نظرات صينية متوحشة لأبطال غزة!

ضابط صيني يُهدي اسرائيليا هدية بعد انتهاء دورة تدريبية في الجولان على فض المظاهرات

 

اعتادت الصين أن تبتعد عن الأحداث الدولية الساخنة. تتجاهل الأحداث الكبرى إلى أن تهدأ وتتضح معالم الطريق، لتسير نحو هدف يحقق مصالحها دون خسائر. لم تغيّر الحرب الوحشية في غزة هذه العادة، حيث ظلت صديقة العرب مشغولة بإنهاء دورة الألعاب الأسيوية الـ19، المقامة على أرضها، بعد العدوان على غزة لمدة ثلاثة أيام.

مع صمت القادة، تحوّل موقع “ويبو” المقابل لفيسبوك في الصين إلى ساحة لصب اللعنات على العرب، ووصف جنود “حماس” بأنهم “حيوانات متوحشة”. سمحت الدولة القمعية للسفارة الإسرائيلية في بيجين بإنارة مبناها بالأعلام، أسوة بما فعلته الحكومة البريطانية والاتحاد الأوروبي، وبوابة براندنيورغ في برلين وبرج إيفل بفرنسا.

عادة ما ينحاز الإعلام الغربي إلى إسرائيل، حيث ينتمي كثيرون منهم إلى تيار “الصليبيين الجدد”، كما تباهي كبيرهم جون بايدن من مقره في البيت الأبيض بانتمائه إلى الصهيونية منذ 50 عاما، الذي لم يتورع عن دعم إسرائيل بأسلحته الفتاكة لقتل المدنيين العزل بلا رحمة.

في دولة مثل الصين لا تنتشر المعلومات جزافا، ولا تستمر بدون علم الرقابة القمعية. مع ذلك انتشرت على وسائل التواصل لقطات فيديو ملفقة، عن خطف أطفال إسرائيليين، ووضعهم في أقفاص حديدية تُستخدم بمزارع الدواجن، وأخرى لصور أطفال قيل إن جنود “حماس” ذبحوهم على مرأى من أعين أمهاتهم. ثبت يقينا أن تلك الفيديوهات “مفبركة”، مع ذلك ظلت منشورة، ويتناقلها الصينيون في الداخل والخارج بأرقام هائلة.

أجَّج موقع السفارة الإسرائيلية على “ويبو” الصيني و”إكس” قصصا عم اختطاف 5 عمال صينيين وقتل 3 آخرين يعملون في المستوطنات القريبة من قطاع غزة. وظف الإسرائيليون فيديو يُظهر أسر شابين من غزة لفتاة على دراجة بخارية، واقتيادها وصديقها إلى داخل القطاع، لتسويق فكرة اعتداء “حماس” على الصينيين، واتهامهم بأنه قتلة السائحين المتجمعين ليلة السبت 7 أكتوبر/تشرين الأول، في احتفال موسيقي وسط الصحراء.

سر الفتاة المخطوفة في غزة

اقتطع الإسرائيليون صور الفتاة التي تدعى “نوا” Noa من الفيديو للتشهير بالفلسطينيين. تولى صينيون ترديد الرسائل آلاف المرات، زادت اشتعالا بعد إثارة الأمر مع المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية (ماو نينغ) الاثنين الماضي، التي لم تعط جوابا شافيا.

في اليوم التالي، ظهر فيديو آخر لمقابلة مع والد “نوا” بوسائل الإعلام الإسرائيلية، يطلب تحرك الصين للبحث عن ابنته، لدى أصدقاء بيجين في غزة، مدعيا أن ابنته صينية من مدينة “ووهان” مصدر وباء كوفيد-19، ومركز التكنولوجيا الفائقة شرقي البلاد.

تظهر “نوا” في الفيديو الفلسطيني وهي ترتدي ملابس جيش الاحتلال، بين شابين على الدراجة، بينما اقتيد صديقها مقيَّدا. بتتبع “نوا” على وسائل التواصل، تبيَّن لنا أنها مقيمة دائمة في إسرائيل. جاءت المفاجأة، عندما كشفت جريدة “تشاينا ديلي” China Daily الصادرة في بيجين عن الحزب الشيوعي الحاكم باللغة الإنجليزية، الخميس الماضي، دون أن تدري الدوافع وراء تلفيق قصة الفتاة المختفية.

في تقرير بعنوان “الاشتباكات في الشرق الأوسط تجلب المعاناة للعائلات”، تظهر والدة الفتاة ذات الأصول الصينية (لي تشونغ هونغ) المعروفة باسم ليورا أرغماني، لتخبرنا أن ابنتها اسمها “نوا أرغماني”، مولودة في إسرائيل قبل 26 عاما، بعد أن تزوجت من إسرائيلي، أتي بها من الصين إلى الأراضي المحتلة قبل 30 عاما.

يتحامل التحقيق المنشور بجريدة يمولها الحزب الحاكم، ويديرها أكثر الكُتاب تعصبا للسلطة والقومية الصينية، على مقاتلي حماس، دون أن يشير مطلقا إلى كون الفتاة جندية بجيش الاحتلال.

الصين تبتعد عن حماس!

تقفز الصحيفة على تحولات الصين التي دعمت باستمرار القضية الفلسطينية، لتوافقها مع “الماوية” وحركات التحرر الوطني في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. حصلت منظمة التحرير الفلسطينية على دعم سياسي وتدريب عسكري استمر سنوات. بدأ التغير بالموقف الصيني في ثمانينات القرن الماضي، مع انفتاحها على الغرب، الذي عاقبها بعد مذبحة 4 يوليو/تموز 1989، بحرمانها من التكنولوجيا الفائقة، إلى أن اعترفت بإسرائيل عام 1992، فأصبحت بوابتها السحرية للحصول على التكنولوجيا الغربية لتطوير صناعة الصواريخ والأقمار الصناعية ووسائل التجسس والاتصالات، وبرامج الحاسوب.

توسعت في حجم المعاملات التكنولوجية والعسكرية مع إسرائيل، لتصل إلى 12.3 مليار دولار عام 2022، وفي الوقت نفسه ارتفعت المبادلات التجارية مع الدول العربية إلى 570 مليار دولار.

بدأت الصين تعمل على دعم حل الدولتين، وأن تحاول ممارسة دور الوسيط النزيه، في المشكلات الإقليمية بين السعودية وإيران، وسوريا وإسرائيل، ومصر وإثيوبيا، بينما تبتعد عن دعمها القوي للسلطة الفلسطينية في مواجهة إسرائيل، وتتعامل على مضض مع “حماس”.

تنظر الصين إلى “حماس” بعيون إسرائيل والأنظمة العربية الاستبدادية، التي تراها فرعا من جماعة الإخوان المسلمين المصنفة لديهم “إرهابية”. تستعين الصين بخبراء من إسرائيل في ملاحقة الإيغور المسلمين بإقليم “شينجيانغ” منذ عام 2014، بوصفهم “وهابيين متطرفين”.

ترسل الصين خبراء عسكريين للتدريب في إسرائيل على مكافحة التظاهرات، بمشروعات في الوحدات العسكرية وضرب الفلسطينيين في المدن، لتعيد تنفيذها على المعارضين والمسلمين بالداخل، وسط قبول دول عربية وإسلامية، لحملات التطهير التي تقوم بها بيجين ضد الإيغور والمعارضة.

جيل الصهيو-صينية

التقارب الرسمي بين الصين وإسرائيل غيَّر قواعد اللعبة لدى الجمهور. أشرفت سفارة إسرائيل، على مدار العقود الثلاثة الماضية، على تنشئة جيل صهيوني يضم نحو 50 ألف أسرة صينية-إسرائيلية، ناتجة عن زواج ضباط وجنود إسرائيليين سابقين من صينيات أنجبن جيل الفتاة “نوا”، يقيمون بين البلدين ويخدمون في جيش الاحتلال.

قلة من هؤلاء تضم عمالا يرون إسرائيل معبرا للهرب من بطش السلطة والهجرة إلى الغرب، فيحرصون على دعم الصهاينة في مواجهة العرب. لم يكن غريبا أن يتغير موقف الصينيين مما يحدث في الأرض المحتلة، فبعد أن كان جيل الآباء يتظاهر ضد الصهيونية، تضامنا مع العرب، أصبح الأبناء الصهاينة يتصرفون بوحشية ضد العرب، والغاضبون من السلطة يرون الأنظمة العربية “استبدادية تقود شعوبا مستكينة تستحق الإبادة”، لدورهم في دعم السلطة الغاشمة بالمال والبترول، بما يُمكّنها من فرض قبضتها بعنف على المعارضين.

تمضي الصين رسميا على حبل مشدود بين إسرائيل وحماس، تدين متأخرة العنف من الطرفين، دون أن تنتصر لطرف أو تعلي الحق على الباطل، بما يكشف تناقضات بيجين، وعدم قدرتها على حسم النزاعات أو المخاطرة بتغيير الواقع. خيبت الصين آمال من ينظرون إليها بوصفها طوق نجاة، لما تبديه عن نفسها، بأنها شريك مثالي لإنهاء الصراع العربي-الإسرائيلي، وداعم قوي للقضية الفلسطينية.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان