحثًا عن المشترك وتدقيق ما جرى.

لم يكن هناك بعيدًا، خلف المحيط أو هنا قريبًا من النهر، من يتصور أن دولة الاحتلال الوحيدة الباقية في هذا العالم، ستشرب من كأس اجتياح الأراضي -المحتلة أصلًا- واقتحام الثكنات المزروعة قسرًا، وإيقاع الأسرى الغاصبين بدءًا، وإسالة الدماء المهجنة دومًا، وإشاعة الفوضى والارتباك أمدًا، وتدنيس العَلَم ذو النجمة الزرقاء السداسية.

لحظة كرامة جديدة

بعد خمسين عامًا من اللحظة الأكثر كرامة في تاريخ الأمة العربية، أبت المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة إلا أن تمنحنا لحظة مجد أخرى، بهجومها المفاجئ على مواقع جيش الاحتلال الإسرائيلي، والمستوطنات التي تضم سكانًا من قواته الاحتياطية، مما أربك “الجيش الذي لا يُقهر”، وأفقده توازنه لأول مرة منذ اقتحم الجيش المصري قناة السويس وحطم خط بارليف الحصين تزامنًا مع هجوم الجيش السوري على هضبة الجولان وعبور “خط آلون” الدفاعي في أكتوبر/تشرين الأول 1973.

مع النسمات الأولى لفجر السابع من أكتوبر الذي يوافق عيد الغفران (يوم كيبور) الذي يحتفل به معتنقو الديانة اليهودية، اخترق مئات من أفراد كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، السياج الفاصل بين قطاع غزة والدولة العبرية في تطور جديد غير متوقع للمحبين وللكارهين.

كانت الاستخبارات الإسرائيلية تركز على تجنب قيام المقاومة الفلسطينية في غزة بحفر أنفاق على جانبي الحدود بين القطاع والكيان الغاصب، ولم يكن يرد في خيال أي من قادتها الكبار أو الصغار أن الأنفاق أضحت وسيلة تقليدية غير مجدية تجاوزتها المقاومة واستبدلتها.

سقوط التكنولوجيا

بارتفاع تسعة أمتار فوق الأرض، وبعمق تسعة أمتار أخرى تحتها، وعلى طول الحدود مع غزة، تمتد آلاف الأمتار المربعة لتكون جدارًا خرسانيًّا صلدًا عازلًا، قوامه كتل صماء، ومئات من كاميرات المراقبة، وأحدث أجهزة الاستشعار، ومجسات متطورة لكشف عمليات التسلل والاختراق والحفر العميق.

سياج أمني على أحدث مستوى من التكنولوجيا تكلف أكثر من أربعة مليارات دولار، شيدته قوات الاحتلال الإسرائيلي ليحميها -كما كانت تظن- من أي محاولات لتسلل أفراد المقاومة. لكن هناك في أرض غزة -وربما تحتها- كانت فصائل المقاومة تراكم خبرات هائلة عبر سنوات من الصمت العسكري، تخللتها اشتباكات قليلة ثبت الآن فقط أنها كانت محدودة المسير والأثر رغم فداحة الثمن المدفوع من الدم الفلسطيني.

سقطت التكنولوجيا تحت أحذية رجال المقاومة، لأن الأجهزة والروبوتات الآلية لن تخفي حقيقة أن الأرض لمن وُلدوا فيها، وسيجدون حتمًا سبيلًا للحفاظ عليها ولو بعد حين.

قدَّرت المقاومة أنها لن تجهد نفسها في هدم جدار ضخم، يمكن لفتحة صغيرة فيه أن تكون ممرًّا كافيًا للعشرات، كما أن ابتكار طائرات شراعية بمحرك بسيط يحمل فردًا أو اثنين، لا يمكن أن يوفر وسيلة عبور سريعة فقط، ولكن أيضًا وسيلة استطلاع دقيقة تسهم في توجيه من أعلى للمقاتلين الذين اخترقوا الحدود من أسفل، كما أن بحر غزة حاضر في المعركة لا يغيب، فقد أخفت أمواجه أسرار الرجال البواسل.

عبور جديد

تدفق مئات من رجال المقاومة برًّا بسيارات دفع رباعي، وبحرًا عن طريق زوارق صغيرة، وجوًّا باستخدام طائرات شراعية صغيرة، في يوم عيد يهودي كبير، تمامًا كما فعل المصريون والسوريون عام 1973 -في يوم مشابه- فقتلوا من واجههم وأسروا من استسلم، ونقلوه إلى غزة، في أضخم عملية قتل وأسر لجنود الاحتلال منذ حرب العاشر من رمضان.

كالصاعقة نزل الفدائيون على المواقع العسكرية الإسرائيلية، وأهمها “إيريز” الذي يضم معبر الأفراد الرئيسي بين القطاع والكيان، وسيطروا عليه، كما تدفقوا ليشيعوا الفوضى في المستوطنات المتاخمة التي تشمل حزامًا استيطانيًّا يمتد حول القطاع المحاصر يُعرف بـ”غلاف غزة”.

