بناء المستوطنات بين النصوص والادعاءات

جنود إسرائيليون يتجولون في إحدى المستوطنات بعد "طوفان الأقصى" (وكالات)

 

مع بدء الموجة الجديدة من المواجهات المسلحة بين فصائل المقاومة الفلسطينية وسلطات الاحتلال الإسرائيلي في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تعددت التساؤلات عن موقف القانون الدولي من المستوطنات الإسرائيلية؟ وأين تقف حدود إسرائيل وأين تقف حدود المقاومة؟ وهل ما تقوم به فصائل المقاومة بين الحين والآخر من هجمات، سواء كانت فعلا مبادرا أو رد فعل على ما تقوم به سلطات الاحتلال يتعارض ونصوص القانون الدولي المعاصر أم يتوافق معها؟

بداية نقول إن بناء المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، يتعارض ومبادئ القانون الدولي ونصوص العديد من المواثيق والمعاهدات وقرارات المؤسسات الدولية، ففي المادة (49) من اتفاقية جنيف 1949 “لا يجوز لدولة الاحتلال أن تُرحّل أو تنقل جزءا من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها”. وجاء في المادة (53) “يحظر على دولة الاحتلال أن تدمر أي ممتلكات خاصة ثابتة أو منقولة تتعلق بأفراد أو جماعات، أو بالدولة أو السلطات العامة، أو المنظمات الاجتماعية أو التعاونية، إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتما هذا التدمير”.

كما صدر عن مجلس الأمن الدولي عدد من القرارات التي تنفي أي صفة قانونية للاستيطان الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وتطالب بإلغائه وتفكيك المستوطنات بما في ذلك الاستيطان بالقدس، ومن ذلك القرار 252 (مايو 1968) والقرار 446 (مارس 1979) والقرار 452 (يوليو 1979) والقرار 476 (يونيو 1980) والقرار 2334 (ديسمبر 2016).

وأمام هذه النصوص القانونية، يكون من المهم الوقوف على خرائط المستوطنات التي أقامتها إسرائيل خلال السنوات الثلاثين الماضية وخاصة منذ توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993، سواء في الضفة والقدس أو في غزة، والتي تنطبق عليها النصوص القانونية الدولية، وتعطي كامل الحق للفلسطينيين في الدفاع الشرعي عنها.

بناء المستوطنات: الخرائط والتوزيعات

 

تم بموجب اتفاقية “أوسلو” تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاث مجموعات: مناطق (A) وتبلغ مساحتها 17% من مساحة الضفة، ومناطق (B) وتبلغ مساحتها 23%، والمناطق (C) ومساحتها 60%، وتضم الأغوار وينابيع المياه والمحميات الطبيعة، بجانب المستوطنات الإسرائيلية والأراضي التي أقيم فوقها الجدار الفاصل.

وقد بلغ عدد المستوطنين في الضفة والقدس مع نهاية عام 2022، نحو 750 ألفا يعيشون في 150 مستوطنة و298 نقطة تجمّع عشوائي، إذ توجد 3 مستوطنات فوق أراضي محافظة طولكرم، و5 في جنين، و7 في طوباس، و8 في قلقيلية، و12 في نابلس، و13 في سلفيت و13 في بيت لحم، و17 في أريحا والأغوار، و20 في الخليل، و26 في رام الله والبيرة، و26 في محافظة القدس.

وفي عام 2002، أصدرت الحكومة الإسرائيلية قرارا يقضي بإقامة جدار عازل بطول 770 كيلومترا وارتفاع 9 أمتار، 85% من طول الجدار مقام على أراضي الفلسطينيين في الضفة الغربية و15% على أراضي الداخل الفلسطيني المحتل، ويقتطع 13% من مساحة الضفة الغربية، وضم الجدار 48% من مستوطنات الضفة إلى أراضي الاحتلال، وهو ما يعني أن 85% من مستوطني الضفة يعيشون في المستوطنات التي ضمها الجدار، وتم إخراج 150 ألف فلسطيني في القدس من حدود المدينة بسبب الجدار العازل.

غلاف غزة

انتهى الوجود الإٍسرائيلي في غزة عام 2005، بعد أن انسحبت القوات الإسرائيلية من المنطقة وأنشأت منطقة عازلة بين القطاع والأراضي التي تسيطر عليها، وأخلت 25 مستوطنة إسرائيلية كانت داخل القطاع، لكن أبقت إسرائيل على عدد من التجمعات في المنطقة المتاخمة للمنطقة العازلة مع القطاع، تتكون من نحو 50 مستوطنة أطلقت عليها اسم “غلاف غزة”.

وقسَّمت إسرائيل غلاف غزة إلى ثلاثة مجالس محلية، هي “أشكول” و”أشكلون” و”شاعر هنيغف”، ويضم مجلس أشكول المحلي 32 بلدة ويمتد على مساحة 380 كيلومترا مربعا، بينما تبلغ مساحة الأراضي التابعة لمجلس أشكلون 175 كيلومترا مربعا ويحتوي على أربع بلدات، ويمتد مجلس شاعر هنيغف على مساحة 180 كيلومترا مربعا ويضم 11 بلدة، ويبلغ عدد سكان بلدات الغلاف نحو 40 ألف نسمة.

أمّا مدينة الخليل فتم تقسيمها إلى منطقتين عام 1997، هما: منطقة “H1” التي تشكل 80% من المساحة الكلية لمدينة الخليل، ووُضع هذا القسم تحت السيطرة الفلسطينية الكاملة، ومنطقة “H2″، وبقيت هذه المنطقة تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية، بينما نُقلت الصلاحيات المدنية فيها إلى السلطة الفلسطينية. وعاد الجيش الإسرائيلي، وسيطر على منطقة “H1” خلال انتفاضة الأقصى، في الفترة 2000-2005.

الادعاءات الإسرائيلية والرد عليها

تدعي إسرائيل أنها تحمل الحق الشرعي على الأراضي المحتلة، وأن هذا الحق مُستمَد من قرارات الانتداب على فلسطين لسنة 1922، وأن هذا الحق مُستمَد من وجود اليهود في هذه البقعة على مر الزمان، إلا أن محكمة العدل الدولية وجدت أن هذه النظرية التاريخية ما هي إلا عنوان مثير للجدل إلى حد كبير، ولا يمكن لتلك النظرية أن تنشئ حقا مع الأخذ بعين الاعتبار العديد من المتغيرات التي شهدها القرن الماضي واقعا وقانونا.

إن ادعاء إسرائيل بأحقيتها على السيادة على الأراضي التي استولت عليها بالقوة في عام 1948 لا يقوم على أساس قانوني، لأن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (181) اقترح وجود دولة عربية ويهودية في فلسطين، ووضع تصورا لدولة يهودية أقل مما استولت عليه إسرائيل عام 1948، وما قامت ببناء المستوطنات عليه بعد ذلك التاريخ، كما أن اعتراف الأمم المتحدة والعضوية فيها لا يتضمن بالضرورة اعترافا بالسيادة على أراض موضع نزاع.

وبناء عليه، وبما أن إسرائيل ليس لديها الحق القانوني في الأراضي التي قامت بغزوها عام 1967، فإنه يمكن اعتبارها “أراضي محتلة”، ويترتب على ذلك أن إسرائيل أصبحت قوة احتلال تسري في مواجهتها كل النصوص القانونية، الخاصة بالقانون الدولي العام أو القانون الدولي الإنساني، وأن أي انتهاك على هذه الأرض سواء ببناء المستوطنات أو تشريد المواطنين الأصليين أو الاعتداء على ملكياتهم، يتعارض مع هذه النصوص ويتيح للطرف الذي تم انتهاك حقوقه استخدام كل الوسائل التي شرعتها الأمم المتحدة للدفاع عن هذه الحقوق، وفي مقدمتها الحق القانوني في استعادة الأراضي المحتلة والدفاع الشرعي عن النفس.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان