رسالة عاجلة إلى “بايدن” من “راشيل كوري”

عزيزي السيد الرئيس “جو بايدن”
أكتب إليك كمواطنة أمريكية من مدينة “أولمبيا”، وأنت في طريقك إلى إسرائيل، ولعلك تجد وقتا لقراءة رسالة أظنها عاجلة، وتستحق اهتمامك.
مدينتي (أولمبيا/ ولاية واشنطن) التي وُلدت بها في 10 إبريل 1979 وأحب، وما زال بها أبي “السيد/ كريج” وأمي “السيدة/ سيندي”، مساحتها 100 كيلومتر مربع، أي أقل من ربع مساحة قطاع غزة (365 كيلومترا مربعا)، ويسكنها 56 ألف أمريكي، هم أقل 41 مرة مقارنة بسكان القطاع، المكتظ بنحو 2.3 مليون إنسان، في 8 مدن و8 مخيمات لاجئين والعديد من القرى. وللأسف جاء أغلبهم خلال حرب 1948 ثم حرب 1967 من العديد من المدن والقرى الفلسطينية بالداخل مجبرين قسريا مروعين من المجازر الإسرائيلية. ولليوم لم يُسمح لهم ضمن 6.5 ملايين فلسطيني بالعودة إلى منازلهم وقراهم ومدنهم.
ولا أعرف سيدي هل قرأت مثلا عن “قرية دير ياسين” غربي القدس التي كانت فلسطينية بين تاريخ طويل من المجازر الصهيونية الإسرائيلية؟ وأخشى ألا ينتهى بالمجزرة المروعة بمستشفى “المعمداني” في غزة، وأنت في طريقك لإظهار المزيد من التضامن والدعم لأصدقائك وحلفائك.
ولا أعرف السيد الرئيس هل قال لك معاونوك شيئا ما عن مدينة “رفح” الصغيرة؟ حيث معبرها مع مصر الذي ما زال مغلقا، وقصفته الطائرات الإسرائيلية 4 مرات حتى لحظة كتابة رسالتي هذه.
وهل تعلم أن هناك أمريكيين كحالي يسألون: كيف تدعم إدارتكم وعلى مدى أكثر من عشرة أيام استمرار الحكومة الإسرائيلية في هذا القتل الوحشي/ الإبادة الجماعية وجملة من جرائم الحرب؟ وكيف تتغاضى عن مواصلتها إغلاق معبر “رفح” وقطع المياه والكهرباء والدواء والغذاء عن هؤلاء البشر، وتشريد نصف سكان القطاع؟ وكيف تُسقط إدارتكم ببساطة وبلا رحمة ولا مسؤولية قرارا في مجلس الأمن لوقف إطلاق النار كان من شأنه منع قتل المزيد من مئات الضحايا الأبرياء في مستشفى “المعمداني” بمدينة غزة؟ ومعهم المزيد ممن لجؤوا إلى مدارس “الأونروا”؟ وكيف تتجاهل وإدراتك تحذيرات عاجلة للأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية بكارثية ما يقوم به صديقك “نتنياهو” وحكومة جرائم الحرب، بما في ذلك أوامر إخلاء نحو 20 مستشفى؟
عشرات “كيف” أخرى معلقة في رقبتك، أتمنى أن تجيب عنها، ومعها أسئلة أساس من قبيل: لماذا تتجاهل أن الاعتداءات والمجازر الإسرائيلية على قطاع غزة، التي يحلو لك تسميتها “حق الدفاع عن النفس”، بدأت قبل أن تنشأ “حماس” عام 1988؟ ولماذا لا تفكر أيضا بأن هناك شيئا ما تاريخيا وعميقا وخطيرا بعيدا عن “حماس” وغزة، لا بد أنه يسمح باستمرار هذا العنف وهذه المجازر، وسيظل بعد “إزالة حماس”، وكما تتمنى وتتفق وصديقك “نتنياهو”؟ شيء ما يعلمه تاريخ العالم كله، حتى بلادنا الولايات المتحدة، لا تسمية له إلا “الاحتلال” و”العنصرية”، وحق الشعوب المشروع في مقاومته بكل السبل.
عزيزي السيد الرئيس
هل تعرف حقا ما هي “رفح” ومخيم لاجئيها بالنسبة لمواطنتك الأمريكية التي تكتب إليك الآن؟ وهل تتذكرني؟ أنا “راشيل كوري” التي كان لديها حلم صغير يوما ما في أن تتآخي “رفح” مع حبيبتها “أولمبيا” لتصبحا مدينتين توأما. وها أنا “راشيل” التي كانت قد بدأت بتنفيذ برنامج لتبادل الرسائل بين أطفال المدينتين. فهل كلفت أحدا حولك بطلب هذه الرسائل ومراجعة ماذا كتب أطفال مدينتي لأطفال “رفح” قبل نحو عشرين عاما، وفي ظل واحد من الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة على منازلهم وحقهم في الحياة والحرية؟
هل سألت أحدا حولك في البيت الأبيض عن مخيم “رفح”؟ مثلا هل تسأل مستشاريك الإعلاميين أو القانونيين، أو حتى السيد “بلينكن” وزير خارجيتك الذي ذهب إلى إسرائيل ليخلط في كلمته يوم 12 أكتوبر 2023 بين ديانته (اليهودية) وعقيدته الأيديولوجية (الصهيونية) وبين منصبه في إدارة الولايات المتحدة الأمريكية. وهل سألته ونفسك أيضا: ألا يُعَد هذا الخلط انتهاكا للمادة السادسة في دستورنا، التي تفصل بوضوح بين اعتناق دين بعينه وشغل الوظائف العامة في الحكومة الفيدرالية؟
عزيزي السيد الرئيس
حسنا.. سأقول أنا لك ماذا تعني “رفح” ومخيم لاجئيها، وتحديدا بالنسبة لمواطنتك الأمريكية “راشيل”. في 16 مارس 2003، وأثناء انتفاضة الشعب الفلسطيني الثانية ضد احتلال وفصل عنصري وإرهاب دولة ما زالوا إلى اليوم، دهستني متعمدة جرافة لجيش هذا الاحتلال، ومرت على جسدي مرتين لتكسر عظامي، وألفظ أنفاسي. وهذا بينما كنت هناك أدافع لنحو ثلاث ساعات عن بيت أسرة فلسطينية فقيرة بالمخيم. أدافع عن جدرانه وحياة أهله فقط بجسدي، ومجردة من أي سلاح أو حتى عصا خشبية. ببساطة كنت بين دروع بشرية تحيط بالبيوت لعرقلة سلطة الاحتلال عن تدميرها. كنت مع أناس مثلي جاؤوا من أنحاء العالم متطوعين تلبية لنداء ضمير إنساني يوحدنا كي نتضامن مع بشر عزل أبرياء، في مواجهة جيش مدجج بأعتى ترسانة الأسلحة وأشدها فتكا وتدميرا من مصانعنا الأمريكية وغيرها. كنت أيضا مع أصدقاء من مواطنينا في مدينتي، بحركة “أولمبيون من أجل السلام والتعايش”.
قبل أن يرتكب جريمة قتلى عمدا جيش احتلال، أنت تعلن لليوم أنك تدعمه بكل قوة وبلا تحفظ، وترى أن كل ما يفعله وسيفعل “دفاعا عن النفس”، كتبت إلى والدتي “سيندي” آخر رسالة، وهي ما زالت تحتفظ بها. وكانت هذه كلماتها “حقيقي أفتقدكم.. تأتيني هذه الأيام كوابيس سيئة تلاحقني في النوم.. دبابات وبلدوزرات تتحرك خارج بيتنا وأنا وأنتم بداخله.. أنا فعلا أشعر بالرعب من أجل الناس هنا في رفح” (**).
وحقيقي مرة أخرى بل والأخطر الآن، لا يمكنني تصور مستوى الرعب الذي كان سيداهمني في نومي إذا ما قُدّرت لي الحياة إلى اليوم، وكي يصبح عمري 44 سنة متقدمة بعامين فقط عن ابنتك “أشلي بايدن”، وأنا أشاهد على شاشات التلفزيون بين أطفالي “المفترض إنجابهم” في بيتي الأمريكي صور ضحايا المجازر الجديدة لجيشكم الإسرائيلي المدلل جدا، والمحمي دوما من عواقب خرق القانون الدولي الإنساني. وهذه الأيام طلبا للحياة توقيا من قصف معبر رفح أربع مرات، ومدارس “الأونروا”، حيث لجأ المدنيون من محرقة القرن الحادي والعشرين هذه، واستهداف سيارات وطواقم الإسعاف، وتدمير ومسح أحياء سكنية بكاملها من الوجود. وآخرا وليس أخيرا، ضربة الإبادة الجماعية قبل ساعات من وصولكم إلى إسرائيل بصواريخ طائرات إف 16 الأمريكية لمستشفى “المعمداني” بمدينة غزة، وانضمام المئات من ضحاياه إلى حصيلة نحو 3300 قتيل فلسطيني بالقطاع، معظمهم من الأطفال والنساء.
السيد الرئيس
هل تصدّق أن ملف جريمة قتلي على هذا النحو بجرافة الجيش الإسرائيلي الموثق في شرائط الفيديو وبأقوال الشهود أمام محكمة الناحية بمدينة “حيفا”، المدينة والحاضرة الفلسطينية الأصل بدورها، انتهى وتم إغلاقه تماما، وبعد نحو عشر سنوات، وفي 28 أغسطس 2012. نعم انتهى إلى المصير نفسه “الإفلات من العقاب” لكل قتلة ضحايا الجيش الذي تعتزم مشاركة قادته في اجتماع عملياته “الحربية الإجرامية” تلك لاستهداف المزيد من الضحايا. ببساطة نطق قاضي محكمة حيفا “عديد جريشون” -وأنا أسأل نفسي: هل المهم ذكر الاسم؟ لأن الخطيئة في غياب العدالة لا الأشخاص- برفض دعوى أسرتي ضد الجيش والجندي الذي تعمَّد دهسي وتحطيم عظامي مرتين. بكل بساطة حكم بأنه “كان حادثا مؤسفا.. جيش دولة إسرائيل غير مسؤول عن أي إهمال.. هي راشيل من وضعت نفسها وبوعي منها أمام الخطر”. لكن، يا الله، ها أنا أقول لنفسي اليوم “لعل القاضي (جريشون) اقتبس بعضا من نصوص إدارتك وكلماتك أنت في تبرير المحرقة الجديدة ضد الشعب الفلسطيني وفي غزة ورفح”. أحقا “هم وضعوا أنفسهم وبوعي منهم أمام الخطر”.
السيد الرئيس
وأنت تصل عند صديقك “نتنياهو” وحلفائك وفي يديك كل الدعم، أود أن أذكّرك أيضا بالصحفية الأمريكية الفلسطينية “شيرين أبو عاقلة “. فهل تسأل نفسك وأصدقاءك في إسرائيل مجرمي الحرب المدللين منكم: هل عوقب بدوره الجندي بجيشكم، الذي قتل مواطنتي “شيرين” قبل نحو 17 شهرا ويزيد؟ وأظنك ولا شك تعلم بإعلان إسرائيل قبل أقل من أربع وعشرين ساعة من مجزرة مستشفى “المعمداني” حظر دخول الصحفيين الأجانب إلى غزة؟ وليس عندي أدنى شك في أنك من الخبرة والدراية كي تعلم ماذا يعني هذا الحظر، وبماذا ينبئ؟
لكن يدهشني أنك تمضي بنا إلى المزيد من الكوراث، وهذا مع أنك السيد الرئيس تعلم بخبرتك السياسية والدولية أن هذا الدعم الجنوني منك وإدارتك لكل هذا الجنون الإسرائيلي لا بد سيُلحق الضرر الجسيم بمصالح الولايات المتحدة عاجلا أو آجلا. كما من شأنه أن يعرّض حياة مواطنينا للخطر، وربما ينتج عنه عنف أكثر قسوة وهولا مما كان في السابق، بدافع الشعور بالظلم والقهر بين الناس جراء إسرائيل وأفعالها.
وبالطبع أنت لست قليل الخبرة كي لا تعلم أن كل احتلال وظلم وإرهاب دولة يولّد حتما مقاومة وبالعنف المشروع دوليا وتاريخيا. وهذا كان قبل “حماس”، وسيكون بعد “حماس”، وفي غزة وكل فلسطين، وأي مكان، حتى الولايات المتحدة نفسها، وهذا هو تاريخنا منذ قرنين الذي تعلمناه في مدارسنا.
السيد الرئيس
عندما تطأ قدماك أرض ما كانت فلسطين، اخلع نظارتك السوداء ولو لدقائق، واخفض رأسك باتجاه أرض يعلم عالم الأحرار، من غير عينة “جريشون” ووزير خارجيتك، أن تاريخا من المجازر وضحاياها بين الشعب الفلسطيني وأشقائه الشعوب العربية يتراكم تحتها على مدى أكثر من 75 عاما ولليوم، طبقات فوق طبقات.
وحتى أنا مواطنتك الأمريكية (البيضاء الشقراء ذات العينين الزرقاوين تماما مثلك) دمي هناك، ومعه بقايا عظامي المهشمة، محفوظ بين طبقات تراكمت تحت تراب “رفح”، وقد أصبح دون إرادتي وإرادتك وغيرنا نقطة ثابتة محفورة في سجل هذا التاريخ، صلبة تتحدى الزمن والدمار.
المخلصة “راشيل”
ليل 17 أكتوبر 2023
بتوقيت مجزرة مستشفى المعمداني في غزة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) بالطبع هذه الرسالة افتراضية متخيلة بقلم الكاتب.
(**) وفق نص الرسالة التي تقدمت بها والدة “راشيل كوري” إلى صحيفة “بوست جازيت” المحلية الأمريكية، ونشرتها في عددها بتاريخ 4 فبراير 2006 ضمن تحقيق من “أولمبيا” عن حياة “راشيل”.