العبور الجديد لا يقل في مفاجأته عن العبور الذي تم في سيناء والجولان، لكنْ هناك فروق واضحة، منها أن العبور الجديد دلف بالمقاومين إلى قلب المجتمع الإسرائيلي مباشرة في المدن، والمستوطنات التي يقطن غالبيتها ذوو الأصول الغربية، وبعملية جماعية خاطفة وجريئة.

العبور الجديد أوقع عشرات من الأسرى، وهو رقم خرافي وفوق التخيل، كما أنه تم عن طريق قوات غير نظامية ليس لها مواقع أو مراكز تجمّع واستطلاع يمكن قصفها، ووقع مباغتًا دون تمهيد أو إشارات عليه أو تلميحات تكشفه من أي طرف.

“يوم أسود”

المفاجأة والصدمة ألجمت “بنيامين نتينياهو” رئيس وزراء الكيان الصهيوني، فوصف ما حدث بأنه “يوم أسود” في تاريخ إسرائيل التي أنشاتها العصابات الصهيونية عام 1948، على أرض فلسطين التاريخية، في اعتراف ضمني بفشل استخباراتي وأمني ذريع لقادة الاحتلال، وهو ما دعاه إلى رد فعل واحد فقط، هو الانتقام بشراسة من كل سكان غزة، إذ اعتبر القطاع والشعب الفلسطيني كله بنية تحتية لحركة “حماس”.

صدمة أسر الجنود والمستوطنين غير المتوقعة دفعت قيادة الكيان الصهيوني إلى تعيين قائد عسكري مسؤولًا عن المختطفين والمفقودين، وقبل ذلك لم يدر بخلدهم أبدًا أن عشرات منهم سيكونون أسرى لدى رجال المقاومة، ولذلك لم يكن لديهم مسؤول عن هذا الملف الذي أوجده العبور الجديد.

سئمت غزة حروب الطرف الواحد المتغطرس والوجع الكبير لدى الطرف المغلوب على أمره، وقرر رجال المقاومة فيها أن يُحدثوا تغيرًا نوعيًّا غير مسبوق، ليس باتباع تكتيكات العمليات الفردية، ولكن بعمل جماعي منسَّق بمستوى جيش من المحترفين لا الهواة.

رأينا عبر الشاشات ومنصات النشر المختلفة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب مواطن عربي، وكدنا نعتقد أننا وقعنا في أحلام يقظة محبوكة، فاكتشفنا أن الأمر حقيقي، وأن عشرات الأسرى أصبحوا في قبضة المقاومة، وأن مئات القتلى الإسرائيلين باتوا رقمًا في الأخبار، تمامًا كما ظل شهداء فلسطين وجرحاها منذ عقود مجرد رقم مكرر في نشرات الأنباء.

الممنوعات

سئم الناس في غزة أن لا تتحرك السياسة مليمترًا واحدًا منذ سنوات، من أجل حل عادل، كما انسدت آفاق الحلول السلمية، وضاقت الأرض بما رحبت، ولم يعد في قوس الصبر منزع.

سئم أهل قطاع غزة الحياة، فاختار رجاله الحياة الأبدية مفضلين موتًا كريمًا عن حياة ذليلة، الكهرباء فيها لساعات محدودة، والمياه فيها بأثمان مرتفعة أو ملوثة أو غير نقية، والطعام والكساء بحسابٍ وبالقدْر الذي يسمح به العدو المحتل، والسفر ممنوع، والعمل ممنوع، والاعتراض ممنوع، والصوت مخنوق حتى عن التعبير عن الممنوعات.

نفخت المقاومة فينا من روحها، لتتجسد لنا أسطورة شعب لم يمت وإن تآمر عليه الجميع، إلا إيمانه العتيد وإرادته الصلبة، وهو على استعداد لدفع ثمن حريته مهما كلفه ذلك.

الرد الانتقامي لجيش الاحتلال الإسرائيلي على عملية “طوفان الأقصى” كان متوقعًا، لكن الوجه القبيح للصهيونية أطل بفجاجة ووقاحة وعنصرية ليست غريبة على جلدته، عندما قال وزير الدفاع الإسرائيلي “يوآف غالانت” خلال اجتماع مع قادة جيشه “نحارب حيوانات بشرية، ونتصرف وفقًا لذلك”.

الحصار الذي ضربته إسرائيل على غزة فوق الحصار المفروض أصلًا، وقصف الأسواق والبنايات السكنية، وقطع الكهرباء وامدادات المياه والطعام والدواء، وحظر السفر حتى للعلاج، يشي بأن الجنون قد استبد بقادة الدولة الصهيونية.

بلا تنصيص

مافعلته المقاومة كرد فعل طبيعي لسنوات من القهر وأوضاع بائسة ليس احتلالًا لأرض أوعدوانًا على شعب، وإن بدا كذلك، وهذه ليست دولة عادية وإن بدت هكذا جيش، وعلم، ونشيد، هذه استعادة للأرض من دولة غاصبة وسكان مجيشين يحملون السلاح أينما كانوا تحكمهم العنصرية والكراهية واحتقار الآخر.

ما جرى هو مقاومة بوضوح لا لبس فيه، وهي معركة واحدة في حرب طويلة لدحر الظلم والاستبداد حتى لو كان عن طريق احتلال دولة إسرائيل ذاتها وهذه المرة نقولها بدون تنصيص.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان