هل يغيّر “طوفان الأقصى” خرائط الشرق الأوسط؟

بايدن ونتنياهو على هامش الدورة الثامنة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك

 

في اتصاله مع رؤساء المجالس المحلية الإسرائيلية في غلاف قطاع غزة، توعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو “بتغيير منطقة الشرق الأوسط”، طالبا منهم أن يقفوا بثبات من أجل هذا التغيير الموعود.

يمكن النظر إلى هذا التهديد باعتباره مجرد محاولة لرفع الروح المعنوية لهؤلاء المسؤولين الذين ذاقوا طعم الهزيمة والانكسار لأول مرة بعد اجتياح كتائب القسام للمستوطنات التي يديرونها، ولكن يمكن التعامل مع التصريح بجدية أيضا لأن إسرائيل التي لم تعتد على الهزائم المنكرة مستعدة لإشعال منطقة الشرق الأوسط ثأرا لكرامة جيشها، واستعادة لثقته في نفسه.

وبعيدا عن تصريح نتنياهو، أو مدى جديته، فإن قراءة متأنية لما حدث وللتطورات المتوقعة تصل إلى النتيجة ذاتها، وإن كان التغيير المتوقع ليس بالضرورة لمصلحة الكيان الصهيوني.

حرص جيش الاحتلال طيلة اعتداءاته الكبيرة السابقة ضد المقاومة الفلسطينية، سواء في غزة بشكل أساسي أو في الضفة أحيانا، أن يُبقي تلك الاعتداءات في نطاق محلي، لكنه هذه المرة ليس صاحب المبادرة حتى يستطيع إنهاء الحرب بالطريقة التي يرغبها. فللمرة الأولى تكون المبادرة للمقاومة الفلسطينية التي اختارت الزمان والمكان، والتي جهزت نفسها لهذه المعركة الواسعة منذ سنوات وخصوصا في العامين الأخيرين، وتمكنت من تضليل العدو حتى أن مخابراته المعروفة بتفوقها، ومعها مخابرات أكبر دولة في العالم، ومخابرات الدول الصديقة الأخرى له في المنطقة، لم تكتشف خطط ونيات حماس. وحتى حين نشرت بعض المنابر الإعلامية الدولية، ونقلت عنها صحف إسرائيلية تقريرا يفيد بتقديم المخابرات المصرية للحكومة الإسرائيلية معلومات عن نيات حماس لعمل عسكري كبير، سارع نتنياهو إلى نفي هذا التقرير.

عشوائية الانتقام وتداعياته

ولأن جيش الاحتلال لم يكن صاحب المبادرة، فهو يتخبط الآن في طريقة الانتقام الذي يرد إليه الاعتبار، وهنا نتوقع أن يسفر هذا التخبط عن أخطاء عسكرية تفتح الباب لتوسيع دائرة المعارك لتشمل أطرافا أخرى، وتتحول المعركة من محلية إلى إقليمية، وربما دولية، فالعالم الآن على صفيح ساخن، في ظل التوتر الأمريكي الصيني، والحرب الروسية الأوكرانية، والصراعات السياسية المحلية في دول المنطقة، وارتباطاتها الدولية.

لم يتأخر الانتقام الإسرائيلي من غزة ورجال المقاومة فيها عبر ضربات جوية مركزة، وتدمير العديد من المباني، وقتل المئات من المدنيين، لكن جيش الاحتلال لا يزال يفكر في خطوة الاقتحام البري بهدف تدمير الأنفاق، وتدمير القدرات العسكرية للمقاومة الفلسطينية، والبنية التحية للشعب الفلسطيني، وملاحقة قادة حماس وقادة المقاومة الآخرين، والسعي لتحرير أسراه المحتجزين في القطاع وبينهم قادة عسكريون.

وصول جيش أمريكي

لقد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي حالة الحرب لأول مرة منذ خمسين عاما (أي منذ حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973)، واستدعى 300 ألف من الاحتياطي، وسارعت واشنطن بإرسال جيش أمريكي قوامه 5 آلاف جندي، وحاملة طائرات والعديد من القطع العسكرية البحرية الأخرى بهدف تقديم الدعم العسكري لجيش الاحتلال، بخلاف ما قدمته من قبل وستقدمه من مساعدات عسكرية حسب الطلب الإسرائيلي.

وصول حاملة الطائرات الأمريكية “جيرالد فورد” وغيرها من القطع البحرية ليس فقط لتقديم دعم معنوي لجيش الاحتلال، أو لمساعدته في اقتحام غزة، فالأخير لا يحتاج في هذه المهمة إلى أي دعم أمريكي جديد، ولكن وجود هذا الجيش الأمريكي فوق حاملة الطائرات وبجوارها يستهدف أمورا أخرى، منها مواجهة احتمالات اشتعال الجبهة الشمالية عبر الحدود اللبنانية، ودخول حزب الله على خط المواجهة، وهنا قد يكون الرد الأمريكي ليس فقط لصد هجمات حزب الله، ولكن قد يستهدف توجيه ضربات إلى إيران التي تُحمّلها واشنطن وتل أبيب المسؤولية عن تطوير التسليح العسكري لحماس، وفي حال تعرضت إيران لأي تحرش فإنها تمتلك خيارات متنوعة للرد سواء عبر قوتها العسكرية مباشرة، أو عبر أذرعها في لبنان وسوريا والعراق واليمن، وستكون ضرباتها ضد تمركزات عسكرية ومصالح أمريكية منتشرة في المنطقة.

تداعيات اجتياح غزة

إن أي اجتياح بري واسع لقطاع غزة، وتعريض سكانه لخطر داهم قد يدفعهم إلى الهرب، والمفترض أن يكون اتجاههم شرقا نحو المستوطنات التي حررتها كتائب القسام، لكنهم سيواجهون في هذه الحالة نيرانا إسرائيلية كثيفة أيضا، فلا يكون أمامهم سوى الهرب غربا نحو سيناء، وهذا أمر مرفوض تماما من ناحية مصر حكومة وشعبا، ليس بغضا في الأشقاء الفلسطينيين، ولكنه رفض لفكرة الوطن البديل التي تقضي على حلم الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

لن يتوقف الأمر عند تورط إيران والمجموعات الداعمة لها إقليميا، ولكن قد يتعدى ذلك إلى تورط روسي إذا تحرشت بها الولايات المتحدة عبر قواعدها القريبة في سوريا بهدف تخفيف الضغط على الجبهة الأوكرانية.

في كل الأحوال، فإن معركة طوفان الأقصى أنتجت مشهدا جديدا حتى الآن، بكسرها صورة جيش الاحتلال الذي لا يُقهر، وقدرتها على تحقيق اختراقات عسكرية لم تكن في حسبان أحد، وبوضعها القضية الفلسطينية مجددا على أجندة الاهتمام الدولي.

وإذا تمكنت المقاومة من تثبيت هذه المكاسب أو بعضها، فإن ذلك فوق حلحلته للقضية الفلسطينية، وإمكانية تحقيق تسوية عادلة، فإنه سيُمثل ضربة كبرى لمسار التطبيع العربي مع الكيان، ولن يكون هناك دافع لهذا التطبيع مع كيان لم يعد لديه ما يقدمه للمطبعين من حماية لحكمهم وعروشهم، وهو لم يستطع حماية نفسه. أما في حال حدوث اجتياح بري واسع، وقتل وتهجير أهل غزة، فإننا سنكون بصدد غضبة شعبية عربية وإسلامية كبرى، توجه انتقامها ضد حكامها الذين سمحوا بهذه النكبة الجديدة كما حدث عقب النكبة الأولى عام 1948 التي تسببت في الإطاحة بالنظام الحاكم بمصر، وفي دول عربية أخرى.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان