الانتخابات الرئاسية تخسر الطنطاوي

أحمد الطنطاوي (منصات التواصل)

 

حقق أحمد الطنطاوي حضورا شعبيا في مصر، وصار اسما متداولا إقليميا ودوليا، وعليه أن يشكر سلطة الحكم الحالية لأنها هى من تصنع له ذلك، دون قصد طبعا منها، ولا رغبة في جعله نجما لامعا، ولا تحويله إلى شهيد مظلوم.

الحماقة أعيت من يداويها

وعدو عاقل خير من صديق جاهل

والحماقة هي من وضعت العراقيل أمام مناصري الطنطاوي في تحرير توكيلات ترشيحه لانتخابات الرئاسة، ولهذا لم يستطع الترشح، وعَدَّ نفسه المرشح الممنوع، وخسرته انتخابات الرئاسة، وفقدت مصر فرصة لتقديم تجربة مختلفة.

والحماقة هي من تتعامل معه بقلة احترام وتقدير، وليس بوصفه مواطنا كريما وصحفيا قديرا ونائبا ورئيس حزب سابقا مُعتبَرا، وسياسيا يأمل خدمة وطنه ومواطنيه.

الحماقة والجهالة والمعاندة، ثلاثي قاتل لمن تنشأ فيه هذه الخصال التي تخصم من الرصيد ولا تضيف إليه، وتطورات الأحداث تشير إلى توفر رصيد من هذه الآفات لدى من حاصروا الطنطاوي وحملته وداعميه، وحرمته من الحصول على العدد اللازم من التوكيلات الشعبية.

موانع التوكيلات

جمع الطنطاوي 14 ألف توكيل، بينما كان عليه أن يجمع 25 ألفا لقبول أوراق ترشحه، وتقديري أنه كان قادرا على جمع العدد المطلوب من التوكيلات وأكثر، لكن هناك وسائل وأساليب مورست عليه وأنصاره حالت دون تحرير التوكيلات المطلوبة.

وعندما دعا لتحرير توكيلات إلكترونية له تدليلا على العراقيل الموضوعة أمام مناصريه في مقار الشهر العقاري، فإن عددها بلغ 117 ألفا بين عشية وضحاها، وفي الخارج حصل على العدد الأكبر من التوكيلات التي حررها مصريون، فالقيود هناك أقل منها بالداخل، والأمان متوفر لهم.

التصرفات غير الموفقة، والسلوك المتوتر من أطراف تجاه الطنطاوي وأنصاره وداعميه، يضيف إليه ولا يخصم منه، يرفع من قدره ولا يهبط بمكانته، يوفر له مزيدا من الأنصار والراغبين في وجوده فاعلا في الحياة العامة، ويجعله رابحا سياسيا وأدبيا ومعنويا رغم أنه لم يستطع تأمين التوكيلات المطلوبة لخوض المنافسة.

العالم يتابع ويشاهد ويرصد ويحلل ويختزن ويعرف ويعلم ويفهم، والعالم أذكى كثيرا ممن يعيشون في غرفهم المغلقة وأبراجهم العاجية، ويتصورون أنهم يتخذون قرارات صحيحة، ويعتقدون أن الدنيا تثق بهم وتمنحهم علامات الصدق كاملة.

لم تكن الانتخابات الرئاسية تكتسب أهمية وقيمة داخلية وخارجية إلا بوجود الطنطاوي فيها وخوضه لها، مع احترامنا للمرشحين الآخرين الذين نعُدُّهم يوجَدون لأجل الوجود فقط، فلا حضور سياسيا أو شعبية لأي منهم لدى الناس، ولا نلمس دوافع واضحة عندهم للمنافسة الجادة والسعي الحثيث نحو الفوز، والإرادة الصلبة في إدارة معركة سياسية ساخنة والخروج منها بنتيجة جيدة، ورأس مرفوع، واعتزاز بالذات، ورصيد شعبي.

وجدنا من الطنطاوي ومساره وأدائه ونشاطه وتحركاته وخطابه وفريقه، منذ فترة وحتى اليوم، الرغبة والعزيمة والإصرار على ممارسة دور سياسي وجماهيري، وتقديم نفسه للناس بشكل هادئ ورزين، وطرح آراء وأفكار ومبادرات لمحاولة حل المشكلات والأزمات الراهنة.

أفكار خبيثة

والعدو الجاهل هو الناصح غير الأمين للسلطة الذي يقدّم أفكارا خبيثة لها مضادة للطنطاوي ورغبته في أنه كان يريد تقديم صورة مشرفة لانتخابات تليق بمصر، وتجدد الأمل في إمكانية أن يكون لدينا ديمقراطية جادة وصندوق انتخاب حر نزيه شفاف، قطعا للطريق أمام وسائل وأساليب أخرى غير الصندوق والسلمية تضر كثيرا بالبلاد والناس، فالاستقرار والهدوء والسلام الاجتماعي هو أشد ما تحتاج إليه مصر في هذه المرحلة.

لو كنت من هذه السلطة لتمسكت بوجود الطنطاوي في الانتخابات، ولما وضعت أي عوائق أمامه، إذ إنه بجديته وطموحه وعزيمته ولغته السياسية الواعية الناضجة يسهم في تأسيس حالة سياسية إيجابية قد تعمل على إخراجنا من حالة الجمود والانسداد الذي ينعكس على مختلف المجالات والقطاعات والأوضاع والمستويات، وبخاصة الاقتصاد الذي يعاني كثيرا.

الصوت المرجّح

يكفي المرشح الفائز أن يحصل على 50% زائد صوت واحد فقط (الصوت المرجّح) من مجموع الأصوات الصحيحة، هذه نتيجة أفضل كثيرا جدا وأكثر إقناعا من أي نتيجة أخرى ذات أرقام ضخمة، فهكذا تكون الانتخابات، وهكذا تكون الديمقراطية، وهكذا يستطيع الرئيس الرابح أن يتحدث مع أقرانه ونظرائه في كل عواصم العالم بثبات وثقة واطمئنان، وقبول منهم له ومصداقية فيه.

نتائج الانتخابات في الديمقراطيات كلها تنحصر في خانة الخمسينيات، ولا تتجاوزها إلى ما هو أعلى إلا نادرا جدا وفي ظروف سياسية معينة، فالعالم الديمقراطي الحر والعالم العاقل لايعرف أبدا التسعات الثلاث (99.9%)، وهي الاختراع الناصري الزائف.

السياسة الحرة علاج للأزمات

مصر في أزمة، والخروج منها لن يكون إلا بالسياسة، وعلاج عقدة الاقتصاد لن تكون إلا بالسياسة أيضا، السياسة الحرة المنفتحة الآمنة التي يمارسها كل من أراد وهو مطمئن على نفسه ومن حوله، فالسياسة هي الأمان والتفكير والحلول، والخوف هو القلق والجمود والانسداد.

قوة الأنظمة من قوة السياسة فيها، ومن انفتاح السياسة فيها، ومن عدالة السياسة فيها، ومن شفافية صندوق الانتخابات فيها، ومن تنافسية الانتخابات فيها، ومن حرية ونزاهة التصويت فيها، ومن شهادة القاصي والداني بسلامة وصحة كل صوت فيها.

قوة الحاكم من انتخابه بإرادة شعبية حرة وسط متنافسين أقوياء، وهو وهم يكونون جميعا على قدم المساواة في كل مراحل الانتخابات العادلة من الألف إلى الياء.

قوة الرئيس الفائز من قوة خصومه السياسيين أمامه.

حلاوة الفوز من ضراوة المنافسة.

قيمة الفوز بمعركة الرئاسة من انتظار النتيجة حتى فرز آخر صوت في آخر صندوق.

لا معنى للهزل في زمن الوعي حتى لو ظل وعيا مكبوتا خشية العواقب.

لا معنى لإشاعة الخوف، فلا يسر سلطة ونظاما وحكومة وأجهزة، ولا يليق بهم، أن يكونوا سببا في خوف مواطنيهم منهم.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان