غزة.. 17 عاما من الحصار!

قامت إسرائيل بفرض حصار على غزة عقب فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية في يناير/كانون الثاني 2006، وذلك قبل دخول حماس غزة بعام، ثم عززت إسرائيل حصارها على غزة بعد سيطرة حماس على غزة في يونيو/حزيران 2007، وفي ظل المواجهات العسكرية المتكررة بين إسرائيل وحماس، استمر الحصار البري والبحري والجوي، من خلال إغلاق المعابر التي تربط غزة بإسرائيل وبالضفة الغربية.
فقد منعت إسرائيل حركة البضائع والأشخاص، ودمّرت مطار غزة وميناءها البحري، وأتاحت الصيد قرب ساحل غزة فقط دون المياه الإقليمية، وواكب حربي 2006 و2008 بين إسرائيل وحماس توغل القوات الإسرائيلية بغزة، مصحوبة بجرافات لتجريف التربة الزراعية والأشجار وخطوط مياه الشرب والكهرباء، وتسبب الحصار في عدم وصول المواد الخام إلى المصانع مما أدى إلى إغلاق معظمها، حتى إن سكان غزة قد أقاموا وقتها مقبرة رمزية بأسماء المصانع المغلقة وعدد العاملين بكل منها.
كما تم منع إدخال مواد البناء بدعوى إمكانية استخدامها في المنشآت العسكرية، وتسبب الحصار في تراجع الصادرات من منتجات القطاع الزراعية، وفي تضرر صناعاته التي تتركز في قطاعات الأثاث والنسيج والملابس والصناعات الغذائية، ومنعت إسرائيل تشغيل عمال غزة بإسرائيل مما زاد من معدلات البطالة إلى مستويات عالية.
منع وصول سفن المساعدات إلى غزة
ومع تكرار الحروب منذ عام 2006 في 2008 و2012 و2014 و2018 و2021، أسفرت تلك الحروب عن تدمير آلاف المباني السكنية جراء القصف الجوي الإسرائيلي، وكلما قام سكان غزة بإعادة الإعمار بعد الحرب، جرى تدمير مساكن أخرى بالحروب التالية وربما نفس المساكن، إلى جانب تدمير المباني الخدمية خاصة التعليمية والصحية، كما منعت إسرائيل وصول عدد من سفن المساعدات التي أرادت التخفيف من معاناة أهل غزة، ومنها سفينة المروة الليبية في ديسمبر/كانون الأول 2008 التي حملت مساعدات طبية وغذائية في محاولة لكسر الحصار.
كذلك أُغلق ميناء حيفا أمام سفينة العيد في نفس الشهر، لمنعها من الإبحار اتجاه شواطئ غزة، وصودرت حمولتها من المساعدات الطبية والإغاثية وهدايا الأطفال بمناسبة العيد المقدمة من فلسطينيي 1948.
كما مُنعت سفينة الكرامة في يناير/كانون الثاني 2009 من الوصول إلى شواطئ غزة، وهجمت قوات الاحتلال عليها واحتجزت ركابها.
كذلك مُنع وصول سفينة الأخوة اللبنانية في فبراير/شباط 2009 إلى غزة، لتقديم مساعدات من الشعب اللبناني لأهالي غزة وداهمت السلطات السفينة واعتدت على ركابها واعتقلتهم واقتادت السفينة إلى ميناء اسدود الإسرائيلي. واعترضت زوارق حربية إسرائيلية في يونيو 2009 سفينة روح الإنسانية، التي تحمل مساعدات إنسانية كانت في طريقها من قبرص إلى غزة وقادتها إلى ميناء اسدود بعد اقتحامها وتفتيشها.
وواكب إغلاق إسرائيل لمعابرها مع غزة، إغلاق السلطات المصرية معبر رفح، رغم مناشدة أهالي غزة لهم بفتح المعبر خاصة للحالات الإنسانية التي تحتاج إلى العلاج خارج غزة، الأمر الذي دفعهم إلى اجتياح الحدود المصرية في يناير/كانون الثاني 2008، لشراء المواد الغذائية من مدينة العريش، ثم قاموا بحفر أنفاق بين غزة وسيناء لتهريب السلع إلى غزة، بعد رفض السلطات المصرية إقامة منطقة حرة على الحدود كي يشتري منها سكان قطاع غزة ما يحتاجون إليه من السلع، وبعدها قامت السلطات المصرية في الربع الثاني من 2009 ببناء جدار عازل بين رفح المصرية ورفح الفلسطينية إحدى محافظات غزة لمنع الأنفاق.
بعض العرب يعتبرون حماس إرهابية
ونستعين هنا بعبارات للشيخ يوسف القرضاوي خلال خطبة جمعة له بالدوحة، في الثالث والعشرين من يناير/كانون الثاني 2009 حول حصار غزة، ورد نصها في اليوم التالي بجريدة الشرق القطرية، حيث وجه رسالة إلى حكام العرب والمسلمين قال فيها “قال بعض المصلحين منذ أوائل القرن العشرين إن المسلمين على خير ولكن الضعف في قياداتهم، ضعف الأمة في القيادة السياسية، هم في واد وشعوبهم في واد، إنهم لم يعودوا يعبدون الله، لكنهم يعبدون شيئا اسمه كرسي الحكم، هو المهم من دون الله، إلا من رحم ربك”.
وأشار إلى قيام قطر بعقد قمة عربية لمناقشة آثار العدوان الإسرائيلي على غزة حينذاك، لكنه لم يحضر من القادة العرب سوى 12 من 22 حاكما، قرروا تأييد المقاومة وضرورة انسحاب العدوان وإعادة إعمار غزة وأنشؤوا صندوقا لذلك افتتحته قطر بربع مليار دولار.
ومنذ ذلك الحين وحتى الآن تغيرت أحوال العديد من الدول العربية اتجاه القضية الفلسطينية، فزاد عدد الدول التي قامت بالتطبيع مع إسرائيل، وقامت عدة دول عربية باعتبار حماس منظمة إرهابية، مثلها في ذلك مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي وأستراليا وإنجلترا، ومن هنا اكتفى الموقف العربي حاليا بعقد اجتماع على مستوى وزراء الخارجية العرب، بعد خمسة أيام من حرب السابع من أكتوبر الحالي أدان فيه قتل المدنيين من الجانبين، وطالب بإمداد إسرائيل غزة بالكهرباء والمياه.
وفي نفس السياق جرت احتجاجات على القصف الإسرائيلي المستمر لسكان غزة ببعض البلدان العربية مثل صنعاء والكويت وعواصم غربية، في حين لم يتح المجال بدول أخرى لمثل ذلك، وهو ما يذكرنا بما كان يحدث في مصر عام 2008 كتعبير عن الرفض الجماهيري للحصار على غزة، من وقفات احتجاجية بالجامع الأزهر وأمام المساجد الرئيسية وفي النقابات المهنية، رغم وقوف حشود من الشرطة على مقربة من تلك الاحتجاجات.
حصار للشعوب العربية بالتوازي مع غزة
وهو ما يعني أن الحصار الحالي ليس على غزة وحدها بل على الشعوب العربية أيضا، وكما قال الشاعر محمود درويش منذ سنوات: “حاصروا حصاركم”، ولهذا يعتبر الكثيرون أن حكام العرب غير مشغولين حاليا بالتفكير في وقف الحصار الإجرامي، المخالف للقانون الدولي بمنع الغذاء والوقود والكهرباء عن أهالي غزة، بقدر انشغالهم بالتماهي مع الموقف الأمريكي والأوربي المنحاز إلى إسرائيل، وفي أذهانهم ما حدث لرئيس الوزراء الباكستاني عمران خان حينما خالف التوجهات الأمريكية.
لقد كشفت حرب السابع من أكتوبر مدى وهن الجيوش العربية التي تواصل شراء السلاح بالمليارات دون أن تستخدمه، في حين أن بضعة آلاف من جنود حماس بأسلحة مصنوعة محليا كشفوا حقيقة الجيش الإسرائيلي، كذلك كشفت المواقف الأوربية المنحازة إلى إسرائيل فشل الدبلوماسية العربية في أداء مهمتها خلال العقود الماضية، ولهذا فإن القوى الغربية والعربية معا مشغولة حاليا بتحجيم حماس، ومحاصرة التيار الإسلامي ببلدانها كي لا يتكرر نموذج حماس.
وكان المأمول أن تدفع حقائق حرب السابع من أكتوبر إلى المطالبة برفع الوصاية الإسرائيلية على غزة، ليكون لها ميناؤها ومطارها الخاص وحريتها في التعامل مع دول العالم مثل غيرها من شعوب العالم، وإقامة الدولة الفلسطينية دون وصاية إسرائيلية، وتلك مهمة الشعوب العربية والإسلامية يوما ما عندما تسترد حريتها السليبة من حكامها.
