“طوفان الأقصى” يخرس ألسنة الصهاينة العرب

جامعة الدول العربية (رويترز)

“لقد كان نجاح المقاتل المصري الجندي محمد صلاح في اختراق الحدود، وتنفيذ عمليته الفريدة، ملهِمًا لنا لإمكانية تكرار العملية بشكل موسّع”، هذه الجملة التي قالها صالح العاروري، نائب رئيس المكتب السياسي لحركة (حماس)، كانت كلمة السر في عملية “طوفان الأقصى”.

فبعد 50 عامًا على العبور المصري في حرب 6 أكتوبر المجيدة من عام 1973، وانتصاره على العدو الإسرائيلي، وعبور قناة السويس في حرب كانت مفاجأة للكيان المحتل، جاء عبور 7 أكتوبر 2023 من خلال المقاومة الفلسطينية داخل الأراضي الفلسطينية التي يحتلها الكيان الغاصب لتكون مفاجأة للجميع.

زرع الشيخ أحمد ياسين

نعم، فقد جاءت عملية “طوفان الأقصى” لتؤكد أن الشعب الفلسطيني يمتلك القوة والرد على انتهاكات الكيان المحتل، بعيدًا عن الانبطاح العربي، وعمليات التطبيع القذرة، فتؤكد المقاومة الفلسطينية أنّ هناك رجالًا قادرين على قلب طاولة التطبيع رأسًا على عقب دون خوف أو استكانة.

‏ألف مقاتل فلسطيني فقط جعلوا الدول العظمى تهرول لمساعدة الكيان الصهيوني، خوفًا على زواله، وغزة تحيط بها 25 دولة عربية خلاف الدول الإسلامية، ولا أحد يحرك ساكنًا!

نعم، لقد مرّغ المقاتلون الفلسطينيون الأرض بأنوف جنود الكيان المحتل في عملية مستمرة -حتى الآن- في عُقر دار الصهاينة، وفي عمليات نوعية كانت مفاجِئة للجميع، قتلوا فيها وأسروا المئات من خلال مقاتلي القسام، ذلك الزرع الذي زرعه الشيخ المجاهد الشهيد أحمد ياسين، الذي نما وأثمر رجالًا لا يقبلون الضّيم، وأصبحوا شرفًا للأمة.

المرجفون في الأرض

ولكنّ المرجفين في الأرض من الصهاينة العرب فاجأتهم عملية “طوفان الأقصى”، وقالوا عنها “إنها عملية متفق عليها بين المقاومة والكيان المحتل، لتمرير ما يسمّى بـ(صفقة القرن)، وتهجير أهالي غزة لسيناء”، وهذا كلام لا يصدقه عقل بشري سليم، ولكنهم صهاينة في تفكيرهم ومواقفهم، استكثروا على المقاومة هذا النصر الكبير.

فلو فكّر هؤلاء الصهاينة قليلًا فيما يقولون لما ردّدوا مثل هذا الكذب والكلام الفارغ، فكيف تسمح “إسرائيل” لجيشها بأن يُهزم بمثل هذه الطريقة المذلة المهينة، وبأسر وقتل جنودها؟ وهل تحتاج “إسرائيل” لذريعة لكي تستولي على غزة وهي تحاصرها، وتقتل في شعبها منذ سنوات؟

هم يريدون أن يقللوا من انتصار المقاومة، ولأنهم مهزومون داخليًا يريدون أن يوصِموا المقاومة بذلك، ولم يصدّقوا ما فعلته، بل لم يتخيلوا أن الكيان المحتل فعلها من قبل، واجتاح غزة من أجل مقتل جندي أو جندييْن منه، فهو لا يحتاج لمثل هذه الذرائع لاجتياح غزة وضرب المقاومة، فهو يفعل ذلك كل يوم بحصاره وتجويعه لأهل غزة.

ولمَن يروّجون لـ(صفقة القرن) فلا الفلسطينيون مستعدون للتنازل عن أرضهم -إلا على جثثهم- وقالوها كثيرًا، وها هم يقولونها بالفعل، ولن يسمح المصريون بتمرير هذه الصفقة -أيضًا- حتى لا تموت القضية الفلسطينية نهائيًا مهما كانت الظروف.

كل ما في الأمر أن الكيان (ومَن يتبعه) يبحث عن مبررات لحفظ ماء وجهه الذي أُريق بفعل المقاومة، وحصاره لغزة، وقطْع الكهرباء والمياه عنها، فما هي إلا محاولة خبيثة منه للرد على هزيمته المنكَرة على أيدي ألف رجل من المقاومة محاصرين، ولا يملكون جزءًا من العتاد الذي يملكه الجيش المحتل، ولكن بالإيمان بالله ثم بالوطن أصبح الألف رجل بمليون مما يعدّون.

وكل ما في الأمر كذلك أنهم تفاجأوا بمنظر أحبابهم من الصهاينة وهم يهرعون إلى المخابئ، زاحفين على بطونهم بعد صفارات الإنذار، خوفًا من صواريخ القسّام، فلم يصدقوا هزيمة أصدقائهم، فتنادوا بمثل هذه الخزعبلات التي تضحك الثّكْلى.

جامعة الدول العربية والمجتمع الدولي

وكما عوّدتنا جامعة الدول العربية بمواقفها المتخاذلة، فلم نسمع لها صوتًا، ولم نرَ لها موقفًا، وكأن المعركة التي تدور والقصف المستمر على أهلنا في فلسطين يقع في دولة أخرى آخر الكرة الأرضية، فلم نرَ لها اجتماعًا طارئًا، أو موقفًا طارئًا، وكأن غزة ليست أرضًا عربية مسلمة، ليصبح دور الجامعة مبنًى بلا معنًى، تُوفي ويحتاج إلى الدفن، وأصبح العرب في ذمّة الله، والحديث عن الأموات حرام شرعًا.

وكشفت المواقف الدولية التي تتجاهل الاحتلال الإسرائيلي واستيطانه الوحشي، وحصاره للملايين، وقتل الآلاف من المواطنين في فلسطين، عن انحطاط وضَياع في المبادئ الإنسانية والعدالة، وهذه المواقف تظهِر -بشكل واضح- التفرقة في المعايير الدولية، وانعدام الالتزام بحقوق الإنسان، وقانون العدالة الدولية.

إن المقاومة من أجل الحقوق الوطنية والإنسانية في فلسطين هي حق طبيعي وأساسي للشعب الفلسطيني، والهجمات والانتهاكات التي يتعرّض لها الفلسطينيون في دفاعهم عن حقوقهم تشكّل تحديًا كبيرًا، وتعيد هذه الأحداثُ القضيةَ الفلسطينية إلى الواجهة بوضوح، بل تؤكد وجوب تحقيق العدالة، واحترام حقوق الإنسان في فلسطين.

كما أن قيام دول بتحريك قواتها البحرية لحماية جيش الاحتلال الإسرائيلي، وتقديم الدعم للاستيطان غير القانوني، يشكل تصرفًا غير مقبول، ويجب على المجتمع الدولي أن يتّحد، ويعمل بجِدية، لوقف هذه الاستفزازات والانتهاكات الجارية، وإلزام “إسرائيل” بالاتفاقات الدولية، كما ينبغي للمجتمع الدولي أن يتصدّى لسرقة حقوق الشعب الفلسطيني وأُسرهم، وقتل الآلاف منهم، ويتخذ إجراءات عملية، لضمان احترام القرارات الأممية، وتحقيق العدالة في فلسطين.

نعم، لقد كشفت المقاومة عورة الجيوش العربية جميعها، فهي جيوش طوابير تشريفة لزوم تحية الحكام، والسيطرة على الشعوب، فها هي مقاومة بسيطة لا تمتلك ما تمتلكه هذه الجيوش من أسلحة وإمكانيات وميزانيات وموارد مالية ضخمة، تنتصر بسهولة، وبإمكانيات ضعيفة، وتلقّن الكيان المحتل درسًا لن ينساه أبدًا.

ومن الواضح جدًا أن ما بعد “طوفان الأقصى” شيء مختلف تمامًا عما قبله في المنطقة سياسيًا وأمنيًا.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان