“طوفان الأقصى”.. كيف صنعوا النصر وقللوا الخسائر؟

أطفال غزة تحت القصف
يستهدف قصف الاحتلال الأطفال والنساء (وفا)

 

الطوفان فيضان يغمر كل شيء فلا يعود كما كان عليه من قبل ويتغير للأبد، وهذا ما صنعه “طوفان الأقصى”، فتغيرت قواعد اللعبة وانهارت العجرفة الصهيونية.

قال يوءاف ليمور الكاتب الصهيوني: “إسرائيل تجثو على ركبتيها في واحدة من أصعب الأوقات في تاريخها، والأميركيون يرسلون لنا حاملة طائرات في حالة من الذعر على مستقبلنا، إنه أمر لا يصدق”.

صحيفة “يديعوت احرنوت” قالت: “تكلف الجدار الأمني حول غزة مليار دولار، وتحت الأرض توجد أجهزة استشعار وأحدث تكنولوجيا المراقبة، وكل ذلك انهار وكأنه جدار من ورق، وإسرائيل أصبحت أقل استعدادًا للحرب وتداعيات الحرب وعواقبها وخيمة وبعيدة المدى”.

وقالت أيضًا: “يا للعار الذي لحق بجيش إسرائيل، قفز مقاتلو حماس فوق الجدار وعادوا إلى غزة مع عشرات الرهائن، وتجولوا في قاعدة المدرعات وكأنها قاعدة تابعة لهم، ولم تكن هناك مروحية تطلق النار عليهم”.

المؤكد أن إمكانيات المقاومة متواضعة بالمقارنة بإمكانيات العدو، لكن من قال إن النصر تصنعه الإمكانيات وحدها؟ فقد أكد خبراء العدو أن الطوفان تم الاستعداد له منذ وقت طويل مع الاهتمام “بأدق” التفاصيل، فصنعوا عشرات الثغرات ليتسللوا منها بالمئات.

مفاتيح البيوت

نجح “طوفان الأقصى” باستخدام سلاح استخدام عنصر المفاجأة ليس في التوقيت فقط، ولكن في كثافة الهجوم وتعدد جبهاته في الوقت نفسه، فباغتوا العدو جوًا وبرًا وبحرًا “لشل” إرادته وإرباكه، وهذا من أسباب الهزيمة “الداخلية” للعدو.

صنع النصر بالوحدة بين الفصائل وعدم التنازع والوفاء للقادة الراحلين “واستكمال” مسيرتهم وإطلاق أسمائهم على الصواريخ وغيرها، “والواقعية” اليقين بأن ما لا يدرك كله لا يترك كله، وعدم رفع سقف التوقعات فلم يقل أحد من القادة أن “طوفان الأقصى” سيحرر فلسطين، فالواقعية والصدق مع النفس ومع الشعب من مفاتيح النصر.

“طوفان الأقصى” بدأ منذ رفض الاحتلال في عام 1948 واحتفاظ الأجداد بمفاتيح بيوتهم التي أجبرهم الصهاينة على مغادرتها، وعلى اعتزازهم بقراهم ومدنهم التي “اغتصبها” الصهاينة وحرصهم على تذكير أبنائهم وأحفادهم بالأسماء الحقيقية للقرى وللمدن التي غيّر الصهاينة أسماءها.

وبدأ من الرفض النفسي والمقاومة للاحتلال منذ عام 48 وحتى انتفاضة الحجارة بزعامة الشهيد أحمد ياسين التي سخر البعض منها، وانبهر الملايين “بجسارة” تحدي الاحتلال بالحجر وبالصدور العارية.

من أسباب النصر بعد الاستعانة بالرحمن بالطبع استخدام الأنفاق التي تحتاج لكثير من التدريبات الشاقة والجهد البشري المتواصل “والصبور” لفتح ثغرات في جدار العدو، وعدم القبول بوجوده “ورفض” اعتباره عقبة لا يمكن تجاوزها ولو بعد تضحيات مؤلمة واعتبارها بعضًا من مهر تحرير الوطن “ومشروع” شهادة، فمن يحفر النفق وهو يعرف أنه عرضة للموت اختناقًا كما حدث للكثيرين ويقينهم أن الموت عندئذ شهادة وعزة، وأن الموت “الحقيقي” هو الاستسلام وإشاعة العجز والإحباط داخل النفس ونشره أيضًا.

شاركت في صنع “طوفان الأقصى” الأمهات اللاتي أعلن منذ 48 أنهن “ينجبن” لتحرير فلسطين، ولم يتخلين عن الوطن، “وأرضعن” الأبناء والبنات عشقه وقدسية الأقصى، وعار وخطيئة “التفكير” في ترك النضال لاستعادته.

نتذكر مسنة فلسطينية وقفت أمام بيتها الذي هدمه الصهاينة، وتحدت شارون قائلة “بيقين” ما دام في الحياة، طفل فلسطيني واحد فلن يهنأ الصهاينة وستتحرر فلسطين، ومؤخرًا وقف رجل أمام بيته المهدم وأكد “بقوة”: “لن أترك وطني سأضع خيمة وأعيش فيها وسأدعم المقاومة دومًا”.

وآخر قال للمقاومة أمام أنقاض بيته: “أوجعوهم بزيادة، وكلما زادوا فينا ألمًا نزيد فيكم قوة”.

إذلال

اعترف العدو أن حماس تمثل أزمة استراتيجية له، وأن هذا الهجوم الأكثر “إذلالًا” في تاريخه، حيث أكبر عدد من الأسرى والقتلى لم يحدث من قبل في أي حرب وأسر قادة وضباط كبار.

صنع “طوفان الأقصى” الإيمان بالحق والعقيدة التي منحت قادة المقاومة العزيمة والابتكار في صنع الأسلحة وتقوية الروح المعنوية للشعب، وصنعه شباب المقاومة بالإرادة والعزيمة والتدريب المتواصل الشاق في ظروف معيشة قاسية، “وبالجسارة” لاقتحام المستوطنات والمعسكرات، “ومنع” العجز أمام قوة العدو العسكرية والتقدم التكنولوجي، والنضال بجدية وبمثابرة “وابتكار” وسائل غير تقليدية كهبوط المقاومين المسلحين بمظلات وهو ما لم يحدث في العالم من قبل، وكالتسلل لمستوطنات والاحتفاظ ببعض الخطط لتنفيذها لاحقًا وعدم بذل كل الجهد في بداية الحرب واستخدام مهارات تكنولوجية للتشويش على أجهزة المراقبة المتقدمة للعدو.

صنع نصر “طوفان الأقصى” ملايين الفلسطينيين الذين “صمدوا” منذ 48 وتحملوا أقسى المعاناة لسنوات طوال قبل حصار غزة وبعده، ولم يفكروا بالهجرة “وترك” أرضهم وتحمل الكلفة البشرية والمادية لسنوات طوال.

الحرب الإعلامية من أسلحة “طوفان الأقصى”، وتصوير الأسرى والقتلى يقوي الحاضنة الشعبية ويضعف قوة العدو من الجنود والمستوطنين وغيرهم ويضعف تأييدهم لحكومتهم ويُصعب عليها الانتصار، ويكسر هيبة إسرائيل ويحطم أسطورة الجيش الذي لا يقهر للأبد، ونشيد بذكر معلومات دقيقة وعدم المبالغة أو الكذب، وتعمد الغموض في أعداد الأسرى لإثارة القلق لدى العدو، وتصوير هروب المستوطنين في الصحراء ورعبهم، وتصويرهم وهم يختبئون في حاويات القمامة وبالوقت نفسه تصوير احتفال الفلسطينيين بالنصر وتصوير جوي لخسائر العدو، وهو تطور واضح في استخدام سلاح التصوير، فالصورة لا تكذب وأقدر على توصيل الرسائل وأقوى في التأثير بلا حواجز اللغة.

رصدنا الاستعداد للخسائر بأنواعها والسعي لتقليلها، وتقبل حقيقة أنه لا توجد حرب في الكون بلا خسائر، والخسارة “الفادحة” الوحيدة تكمن في الاستسلام والخوف، فكان الحرص على جمع أكبر عدد من الأسرى وتحذير العدو أن ما يحصل لغزة سيسري على الأسرى، والتهديد بأن الرد العنيف سيوسع الحرب وستشارك أطراف أخرى، وإعطاء مهلة لسكان عسقلان قبل القصف وتنفيذ التهديد.

من يضحك أولًا يبكي أخيرًا، وقد بدأ بكاء الصهاينة ولن يتوقف.

 

 

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان